الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل شروط صحة السماع في الرواية، مثل أن يكون القارئ موثوقًا به ويقرأ قراءة صحيحة، وأن يكون الشيخ يحفظ ما يقرأ أو يكون الأصل بيد القارئ الموثوق. كما يشمل شروط السماع والرواية في الإجازة.
يتناول هذا الفصل تفاصيل الرواية وسماع الحديث، مثل استخدام ألفاظ "حدثنا" و"أخبرنا"، ومدى جواز إبدالها في الكتب المؤلفة، وضرورة الدقة في السماع وعدم الإخلال بالمعنى.
يناقش هذا الفصل أحكام تخصيص الإجازة في الرواية، حيث يوضح أن تخصيص الإجازة لشخص معين لا يمنع الآخرين من الرواية إذا سمعوا بغير علمه، وأن نفي الإجازة لشخص معين لا يضر بصحة الحديث إذا سمعه ذلك الشخص.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فروع أهل الأصول، إذا كان أصل الشيخ بيد موثوق به، مراعيًا لما يقرأ، أهل له، فإن حفظ الشيخ ما يقرأ، فهو كإمساكه أصله. وعوله: إذا كان الذي يقرأ رجلًا موثوقًا به، يقرأ قراءة صحيحة، ومراعيًا أيضًا لما يقرأ، وضابطًا له أن يضبط التشكيل، قال: فهذا كإمساك أصله، وأولى. لكن إذا كان الشيخ هذا يحفظ، وأما إذا كان الشيخ لا يحفظ، قال: لا يصح السماع. والصحيح المختار الذي عليه العمل أنه صحيح، إن كان بيد القارئ الموثوق بدينه ومعرفته؛ لأنه إذا كان موثوقًا به، فهو ما سيقرأ على الناس إلا ما عنده، ما سيقرأ شيء آخر، فلهذا فهو سواء كان حفظ الشيخ أو لم يحفظ، هذا كتاب الشيخ، هذا كتابه، وهذا الذي يقرأ يقرأ معنى الرجل موثوق، ويقرأ بصدق، لا يزيد من عنده ولا ينقص، فلهذا فهذا يعتبر أيضًا سماعًا. قال: فأولى، فإن كان بيد القارئ الموثوق بدينه ومعرفته، فأولى بالتصحيح. ومتى كان الأصل بيد غير موثوق به، لم يصح السماع إن لم يحفظه الشيخ؛ يعني إذا كان بغير موثوق والشيخ لا يحفظ، فهذا السماع غير صحيح. وإن كان الشيخ يحفظ، فالسماع صحيح، حتى إذا أخطأ هذا القارئ يرد عليه. قال: الثاني، معنى المسألة الفرع الثاني: إذا قرأ على الشيخ قائلًا: أخبرك فلان أو نحوه، والشيخ مصغٍ إليه، فاهم له، غير منكر، صح السماع وجازت الرواية به. أنه لو لم يتكلم ولا يشترط نطق الشيخ، على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الفنون. معنى: يقال مثلًا عنده يقرأ، يقال: أخبرك فلان عن فلان عن فلان، وهو ساكت، فسكوته هذا يدل على أنه موافق على الذي يقرأ، على الذي يقرأ عليه. قال: وشرطه بعض الشافعيين والظاهريين نطقه؛ يعني يقول: نعم. لكن هذا سيتعب الشيخ دائمًا يقول: نعم، نعم، نعم. لكن سكوته يكفي إذا كان متأهبًا، أما إذا كان نعسان أو نائم وكذا، فهذا فيه شيء، أي هذا السماع. قال: وقال ابن الصباغ الشافعي: ليس له أن يقول: حدثني، وله أن يعمل به، وأن يرويه. قائل القراءة عليه وهو يسمع، هذا أفضل. قال: الفرع الثالث، قال الحاكم: الذي اختاره وعهدته عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري، أن يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ: حدثني، وما عدا ذلك: حدثنا، وما قرأ عليه: أخبرني، وما قرأ بحضرته: أخبرنا. ورويه نحوه عن ابن وهب، وهو حسن. فإن شك في الأظهر أن يقول: حدثني، وقل: