الدرس في أهمية العلم 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع مكانة العلم النافع في الإسلام بوصفه الهدى ودين الحق، ويبين حث القرآن والسنة على طلبه مع ذكر أمثلة لعلماء رفعهم الله بالعلم رغم ضعف حالهم الدنيوي.
يبيّن المقطع مكانة العلم العظيمة حيث شبهه ابن القيم بالروح للجسد، ويستعرض حرص السلف على طلب العلم رغم المشاق وأقوال الأئمة في فضله مع التأكيد على نية رفع الجهل.
يؤكد المقطع أن طلب العلم عبادة تتطلب إخلاص النية لله، وأن العلماء كالنجوم يهتدي بهم الناس وفقدهم ثلمة في الإسلام، ويحث على تعظيمهم والحرص على مجالس العلم.
يختم المتحدث بالدعاء للمستمعين بالفهم في المستقبل، ويؤكد أن مجرد حضور مجالس العلم يجلب أجراً عظيماً، ويسأل الله أن يجعلهم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيقول الله عز وجل ممتناً على عباده بنعم عظيمة وآلاء كثيرة، قال ربنا عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. فامتن الله عز وجل على هذه الأمة بأن أرسل إليهم رسولاً من أنفسهم. ومما أرسل به النبي عليه الصلاة والسلام ما جاء في هذه الآية الكريمة: أنه أرسل بالهدى ودين الحق. فسر أهل العلم الهدى في هذه الآية بأنه العلم النافع، ودين الحق بأنه العمل الصالح. فهذان أمران وأصلان عظيمان أرسل بهما نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: العلم النافع والعمل الصالح. والعلم أمره عظيم ومنزلته رفيعة في هذا الدين، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى قد حث عباده وأمر عباده أن يهتموا بهذا الأمر وأن يعتنوا به وبتحصيله. وهكذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه قد حث أمته وأمرهم بطلب العلم، وهكذا الحرص عليه لما فيه من خير الدنيا والآخرة. فإن العلم يعتبر طريقاً إلى الجنة وسبيلاً يوصل إلى الجنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام قد حث على أمر العلم، وجعل الخير كل الخير في من علم وعلم، فقال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث معاوية: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين، من يرد الله به خيراً يفقه في الدين». بل لو نظرت يا عبد الله إلى آيات وسور القرآن، تجد أن الله عز وجل ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يسأل ويطلب الزيادة من شيء إلا من العلم، فقال جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾. وأخبر ربنا عز وجل عن رفعة العلم وأهله والمكانة العظمى التي جعلها ربنا جل وعلا للعلم وأهله، فقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام بين ذلك أيضاً بياناً واضحاً جلياً كما في صحيح سنته، فقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه من حديث أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين، إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». فالعلم كما قيل: يبني بيتاً لا أساس له، والجهل يهدم بيت العز والشرف. العلم يبني بيتاً لا أساس له، والجهل يهدم بيت العز والشرف. كم من إنسان لربما كان فقيراً، ولربما كان ضعيفاً، ولربما كان ذميم الخلقة، لكن رفعه الله عز وجل بالعلم. ولهذا ذكر أهل العلم نماذج عظيمة من أولئك، كعطاء بن أبي رباح الذي كان ذميم الخلقة، وكان كما يقال غير جميل الصورة، لكن لما كان ذا علم رفعه الله عز وجل ورفع من شأنه، ولا زال الناس إلى اليوم والليلة ينهلون من علم ذلكم التابعي الجليل. وهكذا الإمام الأعمش سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي، الذي كان يلقب بالمصحف لقوة وشدة حفظه، فلم يكن غنياً ولا حسن الخلقة، وإنما