حق المسلم على المسلم 2

الدرس في حق المسلم على المسلم 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الحق الثاني: عيادة المريض وأحكامها وفضلها

تعد عيادة المريض فرض كفاية تختص بمن لزم بيته للعجز، وقد ورد في فضلها أحاديث عظيمة منها أن العائد في خرفة الجنة حتى يرجع. كما جاء في الحديث القدسي أن الله يكون عند المريض فيقول للعائد: لو عدته لوجدتني عنده.

آداب العيادة الشرعية وإدخال السرور على المريض

من آداب العيادة إخلاص النية لله واتباع السنة، مع الحرص على إدخال السرور وعدم الإطالة بما يثقل المريض. كما يُستحب استغلال الزيارة لتوجيه المريض وتصحيح عباداته وبيان الرخص الشرعية له.

الأذكار النبوية في العيادة والتنبيه على صلاة التراويح

يشمل هدي العيادة إرشاد المريض للوصية وتوعيته بالأدعية النبوية كدعاء الشفاء والمسح باليد والرقية بالتراب. ويختم المحور بالتأكيد على المحافظة على صلاة التراويح وعدم التساهل فيها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة.

اغتنام قيام الليل وتجنب إضاعة الأجر

يحث المحور على عدم تفويت أجر العبادة بالكلام الفارغ أو الاشتغال بالدنيا، مبيناً أن من فاته أول الليل يمكنه إدراك جماعة في آخره. ويختتم بالدعاء بالتوفيق والحمد لله على نعمة الطاعة.

