حق المسلم على المسلم 3

الدرس في حق المسلم على المسلم 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حقوق المسلمين: عيادة المريض وتشييع الجنائز

يعرض المقطع فضل عيادة المريض وآدابها من إخلاص النية وإدخال السرور والتعلق بالله مع النهي عن السحرة. ثم يبين وجوب تشييع الجنائز كفائياً وأجر من يصلي عليها ويشهد دفنها.

أجر تشييع الجنازة وآداب التشميت والتثاؤب

يوضح المقطع أجر اتباع الجنازة بقيراطين يعدل كل منهما جبل أحد مشروطاً بالإخلاص. كما يبين حكم تشميت العاطس حقاً واجباً والنهي عن التثاؤب لاستجابة الشيطان له.

آداب العطاس وحقوق المسلم في إجابة الدعوة

يستعرض المقطع آداب العطاس من تحميد العاطس وتشميت السامع بشرط التحميد. ويتناول الحق الخامس بإجابة دعوة الوليمة بشروطها مؤكداً على تكافل المجتمع المسلم.

دعاء الختام والحمد

يختتم المتحدث بدعاء بالحفظ والتوفيق لما يحبه الله ويرضاه. ويختم الجلسة بالحمد لله رب العالمين.

  • 22 جمادى الأولى 1432هـ - 25/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد تقدم معنا في الليلة الماضية ما يتعلق بالحق الثاني من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، ألا وهو عيادة المريض. وذكرنا أن عيادة المريض حق أمر به نبينا صلى الله عليه وسلم، كما في قوله: «عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني» أي الأسير. وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المسلم إذا زار أخاه المسلم فإنه لا يزال في خريفة الجنة. سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن خريفة الجنة، قال: «أي جناها» أي الثمار التي تجنى فيها أو منها، فهو لا يزال في ذلك حتى يرجع من عيادته. وهكذا أيضاً أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يقول يوم القيامة: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني»، فيقول: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول الله عز وجل: «أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟» وهذا تفسير لما كان في أول الحديث: «مرضت فلم تعدني». والمرض صفة نقص لا يوصف بها ربنا عز وجل، لكن المراد: مرض عبدي. وهذا نحو ما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب». من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، أي: أني محارب له. فهنا المعاداة كانت لولي من أولياء الله عز وجل، ولم تكن الحرب على الله عز وجل مباشرة. وذكرنا أيضاً ما يتعلق ببعض الآداب التي ينبغي على عائد المريض أن يتحلى بها وأن يمتثلها، من ذلك إخلاص النية في زيارته لهذا المريض. وهكذا أيضاً يسعى في إدخال السرور في قلب ذلكم المريض، فإنه يعتبر أعون على شفاء ذلكم المريض بإذن الله عز وجل. وهنا أمر أيضاً ينبغي أن نهتم به، وهو أنه ينبغي على عائد المريض أن يعلق قلب المريض بالله عز وجل: «وإذا مرضت فهو يشفين» أي الله عز وجل، ولا يعلق قلبه بطبيب أو بدواء، مع جواز التداوي ومع جواز الذهاب إلى الطبيب، لكن هذه ما هي إلا أسباب، والشفاء من الله عز وجل. كذلك أيضاً ينبغي أن يتفقد حال المريض، وينصح بعدم الذهاب إلى السحرة أو المشعوذين وأضرابهم ممن حاد الله ورسوله. فإن بعض المرضى لربما يغلب عليه ألم المرض أو شدة الوجع أو نحو ذلك، فلا يبالي: أذهب إلى مشعوذ أو ذهب إلى مخرف أو ساحر أو نحو ذلك. وهذا أمر خطير، لربما يؤدي إلى خروج هذا العبد من دين الإسلام. فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». فتصحيح المفاهيم، لا سيما المتعلقة بالعقيدة، أمر مطلوب، ينبغي على طلاب العلم وهكذا عامت المسلمين أن يهتموا بها. وهكذا أيضاً أن يطهروا ويصفوا قلوب هؤلاء المرضى من التعلق بغير الله عز وجل. ومن هذه الحقوق التي هي للمسلمين بعضهم على بعض، ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «وإذا مات فاتبعوه». وهكذا في الرواية الأخرى: «وتشييع الجنائز». وتشييع الجنائز حق وواجب كفائي، أي: إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثم الجميع، أثم الجميع. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها رجع من الأجر بقيراط، ومن شهد الجنازة حتى تدفن رجع من الأجر بقيراطين». قيل: وما القيراط؟ أو قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين». وهنا بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي يتبع الجنازة حتى يصلى عليها، فإذا صلى عليها رجع، هذا يرجع من الأجر بقيراط واحد. والذي يتبع الجنازة حتى يصلى عليها ثم يبقى حتى تدفن، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين. لما سئل عن القيراطين قال: «مثل الجبلين العظيمين»، مثل الجبلين العظيمين. وينبغي على مشيع الجنازة أن يكون ذلك اتباعاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا إخلاصاً في العبادة، وليس مجرد المجاملة لأهل الميت أو طلب مصلحة شخصية أو نحو ذلك. وهذا ملاحظ عند بعض الناس: إذا كانت الجنازة جنازة مسؤول أو غني فما أكثر المشيعين لها، أما إذا كانت جنازة إنسان مسكين أو ضعيف فقد يتكاسل البعض عن ذلك. وهذا من الخطأ. فقد جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معها حتى يصلى عليها وحتى تدفن، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين. ومن كان معها حتى يصلى عليها، قال: فإنه يرجع من الأجر بقيراط واحد». قال: «كل قيراط مثل جبل أحد، كل قيراط مثل جبل أحد». ومن ذهب إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ضخامة وعظم هذا الجبل العظيم الذي هو جبل أحد. وهذا يدل على الأجر العظيم الذي يناله مشيع الجنازة. ولهذا ابن عمر لما سمع بهذه الأحاديث كان في يده حفنة من حصباء أو تراب فرمى بها، وقال: «كم أضعنا من قراريط، كم أضعنا من قراريط». وهذا حال كثير من الناس لا يبالي إذا كان هناك جنازة. ونعم، ينبغي الحرص على تشييعها والصلاة عليها حتى تدفن، حتى تدفن. وهكذا أيضاً من حقوق المسلمين بعضهم على بعض: تشميت العاطس. تشميت العاطس، في بعض الروايات: «تسميت العاطس» بالصاد المهملة، و«تشميت العاطس» بنعم السين المعجمة المثلثة. وتشميت العاطس حق من حقوق المسلمين بعضهم على بعض. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه واجب كفائي، وغن الواجب الكفائي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. كيف ذلك؟ أي: إذا عطس عندنا شخص فقال: الحمد لله، وكان حوله مجموعة، فعلى قول من يقول أنه واجب كفائي: لو قال واحد: يرحمك الله، كفى الآخرين. لكن ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن تشميت العاطس واجب عيني على كل من سمع هذا العاطس يحمد الله عز وجل، أي: كل من سمعه يقول: الحمد لله، وجب عليه أن يشمته. كيف يشمته؟ يقول له: يرحمك الله، يقول له: يرحمك الله. ومما يدل على ذلك ما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب». العطاس معروف، والتثاؤب كذلك أيضاً معروف. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب». قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا عطس أحدكم وحمد الله تعالى، كان حقاً على كل من سمع أن يقول له: يرحمك الله». وهذا دليل من قال أن تشميت العاطس فرض وواجب عيني: «كان حقاً على كل من سمع أن يقول له: يرحمك الله»، أن يقول له: يرحمك الله. ثم بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا شمت، فإنه يقول لمن شمته: «يهديكم الله ويصلح بالكم». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا تثاؤب أحدكم فليرده ما استطاع». إذا جاء التثاؤب على الإنسان يحاول قدر المستطاع أنه يدفعه، ولا يفتح فاه ويستسلم لهذا التثاؤب. بعض الناس كيف يصنع إذا غلب عليه التثاؤب؟ يعني يرتاح إذا فتح فاه كثيراً، ويتبعها بعضهم بماذا؟ بصوت: آه. وهذا خطأ، وهذا خطأ. قال: «وإذا تثاؤب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاؤب ضحك الشيطان منه». انظر: يضحك الشيطان ويفرح إلى هذا الكسلان الذي غلب عليه الكسل والتثاؤب، ولربما رفع صوته بذلك. لكن العطاس مما يحبه الله عز وجل. كذلك أيضاً جاء عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى أيضاً من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، ثم ليقل له صاحبه أو أخوه - أو ليقل له أخوه أو صاحبه -: يرحمك الله». وهذا هو التشميت الواجب، أن يقول له: يرحمك الله. قال: «فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم». بعض الناس ماذا يقول؟ «يهدين ويهديكم الله» وغيرها من العبارات المنتشرة بين أوساط العوام. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، فإذا سمعه أخوه يقول: الحمد لله، فواجب عليه أن يشمته، أن يقول له: يرحمك الله، فإذا شمته قال العاطس لمن شمته: يهديكم الله ويصلح بالكم». وما أجمل وأروع وأعظم هذه الدعوات المباركات التي علمنا النبي صلى الله عليه وسلم إياها! ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم ويحمدون، يحمدون الله عز وجل، رجاء أن يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ يرحمكم الله. فكان عليه الصلاة والسلام يقول: «يهديكم الله». كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يدعو لهم بالرحمة، وإنما يدعو لهم بالهداية. وهكذا أيضاً جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه». تنبه: «إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه». وإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه. التشميت يكون لمن؟ لمن حمد الله. أما إنسان عطس، فمباشرة: يرحمك الله. هل سمعته يقول: الحمد لله؟ فإن كان حمد الله شمت، يقال له: يرحمك الله. وأما إذا لم يحمد الله فإنه لا يشمت. وأيضاً مما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم عطس عنده رجلان، أحدهما قال: الحمد لله، والآخر لم يقل الحمد لله. فشمت النبي صلى الله عليه وسلم من قال: الحمد لله، ولم يشمت الآخر. فقال الآخر الذي لم يشمته: «عطس فلان فشمته، وعطست فلم تشمتني». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما فلان فحمد الله، وأنت لم تحمد الله، وأنت لم تحمد الله». فهذا من الحقوق التي ينبغي على أهل الإسلام أن يهتموا بها. الحق الخامس: وهو ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «وإذا دعاك فأجبه». وهذه الدعوة تكون إلى الطعام. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الدعوة التي يجب إجابتها هي دعوة العرس، أي وليمة العرس. فهذه الواجب إجابتها. وقد اشترط أهل العلم في وجوب إجابة هذه الدعوة أن تكون من مسلم. الأمر الثاني: أن تكون خالية من المنكرات، وهكذا أيضاً المحرمات. وأما إذا كان فيها منكرات ومحرمات، فإن كان هذا المدعو له قدرة واستطاعة على تغيير المنكر وإنكاره فبها ونعمة. وأما إذا لم يكن عنده قدرة - وكان هناك أغانٍ أو موسيقى أو غير ذلك من الفساد الذي قد ينتشر في بعض الأفراح - فإذا لم يكن عنده استطاعة في تغيير هذا المنكر، فلا يجب عليه أن يجيب هذه الدعوة. هذه خمسة حقوق ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة، وزاد في بعض الروايات: نعم، «إبرار المقسم»، وهكذا أيضاً «نصرة المظلوم»، وغير ذلك. وينبغي على أهل الإسلام أن يكون مجتمعاً متكاتفاً متعاوناً متراحماً، كما وصف ذلك النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «مثل المؤمنين فيما بينهم - أو مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم - كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وقبل أن نختم، فهذه به إلى أن أصحاب الدراجات عليهم أن يضعوا دراجاتهم في الناحية التي أشير لهم أن يضعوها فيها، وذلك حتى يتم حراستها من السرق. نسأل الله عز وجل أن يحفظ الجميع، ويوفق الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.