كان ذميماً، ولهذا كان يقول: «لو كنت بقالاً لقذرني الناس». الأعمش يقول: لو كنت بقالاً أي يبيع ويشتري ونحو ذلك، لقذرني الناس. لكن بالعلم رفعه الله عز وجل وأعلى من شأنه، وما أكثر الأحاديث التي رواها أصحاب الصحاح، وهكذا السنن والمسانيد والمستخرجات من طريق أمثال أولئك الجهابذة الذين رفعهم الله عز وجل بالعلم. وكم من إنسان بسبب جهله نعم، أصبح في منزلة لا يحسد عليها، وأصبح في منزلة نعم سحيقة، مع أنه قد يؤتى من المال ما يؤتى، وقد يكون حسن الصورة وأبيض البشرة، وقد يكون قوي العضلات ونحو ذلك، لكن بسبب الجهل فإنه قد أصابه ذلكم الذل وتلكم المنزلة السحيقة. فالعلم يبني بيتاً لا أساس له، والجهل يهدم بيت العز والشرف. ومكانة ومنزلة العلم في هذا الدين مكانة عظمى ومنزلة رفيعة، ولهذا فقد أحسن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى إذ يقول مبيناً منزلة العلم كما في كتابه الفذ مفتاح دار السعادة: قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «العلم من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، العلم من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، ولا تقوم شجرة الإيمان إلا على ساق العلم والمعرفة، فالعلم إذن أجل المطالب وأسنى المواهب، فالعلم إذن أجل المطالب وأسنى المواهب». فجعل العلم من الإيمان بمنزلة الروح من هذا الجسد، ولا يخفى علينا جميعاً ما للروح من أهمية في حياة هذا الجسد وموته، فإذا ذهبت الروح وخرجت الروح مات هذا الجسد، مات هذا الجسد. وهذا يدل على أهمية العلم وعلى المكانة العظمى التي جعلها ربنا عز وجل، وهكذا أيضاً بينها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نعم للعلم في هذا الدين العظيم، في هذا الدين العظيم. ولهذا كان سلف هذه الأمة من أحرص الناس على تحصيل العلم، فلربما يرحل الواحد منهم المسافات الطوال، بل ولربما يقطع الفيافي والقفار من أجل تحصيل حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما فعل عبد الله بن أنيس وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كان السلف يرحلون من الشام إلى العراق، ومن العراق إلى الحجاز، ومن الحجاز إلى اليمن، وهكذا إلى غيرها من بلاد الله عز وجل، مع قلة الإمكانيات، وهكذا مع ما كانوا عليه من فقر ومن ضيق في العيش، لكن كانت همتهم عالية في أن يتعلموا هذا العلم، لأنهم يعلمون علماً يقيناً أنه لا نجاة لهم إلا بتحصيل العلم، وأنه لا رفعة إلا من طريق العلم، فلهذا بذلوا في تحصيله الغالي والنفيس، بذلوا في تحصيله الغالي والنفيس. وهكذا أيضاً سلف هذه الأمة كانوا يحثون على تحصيل العلم وعلى بذل ما يستطيعونه في تحصيل العلم. فهذا الإمام سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي رحمه الله تعالى كان يقول: «لم يُعطَ أحد في الدنيا أفضل من النبوة، لم يُعطَ أحد في الدنيا أفضل من النبوة، وما بعد النبوة من شيء أفضل من العلم والفقه، وما بعد النبوة شيئاً أفضل من العلم والفقه». وهكذا أيضاً يقول الإمام الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله الشهير بابن شهاب الزهري، كان يقول رحمه الله تعالى: «ما عُبد الله بمثل الفقه، ما عُبد الله بمثل الفقه». وكان يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى الشيباني أبو عبد الله المروزي إمام أهل السنة في زمانه، كان يقول رحمه الله تعالى: «العلم لا يعدله شيء لمن صلحت نيته، العلم لا يعدله شيء لمن صلحت نيته». قيل: يا إمام، وما صلحت نيته؟ قال: «أن ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره». فهذا هو صلاح النية: أن ينوي بطلبه للعلم أن يرفع الجهل عن نفسه، ثم كذلك أيضاً أن يرفع الجهل عن غيره. لا يطلب العلم لكي يرى مكانه، أو لكي يُشار إليه بالبنان، أو لكي يُمدح ويثنى عليه. لا يا عباد الله، فأمر الإخلاص أمر عظيم، ينبغي لكل مسلم ولكل سائر في طريق العلم أن يستحضر أن العلم عبادة، وأنه كغيره من العبادات لا بد فيها من إخلاص النية لله عز وجل. ومتى ابتغى العبد بطلبه للعلم غير الله عز وجل كانت نقمة عليه، وكان وبالاً عليه، وكان وبالاً عليه. وهكذا أيضاً كان الإمام أبو مسلم الخرساني رحمه الله تعالى يقول: «العلماء في الأرض كنجوم السماء، العلماء في الأرض كنجوم السماء، فإذا بدت للناس اهتدوا، فإذا بدت للناس اهتدوا، وإذا خفيت عليهم تحيروا». سبحان الله، الله عز وجل وصف النجوم بأنها علامات، قال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. وهكذا العلماء هم للناس بمثابة النجوم في السماء، فإذا بدوا نعم اهتدى الناس بأقوالهم، وهكذا بعلومهم، وهكذا برجوعهم إليهم، لا سيما عند النوازل والمعضلات، عند النوازل والمعضلات. وإذا اختفت النجوم فإن السالك والسائر يتحير، وهكذا إذا ذهب العلماء فإن الناس يتخبطون، فإن الناس يتخبطون، وهكذا يصيبهم من الضلال ما يصيبهم. ولهذا قال ربنا عز وجل مبيناً ذلك: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يبين ذلك أيضاً كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». وتنبه إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فضلوا وأضلوا»، وإلى ما سبق في الآية الكريمة: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ولهذا يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى: «موت العالم ثلمة في الإسلام، موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اضطرد الليل والنهار، موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اضطرد الليل والنهار». ولهذا أيها الإخوة في الله، إن من المصائب العظام التي تصاب بها هذه الأمة فقد العلماء وذهاب فلذات أكبادها، مع ما معهم من علم وخير عظيم ينشرونه في الناس. ولهذا قال الإمام والتابعي الجليل مورد العجلي رحمه الله تعالى في اليوم الذي دفنوا فيه الصحابي الجليل أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بعد أن دفنوا أنس: «لقد دفننا اليوم علماً كثيراً». ولهذا أيها الإخوة في الله، ينبغي أن نعرف لهؤلاء ولهذا العلماء قدرهم ومكانتهم العظيمة التي أنزلهم الله عز وجل إياها، فلا يذكرون إلا بالجميل، وإذا ذكروا فإننا نترحم عليهم ونذكر محاسنهم ومناقبهم، والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. وهكذا أيضاً علينا أن نرجع إليهم وأن نعمل بعلمهم، وهكذا أن نستفيد من ذلك الميراث العظيم الذي آتاهم الله عز وجل إياه، فإنما العلم بالتعلم. وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا العلم هو ميراث الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. ولهذا يبغي علينا أيها الإخوة في الله أن نرفع لهذا العلم رأساً، وأن نهتم به، وأن نهتم بمجالس العلم وحلقات القرآن، وهكذا مجالس الحديث. ولنعلم أن فيها من الخير العظيم والأجر الكبير والنفع العظيم الشيء الكثير الذي لا يحصيه إلا الله عز وجل. وهكذا يسابق العبد ويحرص، بعضهم قد يقول: أنا لربما إذا جلست في مجالس العلم لا أستفيد ولا أفهم. لكن يا عبد الله، أنت إن لم تفهم اليوم ستفهم في الغد إن شاء الله، وإن لم تفهم في الغد فإنه يكفيك الأجر العظيم الذي يكون في مجالس العلم وحلق القرآن ومجالس الحديث. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعاً ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.