الدرس في حق المسلم على المسلم 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المحور حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن حقوق المسلم على أخيه مع التركيز على السلام، مبيناً أن ابتداء السلام مستحب وردّه واجب بالكتاب والسنة والإجماع. كما يفصل في صيغ السلام المشروعة ويبين الأفضلية في الزيادة على الصيغة الدنيا.
يشرح المحور معنى قوله تعالى ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ مستحباباً البدء بالسلام عند الدخول، ويستعرض الأحاديث الدالة على فضل إفشاء السلام كسبب للمحبة ودخول الجنة. كما يوضح آداب تقديم السلام للراكب على الماشي والصغير على الكبير، والسلام على الصبيان، وتقديم السلام قبل الكلام، وحكم ابتداء الكفار بالسلام وكيفية الرد عليهم.
يقرر المحور أن رد السلام واجب على الكفاية، فإذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، مستنداً إلى أقوال أهل العلم في ذلك. ويختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى استكماله في ليلة قادمة داعياً الحضور للاشتراك في القناة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز». وجاء في رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه». وفي هذا الحديث يبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعض حقوق المسلمين بعضهم على بعض، فإن حق المسلم على أخيه المسلم قد دلت أدلة الكتاب والسنة على ذلك، وهي حقوق كثيرة، لكن عين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعضها في هذا الحديث، وهذا من باب العناية بها، فمن هذه الحقوق التي هي للمسلم على أخيه المسلم رد السلام. وفي الرواية الأخرى قال: «إذا لقيته فسلم عليه، إذا لقيته فسلم عليه». وهذا فيه مشروعية السلام ابتداء وردا، أي أن المسلم يبتدأ أخاه المسلم بالسلام، والأمر الثاني أن المسلم إذا سلم عليه أخوه المسلم أنه عليه أن يرد عليه السلام. وقد نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على استحباب ابتداء السلام، وعلى وجوب رد السلام، كما نقل ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى عن ابن عبد البر وغيره من أهل العلم. فابتداء السلام مستحب، أن تقول لأخيك: السلام عليكم، أو السلام عليكم ورحمة الله، أو السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما رد السلام فهو واجب، كما دل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]، هذا أمر من الله عز وجل برد السلام. والأفضل والأكمل أنه إذا حيي أحدنا بتحية أن يرد بأحسن منها، إذا قال لك شخص: السلام عليكم، فالأفضل والأكمل أن تقول له: وعليكم السلام ورحمة الله، أو تزيد وبركاته، وإلا فترد بالمثل، قال: السلام عليكم، تقول: وعليكم السلام. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على مشروعية السلام، فربنا عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 27]. وهكذا يقول ربنا عز وجل: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: 61]. ومعنى قوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي سلموا على إخوانكم، فقد جعل ربنا عز وجل المؤمنين كنفس واحدة، ولهذا أخذ أهل العلم من هذا أنه يستحب للداخل سواء كان بيته أو بيت غيره أن يبدأ بالسلام: السلام عليكم، سواء كان في البيت أحد أو لم يكن في البيت أحد، كما دلت على ذلك هذه الآية الكريمة. وهكذا أيضا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف، على من عرفت ومن لم تعرف». وهذا فيه أدب من آداب السلام، وذلك أن السلام يكون على من تعرف ومن لا تعرف. بل جاء عند الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن من أشراط الساعة أن يكون السلام بالمعرفة: فلان أعرفه أسلم عليه، فلان لا أعرفه إذن لا أسلم عليه، وهذا من الخطأ. وجاء عند أصحاب السنن من حديث أبي يوسف عبد الله بن سلام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة كان من أول ما سمع منه أنه عليه الصلاة والسلام يقول: «أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». نعم، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإفشاء السلام، بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن إفشاء السلام سبب من أسباب تآلف القلوب، ومن أسباب المودة والمحبة التي تكون بين قلوب المسلمين. فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». ومن آداب السلام أن القائم يسلم على القاعد، وأن الماشي يسلم على الواقف، وأن الراكب يسلم على الماشي، وهكذا الصغير يسلم على الكبير، وهكذا القليل يسلمون على الكثير، كما دل على ذلك ما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير». وجاء عند البخاري رحمه الله: «والصغير على الكبير». هذا على سبيل الاستحباب، وإلا لو حصل عكس ذلك، أي سلم القليل على الكثير، أو سلم الكبير على الصغير، أو نحو ذلك، لا حرج، لكنه خلاف الأفضل. وهكذا أيضا من آداب السلام التي دلت عليها السنة هو السلام على الصبيان، أي على الصغار. ودليل ذلك حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على غلمان فسلم عليهم، وجاء عن أنس أنه مر على صبيان فسلم عليهم، ثم أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصنع ذلك، كان يصنع ذلك. وهكذا أيضا من آداب السلام أن الواحد يبتدأ قبل الكلام بالسلام، قبل أن يخوض في أي كلام، الذي ينبغي أنه أول ما يبدأ يبدأ بالسلام، وذلك لما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله، وقد تكلم فيه بعضهم بشيء- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتدأكم بشيء قبل السلام فلا تجيبوه، من ابتدأكم بشيء قبل السلام فلا تجيبوه». وهكذا أيضا من آداب السلام المحافظة على الصيغة التي علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته إياها، فأقل هذه الصيغة أن يقول الواحد: السلام عليكم، وأكثرها أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه السلام وجلس، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «عشرا»، أي عشر حسنات. فجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد النبي عليه الصلاة والسلام السلام عليه وقال: «عشرين». وفي الثالثة زاد وبركاته، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاثين»، أي ثلاثين حسنة. وهكذا أيضا من آداب السلام عدم ابتداء الكفار بالسلام، إذا كان هناك كافر، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تبتدئوا أهل الكتاب بالسلام، فإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم، فقولوا: وعليكم». وهذا أذب ينبغي أن نتنبه له، وسبب ذلك أن في هذه الأزمنة كثرت الوفود الكافرة إلى بلاد المسلمين، فلربما يمر رجل ببعض هؤلاء الذين يسمون بالسواح ونحو ذلك فيبتدئهم بالسلام، وهذا من الخطأ. لكن إن سلموا علينا، فمن أهل العلم من يقول أننا نجيبهم بـ «وعليكم» مطلقا، ومن أهل العلم من يقول أنه إذا آمنا أن يكون في كلامهم شيء من اللبس، وذلك بأن نسمع منهم صريحا قول: السلام عليكم، لا أن يقول الواحد: السلام عليكم، أو كلمة قد لا تفهم، فإن كان هناك كلمة لا تفهم فالجواب بـ «وعليكم»، وأما إذا كان السلام مفهوما فذكر ابن القيم وغيره أنه يجاب عليهم بـ «وعليكم السلام». هذا بعض ما يذكر حول هذا الحق الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام للمسلم على أخيه المسلم. وأخيرا، فقد ذكر أهل العلم أن رد السلام واجب، لكنه على الكفاية، أي إذا قام به البعض سقط الواجب والإثم على الباقين. نكتفي بهذا، وللحديث بقية نكمله في ليلة قادمة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله. اشتركوا في القناة