  • 22 جمادى الأولى 1432هـ - 25/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فقد تقدم معنا في الليلة الماضية ما يتعلق بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، وإجابة الدعوة، واتباع الجنائز». وتكلمنا حول الحق الأول، ألا وهو ما يتعلق بإفشاء السلام ورد السلام. وقلنا: إن ابتداء السلام يعتبر سنة مؤكدة، رغب فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأما رد السلام فإنه يعتبر واجبا، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك، كما نقل النووي رحمه الله تعالى عن ابن عبد البر وغيره الإجماع. وينبغي على أهل الإسلام أن يفشوا السلام فيما بينهم، فإن ذلك سبب للأجر العظيم عند الله عز وجل، وهكذا أيضا سبب للمودة والمحبة وتقوية روابط الصلة بينهم. ولهذا جاء في مسلم من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». وأما ما يتعلق بالحق الثاني من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وهو عيادة المريض، فقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها فرض على الكفاية، أي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. والمريض الذي يعاد هو الذي يكون لازما بيته، فلا يخرج إلى الناس لقضاء حوائجه ولا يصاحب الناس، فهذا الذي يعاد. أما الذي عنده مرض خفيف لا يمنعه من الخروج لقضاء حوائجه، وهكذا أيضا مصاحبة الناس، فهذا لا تلزم عيادته، وإنما يسأل عن حاله، وهكذا أيضا ممكن أن يزار. وقد رغب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عيادة المريض، فقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني» أي الأسير. وشاهدنا من هذا قوله: «عودوا المريض». وهكذا أيضا جاء في مسلم من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع». قيل: وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها» أي الثمر الذي يجنى. وهذا مما يدل على الأجر العظيم الذي أعده الله عز وجل لمن عاد مريضا. وهكذا أيضا جاء في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، فيقول: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول الله عز وجل: مرض عبدي فلان فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟» إلى آخر الحديث. وهذا فيه أن المريض يحاط بعناية الله عز وجل وحفظ الله سبحانه وتعالى. ومما ينبغي على عائد المريض أن يتحلى بآداب العيادة، فمن هذه الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها من أراد أن يعود مريضا: أولا عليه أن ينوي بعيادته امتثال أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليس لأجل مصلحة أو لأجل غرض دنيوي، فيقوم ويعود هذا المريض، لا يا عبد الله، وإنما أولا هذه طاعة وهذه عبادة يجب فيها الإخلاص لله عز وجل. ثم لا يمنع أن يكون هذا المعاد قريبا أو صديقا أو غير ذلك. أيضا من آداب عيادة المريض أن يسعى هذا العائد إلى إدخال السرور في قلب هذا المريض، فإن إدخال السرور في قلب هذا المريض يعتبر من الأسباب التي تعين على الشفاء بإذن الله عز وجل، كما أن العكس بالعكس: المريض إذا كان يعيش في جو كئيب ويغلب عليه الهموم والأحزان، فإن هذا يعتبر سببا في تأخر الشفاء بإذن الله عز وجل. وإدخال السرور في قلب المؤمن لا سيما وإن كان في حالة كحالة المريض نعم أمر مطلوب، ينبغي على المسلم أن يحرص على ذلك. ومما يكون سببا في إدخال السرور في قلب هذا المريض أن الزائر أو العائد ينبغي ألا يثقل على المريض، وإنما ينظر إلى المصلحة، فإن كانت المصلحة في إطالة البقاء والجلوس جلسة، وإن كانت المصلحة تقتضي ألا تمكث عنده طويلا وألا تثقل عليه بكثرة الجلوس، فعندها ينبغي أن تكون العيادة مختصرة، والمؤمن ينظر إلى الأصلح في ذلك. فإن رأيت بشاشة في المريض وألح عليك بأن تبقى وتمكث، فاعلم أنه قد انبسط وارتاح لعيادتك ومجيئك، فلا بأس أن تبقى وتمكث عنده بالقدر الذي تراه صالحا. وأما إذا رأيته متضايقا متضجرا، فاعلم أن الرجل لربما كانت له حاجة إلى أهله، أو مثلا يريد قضاء حاجته ويستحي أن يقول لك: قم يا فلان. المريض لربما كان عاجزا عن الحركة، ولربما لا يستطيع أن يذهب إلى الحمام مثلا لقضاء حاجته، فيحتاج إلى أن بعض أهله يعينوه على ذلك، فأنت بجلوسك نعم قد تضيق عليه في هذا، فلذا ينبغي على الزائر أن يراعي المصلحة الشرعية، وهكذا أيضا مصلحة المريض في ذلك. وأيضا من آداب الزيارة والعيادة أن العائد ينبغي عليه أن يستغل هذه الفرصة بتوجيه النصائح والإرشادات، فيسأل المريض: كيف تتوضأ؟ كيف تصلي؟ كيف تصوم أو لا تصوم؟ إلى غير ذلكم من هذه الأحوال التي ينبغي أن يتفقدها الإنسان بالنسبة لهذا المريض، لأن كثيرا من المرضى يقعون في أخطاء جسيمة إذا مرضوا. بعض الناس يظن أنه إذا مرض مباشرة يلجأ إلى التيمم وإن كان قادرا ومستطيعا على الوضوء، يقول: أنا مريض، هات التراب أتيمم، وهذا من الخطأ، فإن كان يستطيع أن يتوضأ من غير مشقة كبيرة فينبغي عليه أن لا يترك الوضوء. وهكذا بعض الناس إذا مرض يظن أن الصلاة لا تجب عليه، حانت وقت الصلاة كيف سأصلي وأنا جالس؟ أو كيف سأصلي وثيابي متسخة أو ثيابي نجسة أو غير ذلكم. وهكذا أيضا بالنسبة للصيام، لربما صام بعض المرضى وفي الصوم ضرر عليه، ويرى أنه إن أفطر كان في ذلك إثما عظيما عليه، فلما يوجه ويعلم: يا فلان هذه رخصة، إن كان الصوم يشق عليك ويضرك فقد رخص الله عز وجل لك بالإفطار، والله سبحانه يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ويقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾. كذلك أيضا إرشاد المريض إلى أمر الوصية، وأنه ينبغي أن يوصي إن كان له حق أو للناس عليه حقوق، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر الوصية. وهكذا أيضا ينبغي على العائد أن يستغل المقام في توعية هذا المريض، لربما كان عنده سؤال ولربما كان عنده إشكال أو نحو ذلك، لا سيما إذا كان العائد من طلاب العلم، فزيارته لهذا المريض فيها خير عظيم وفيها نفع كثير. كذلك أيضا من آداب عيادة المريض أنه ينبغي على العائد أن يدعو لهذا المريض. جاء في صحيح مسلم رحمه الله من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعودني فقال: «اللهم اشف سعدا، اللهم اشف سعدا، اللهم اشف سعدا». وهكذا أيضا جاء في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا عاد بعض أهله مسح بيده اليمنى ثم قال: «اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما». وهكذا أيضا جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عاد بعض الناس كان لربما وضع أصبعه في التراب ثم رفعها ثم قال عليه الصلاة والسلام: «بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى بها سقيمنا، بإذن ربنا». وهذا من دعائه عليه الصلاة والسلام لبعض المرضى الذين كان يعودهم. وغير ذلك من الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يتعلق بعيادة المريض، من ذلك أن يعلم المريض أيضا، وقد يقوم العائد بذلك، كأن يضع يده على الموضع الذي يتألم منه ثم يقول: «بسم الله» ثلاثا، ثم يقول سبع مرات: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»، فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المريض بإذن الله عز وجل يبرأ من ذلك. وهكذا أيضا أرشد النبي عليه الصلاة والسلام أن العائد إذا دخل على المريض أن يقول له: «لا بأس، طهور إن شاء الله»، لا بأس أي لا شدة، وطهور أي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا المرض إن شاء الله عز وجل يكون طهورا، وقوله: «إن شاء الله» وذلك أن الجملة خبرية وليست إنشائية يراد بها الدعاء، وإنما يراد بها الإخبار. إلى غير ذلك من الآداب التي ينبغي على عائد المريض أن يتنبه لها. وهنا تنبيه قبل أن ننتهي ونختم هذا الدرس، يتعلق بمسألة صلاة التراويح، فننبه إخواني في الله على أنه ينبغي على المسلم أن يحرص على هذه الشعيرة وهذه السنة التي سنها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأتمها أمته عليها، فقال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». ومن الملاحظ أن بعض الناس هداهم الله لربما وقعوا في التساهل في أمر صلاة التراويح، يصلي بعضهم العشاء ثم لربما خرج وانصرف، أو أنه يبقى في الضاحية قيل وقال وإضاعة للوقت في غير فائدة، فإذا حان الوتر قام وأسرع ودخل مع الناس يصلي، هذا من الخطأ إخواني في الله. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من صلى مع الإمام حتى ينصرف» أي حتى ينتهي من الصلاة «كتب له قيام ليلة». فلا ينبغي أخي رعاك الله أن تضيع هذه الأجور وهذه التجارة الرابحة مع الله عز وجل من أجل قيل وقال وتحدث في أمور دنيا أو غير ذلك. وإذا كان عندك عمل في هذه الساعة فبفضل الله عز وجل الإخوة يقومون في آخر الليل ويصلون جماعة أخرى، فاحرص ألا تفوتك الأولى، والثانية إذا لم تضفر بالأولى فاحرص أن تضفر وتربح الثانية وهي خير. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.