أخبرني، لا حدثنا وأخبرنا. فهذا الذي قاله الحاكم هو الذي مشى عليه كثير من مشايخ، وأيضًا كان يقوله أيضًا ابن وهب، ورواه أيضًا سعيد بن البيه، أقيف المدخل عن سعيد بن مريم. وقال: لو عليه أدركتم مشايخنا، وهو معنى قول الشافعي وأحمد: معنى يقول: حدثنا فيما سمعه، وإذا قال: حدثني فيما سمعه وحده، وإذا كان سمع في جماعة في مجلس يقول: حدثنا، وما سمعه وما قرأ عليه هو بنفسه يقول: أخبرني، وما قرأ بحضرته يقول: أخبرنا. وإن كان الأفضل مثلًا يبين الصحيح: قرأ وأنا أسمع، أو يقول: قراءة على الشيخ. والأمر فيها سهل، سواء كان سمع أو عرض، يقول: أخبرنا، أو يقول: حدثنا، أمر سهل، إلا أن بعض العلماء أخذ بهذا، وبعضهم أوجب حدثنا، وبعضهم أوجب أخبرنا، والظاهر أنه لا ليس كذلك. قالوا: كل هذا مستحب باتفاق العلماء، ولا يجوز إبداله حدثنا بأخبرنا أو عكسه في الكتب المؤلفة. وما سمعته من لفظ المحدث فهو على الخلاف في الرواية بالمعنى، إن كان قائله يجوز إطلاق ليهما وإلا فلا يجوز. قالوا: ما سمعته من لفظ المحدث فهو على الخلاف في الرواية بالمعنى، معناه: يجوز أن يروي بالمعنى إذا كان عالما بحالة اللغة، سواء كان الرواية بالمعنى أو الاختصار؛ لأن الاختصار الحديث يعد من الرواية بالمعنى، فتصح الرواية بالمعنى إذا كان عالما بما يحيل المعنى. وهنا أراد أيضًا مسألة أخرى، وهو: ولا يجوز إبدال حدثنا بأخبارنا وعكسه في الكتب المؤلفة. وما سمعته من لفظ المحدث فهو على الخلاف في الرواية بالمعنى، معناه: يقول: حدثنا، أو يقول: أخبارنا، وما رواه الشيخ يأتي به بمثل ما رواه، إن قال: حدثنا، يقول: حدثنا، وإن قال: أخبارنا، يقول: أخبارنا، ولا يبدل إلا من أجاز الرواية بالمعنى فيجوز، والأفضل عادة من الإبدال. قال: الرابع، إذا نسخ السامع أو المسمع حال القراءة، فقال إبراهيم الحربي وابن عدي والأستاذ إسحاق للشافعي: لا يصح السماع. وصححه الحافظ موسى بن هارون الحمال وآخرون. إذا نسخ السامع أو المسمع حال القراءة عن الشيخ يقرأ أو من يقرأ جزء الشيخ وهو ينسخ، وهو ينسخ جزء آخر، فهذا الأصل أن سماعه غير صحيح، وصححه بعض العلماء لمن كان متيقظًا. قال: قال أبو بكر الصباغ الشافعي: يقول: حضرته، ولا يقول: أخبرنا. والصحيح التفصيل: أنه إن فهم المقرئ صح، وإلا لم يصح. أن إذا فهم هذا المقرئ الذي يقرأ عليه صح هذا السماع، مثل ما حصل للدار قطني بمجلس إسماعيل الصفار ينسخ وهو يسمع. فقال له رجل: لا يصح سماعك وأنت تنسخ. فقال: فهمي للإملاء خلاف فهمك، أنا أعرف وإن كنت أنسخ. فقال له: تحفظ كما أمل الشيخ من الحديث إلى الآن؟ فقال: لا. فقال الدار قطني: أم لا ثمانية عشر حديثًا. قال: فعدت للحديث فوجدت كما قال. ثم قال: الحديث الأول عن فلان عن فلان، أنا ذكر أسانيد. فهذا أيضًا مما ينظر في الناس أن الإنسان ينسخ ويسمع، لكن أولئك أمة أعطاهم الله عز وجل حافظة. وأيضًا ذكر هنا السيوطي قصة أيضًا عن دار قطني وهو يصلي والقارئ يقرأ، فمر حديث فيه: نسير بن ذعلوق، بشير بن ذعلوق، فقال القارئ: بشير. فسبح الدار قطني من نابه، وشعر بالصلاة ليسبح، فقال: بشير، فسبح، فقال: يسير، فتلت دار