الدرس في كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 3، الدرس الثالث:من( وتنفيد الوصية بالخط المعروف وكذا الإقرار ... ولو أوصى بوقف ثلثه فأخر الوقف حتى نما فنماؤه يصرف مصرف نماء الوقف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تنفيذ الوصية المكتوبة بالخط المعروف جائز دون الحاجة لشهود إذا لم يتوقع نزاع. لا تصح الوصية لوارث إلا برضا الورثة لحديث "لا وصية لوارث"
الوصية لوارث بعينه لا تجوز، بينما تجوز بالأوصاف مثل تخصيص ثلث للفقراء. هناك استثناء للوصية لوارث إذا كانت لعمل صالح مثل الحج عن الميت
يتناول حكم الوصية لوارث بالأوصاف والأشياء اليسيرة، ويشير إلى جواز التسامح فيها. كما يناقش حكم نماء الوصية الموقوفة وما ينتج عن الأوقاف
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فيما ذكر من اختياراته: «وتنفيذ الوصية بالخط المعروف، وكذا الإقرار إذا وجد في دفتره، وهو مذهب الإمام أحمد»، يعني من مسائل الوصية أن الوصية تنفذ بالخط المعروف، تنفذ بالخط المعروف إذا عرف هذا خط فلان، فإن الوصية تمضي. ومر معنا قريبًا في شرح حديث ابن عمر استدلال أهل العلم به على هذه المسألة، في قوله عليه الصلاة والسلام والحديث الصحيحي من حديث ابن عمر: «إلا ووصيته مكتوبة عنده». ففي هذا دليل على العمل بالوصية المكتوبة، وإلا ما الفائدة أن يحث النبي عليه الصلاة والسلام على كتابة الوصية، وأنه لا يمضي عليه يوم ويومين إلا ووصية مكتوبة عنده؟ بل وفيه كذلك أن هذه الوصية المكتوبة لا يلزم منها ذكر شهود فيها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر الشهود. وهذا يحمل إذا أمنت الفتنة وحصول الخلاف والنزاع، وإن توقع حصول الخلاف والنزاع والمعارضة بهذه الوصية -كأن يكون ورثة بينهم شيء- فإنه يستحب الإشهاد؛ جمعًا بين الأدلة، لقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية. فأمر ربنا جل وعلا إذا حضر أحدًا من الموت وأراد أن يوصي أن يشهد اثنين من ذوي عدل من أهل الإسلام، بل إذا لم يوجد من أهل الإسلام أشهد من غيرهم: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية. فالشاهد أمرها هنا بالشهادة، وفي الحديث ليس فيه ذكر الشهادة، ولا كذلك ألزم بها، فدل على أن الوصية المكتوبة يجوز أن يعمل بها عند عدم ما يتوقع من الفتنة والنزاع، وأن ذلك يكفي، وإذا توقع شيئًا من النزاع أشهد في هذه الوصية المكتوبة، وهذا هو الأفضل والأكمل. قال رحمه الله تعالى: «وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ بِغَيْرِ رِضَا الْوَارِثَةِ»، «وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ بِغَيْرِ رِضَا الْوَرَثَةِ»؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث». وهذا هو الأصل، وأما اعتبار رضا الورثة؛ لأن المال ملكهم، فإن أمضوها فهم تنازلوا عن حقهم، هم تنازلوا عن حقهم. قال رحمه الله تعالى: «ويدخل وارثه في الوصية العامة بالأوصاف دون الأعيان». لكن نص الإمام أحمد في الوصية أن يحج عنه، قال: «يخالف هذا»، أو «بخلاف هذا»، نسخة: «بخلاف هذا». قال: «وأفتى أبو العباس لمن نذر أن يتصدق بثيابه وله أب فقير أن يصرف إليه والله أعلم». هذه ثلاثة مسائل، معناها ما أشير إليه في أول الأمر. «ويدخل وارثه في الوصية العامة بالأوصاف دون الأعيان»، لا يجوز أن تكون الوصية لوارث بعينه، كأن تقول مثلًا: ثلث مالي لابني فلان، أو لابنتي فلانة، أو لأخي فلان، وكلهم ورثة مثلًا، لا يصح هذا؛ ليش؟ للحديث: «لا وصية لوارث». لكن بالأوصاف يصح، بالأوصاف يصح، مثل أن يقول مثلًا: هذا الثلث في البيت الفلاني هو لطلبة العلم، ووجد في أحد أبنائه طلب علم، فهو يأخذ إرثه ويجوز له أن ينتفع من هذا البيت باعتبار وصفه لا باعتبار شخصه. ومثله لو كان فقيرًا، فأعطى الورثة مالهم من التركة، والثلث أوقفه للفقراء، جاز لمن هو فقير من الورثة أن يأخذ وينتفع من الثلث الوصية باعتبار وصفه لا باعتبار عينه وشخصه، فباعتبار شخصه هو وارث، لا تجوز له الوصية، أما باعتبار وجود الوصف فيه بغض النظر كونه وارثًا غير وارث، بل ها هنا هو أولى من غيره، أولى من غيره، إذا كان الفقير الأجنبي يجوز له أن ينتفع، فهو من باب أولى أنه يجوز له أن ينتفع، والأقربون أولى بالمعروف. وقوله رحمه الله: «لكن نص الإمام أحمد في الوصية أن يحج عنه بخلاف هذا»، ما معنى «بخلاف هذا»؟ يعني يجوز أن يعين أحدًا من الورثة؛ لأن الحج عن الميت ليس للوارث، الحج عن الميت ليس للوارث، لا يجوز أن يقول: ثلث مالي لفلان ليحج به، وهو من أولاده، لولد فلان أن يحج به ثلث مالي لفلان أحد أولاده أن يحج به؛ لماذا؟ «لا وصية لوارث»، هذا وارث، ولا يجوز أن يوصي له، لا. لكن لو قال: ثلث مالي يحج به عني، ويحج عني ولدي فلان، ويحج عني ولدي فلان، جاز أم لم يجوز؟ جاز؛ لماذا؟ لأن ولده فلان حج عنه، ولم ينتفع بهذه الوصية لنفسه، فتخصيص الوصية بتنفيذ هذا العمل الصالح -الحج- وما كان بمعناه يستثنى، ووجه الاستثناء ظاهر وواضح؛ لأنه ليس لشخصه. والمسألة الثالثة قال: «وأفتى أبو العباس لمن نذر أن يتصدق بثيابه وله أب فقير أن يصرفها إليه والله أعلم». وهذه المسألة الصحيح أنها تجوز من وجهين: الوجه الأول كما تقدم؛ لأن هذا الوارث دخل في هذه الوصية بالوصف لا بالعين، واضح، دخل في هذه الوصية بالوصف لا بالعين. والوجه الثاني: أن بعض أهل العلم أخرج مثل هذه الأمتعة والأشياء اليسيرة من التركة، وجعلوها أنها مما يحصل فيها التسامح، واستدلوا بفعل الصحابة مع ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد صح عنه أن «ما ترك لا يورث وأنه صدقة»، ومع ذلك فبعض ما كان عنده أخرج لبعض من كان حوله عليه الصلاة والسلام، فأخذ النعلين أنس رضي الله تعالى عنه، وأخذ الخاتم أبو بكر رضي الله تعالى عنه. فقال العلماء: بعض الأشياء اليسيرة قد يتسامح فيها، قد يتسامح فيها، يعني مثلًا لو قال الإنسان: تصدق بكتبي -أراد الكتب صدقة- فخرجت هذه الكتب صدقة، وبعض الأشياء اليسيرة التي يعلم أنها ربما لا ينتفع بها في مكتبة أو في موضع ما، فانتفع بها بعض الورثة، فهذا مما يحصل فيه التسامح، ولا يدخل في عموم الحديث «لا وصية لوارث»، فقد يكون مثلًا كتاب صغير في الأذكار لفلان الذي سينتفع به، وهذا مما يجري به التسامح بين الورثة، وهكذا كذلك في الشرع لما ورد من أدلة في هذا الباب، فهو مما يستثنى من هذين الوجهين: الوجه الأول أنها وصية بالأوصاف دون الأعيان، والثاني أن مثل هذه الأشياء في الغالب أشياء يسيرة يحصل التسامح فيها غالبًا، فإن حصلت المشاحة فالأصل «لا وصية لوارث». قال رحمه الله تعالى: «ولو أوصى بوقف ثلثه فأخر الوقف حتى نماء، فنماءه يصرف مصرف نماء الوقف». وهذا ظاهر، يشير رحمه الله إلى أن ما نمى من وصية فهو تبع لهذه الوصية، فلو أوصى بوقف ثلثه فأخر الوقف حتى نماء، فنماءه يصرف مصرف نماء الوقف؛ يعني على أصل ما أوقف فيه. فلو جعله للفقراء فيبقى هذا وما نمى منه للفقراء، كان يكون عنده مثلًا غنم، أوقف عشرًا من الغنم لمدرسة تحفيظ مثلًا، فلم يخرج هذا الوقف، تأخر إخراج الوقف، مرت سنة، فإذا بها صارت عشرين، هل يخرج العشر فقط أم يخرج العشرين؟ يخرج العشرين: العشر وما تولد منها؛ لأن الأصل قد أوقف، فما نمى منه هو فرع عند ذاك الأصل، ومثله لو كانت مزرعة أو شيء نحو ذلك. نكتفي إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.