قطني: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ معنى يرد عليهم وهو يصلي. قال: وقال حمزة بن محمد بن طاهر: قال: كنت عند الدار قطني وهو قائم يتنفل، فقرأ عليه القارئ عمر بن شعيب، فقال: عمر بن سعيد، فسبح الدار قطني، فعاد ووقف، فتلت دار قطني: «يا شعيب أصلاتك تأمرك حتى تنتبه؟». وهذا عند بعض أهل العلم غير صحيح. وهذا ذكر هذه القصص الخطيب البغدادي. قال: ويجري هذا الخلاف فيما إذا تحدث الشيخ أو السامع أو أفرط القارئ في الإسراع، وهذّم القارئ، هذّم معنى جاء بقراءة لا تعرف ما يقول، أو بعد بحيث لا يفهم. والظاهر أنه يعفى عنه الكلمتين، ويستحب للشيخ أن يجيز السامعين رواية ذلك الكتاب، أنه إذا أجازهم مع ما سمعوا وفهموا طيب. قالوا: وإن كتب لأحدهم سمعه: سمعته مني، وأجزت له روايته، كذا فعل بعضهم، أنه إذا كان السماع فيه خلل، فالأفضل أن تكون فيه إجازة حتى تسد هذا الخلل. قالوا: لو عظم مجلس المملي فبلغ عنه المستملي، فذهب جماعة المتقدمين وغيرهم إلى أنه يجوز لمن سمع المستملي أن يروي ذلك عن المملي عن الشيخ المملي الذي يملي، يقول: حدثنا فلان. لكن هناك ناس لا يسمعون، فيقول أحدهم وهو الذي يسمى المستملي: يقول: قال رحمه الله حدثنا فلان. فإذا لم يسمع قال: ماذا قلت يرحمك الله، فيبلغ العبارة للناس، ولابد أن يكون هذا المستملي ثقة، وكذلك أيضًا أن يسمع صوته المملي حتى لا يأتي بكلام غير الذي يأتي به المملي. قال: الصواب الذي قال المحققون أنه لا يجوز ذلك. والظاهر الذي عليه العمل عند السلف أنه يفعلون ذلك. لهذا العراق يقول: والأول هو الذي عليه العمل، على أن المستملي هناك من يجعل المستملي يملي على الناس، وهذا ما فيه شيء من يجعله. قال أحمد: في الحرف يغمضه الشيخ فلا يفهم، وهو معروف، أرجو أن لا تضيق روايته عنه. وقال: في الكلمة يستفهم من المستملي، إن كانت مشهورة فلا بأس؛ يعني يقال له: إيش قال الشيخ؟ فيقول: كذا، فيسمعه الناس، ولم ينكر عليه، فهذا يعتبر صحيحًا. قال: وعن خلف بن سالم منع ذلك؛ أي منع هذا يعتبره بعض من التلقين. قال: الخامس، يصح السماع من وراء حجاب إذا عرف صوته، إن حدث بلفظه أو حضوره بمسمع منه إن قرئ عليه. وأكفي المعرفة خبر ثقة، وشرط شعب رؤية، والصحيح أنه لا تشترط الرؤية، مدام يعرف الكلام. قال: وهو خلاف الصواب، وقال الجمهور. قال: السادس، إذا قال المسمع بعد السماع: لا ترو عني، أو رجعت عن إخبارك، ونحو ذلك، غير مسند ذلك إلى خطأ أو شك ونحوه، لم تمتنع روايته، ولو خص بالسماع قومًا. قال: فسمع غيرهم بغير علمه جائز لهم الرواية عنه؛ معنى إذا قال مثلًا بعد أن أسمع: لا ترو عني، هذا لا يدل على أن سماع الطالب غير صحيح، بل سماعه يكون صحيحًا. لو كان مثلًا قالوا: لو خص بالسماع قومًا، فسمع غيرهم بغير علمه؛ معنى إما كانوا قريبًا أو كانوا عند الباب فسمعوا، فجائز لهم الرواية عنه. لو قال: أخبركم، ولا أخبر فلانًا، لم يضر. لو قال: أخبركم، أما فلان فأنا لا أجيز له أن يسمع مني، وسمع منه، فإن حديثه صحيح. قال رحمه الله: ولو قال: أخبركم، وأخبر فلانًا، لم يضر، قاله الأستاذ أبو إسحاق أيضًا. فرأيت ليص له الاشتراك شيء هو ضرمان.