الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 23، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يذكر النووي رحمه الله باب تحريم الحسد معرفاً إياه بأنه تمني زوال النعمة عن صاحبها، ويستدل بالآية الكريمة التي ذمت اليهود على حسدهم لأمة الإسلام. كما ينهى الحديث النبوي عن البغضاء والحسد والتدابر، مؤكداً أن الحسد داء عضال يدل على مرض القلب.
يتناول المقطع تفشي الحسد بين الأقران والمتقاربين في العلم أو المنزلة بسبب التنافس، وينقل عن الإمام الذهبي أن هذا التنافس قد يجر إلى التحاسد. ويشير إلى أن كلام الأقران بعضهم في بعض بدافع الحسد لا يعبأ به، ولا ينجو من هذا الداء إلا من عصم الله.
يؤكد المقطع أن الحسد مرض خطير يجب على المسلم تجنبه، مبيناً أن اليهود اتصفوا به بشدة حتى حسدوا الأمة على النبوة. وعلى الرغم من وجود حديث ضعيف في ذمه، إلا أن النصوص الصحيحة تكفي لتحذير منه لكونه اعتراضاً على قضاء الله.
يشدد المقطع على أهمية الصبر على حسد الحاسدين لأن الصبر يقتل الحسد، مستشهداً بمثل النار التي تأكل بعضها إذا لم تجد ما تأكله. ويختم بأقوال العرب في مصارع الحساد التي تضرهم في الدنيا قبل الآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: باب تحريم الحسد. قال: وهو تمني زوال النعمة عن صاحبها، سواء كانت نعمة دين أو دنيا. قال الله تعالى: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾. قال: ذم لليهود الذين حسدوا أمة الإسلام على ما حباه الله به من النعم الظاهرة والباطنة، فبعث فيهم رسولاً من أنفسهم يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. قال: وفيه حديث أنس السابق في الباب قبله، وهو ما مضى معنا من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث». فوق ثلاث، والحسد يعتبر داء عضالاً ومرضاً خطيراً، من ابتلي به فقد ابتلي بشر عظيم، بشر عظيم، ويدل على مرض القلب. وكما ذكر رحمه الله تعالى أن الحسد هو أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبها، وهذه النعمة قد تكون من النعم الدينية، وما أكثرها يا إخوان، الذي يكون سببه هو التنافس، ولا سيما بين الأقران، فيحصل من الحسد الشيء الكثير، وهذا من الأمراض التي كذلك أيضًا قد لا يسلم منها الكثير من الخواص فضلاً عن العوام، فما خلى جسد من حسد، قالوا: ولكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه، والكريم يخفيه. وكذلك أيضًا قد يحصل بين الأقران والمتقاربين في السن أو في المنزلة أو في الحرفة والمهنة من هذا الشيء الكثير. ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعالى كما في كتابه ميزان الاعتدال صوراً ونماذج كثيرة من هذا الباب، التنافس الذي قد يقع بين طلبة العلم وبين العلماء. قال رحمه الله تعالى: قد يجر التنافس بين طلبة العلم إلى الوقوع في بعض التحاسد، في بعض التحاسد. وذكر رحمه الله تعالى أن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، أكذا يقول رحمه الله تعالى؟ يقول: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، قال: لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عصم الله. قال الذهبي: ولا ينجو منه إلا من عصم الله، قال: وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء، سوى الأنبياء والصديقين، قال: ولو شئت لسرت من ذلك كراريس. اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم، ربنا إنك رؤوف رحيم. فالحسد يا إخوان مرض ينبغي على المسلم أن يحرص على السلامة منه، السلامة منه، وأشد الأمم اتصافاً به هم اليهود، هم اليهود، فحسدونا على أن كان النبي الخاتم منا وليس منهم، فحملهم ذلكم الحسد وذلكم العجب وذلكم الكبر أن امتنعوا عن الدخول في الإسلام، حسداً من عند أنفسهم، حسداً من عند أنفسهم. حسدون على السلام وعلى التأمين وعلى غيرها. جاء حبر من أحبار اليهود إلى الخليفة الراشد والإمام العادل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، اتخذنا ذلك اليوم عيداً. وهكذا صور عديدة لحسد اليهود لهذه الأمة. قال رحمه الله تعالى: قال، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطبة، أو قال العشبة». رواه أبو داود. وهذا الحديث أخرجه أبو داود لكن لا يصح، ففي إسناده يحيى بن أبي عيسى الحناط، وهو متروك، ومتروك تعتبر من صيغ الجرح الشديدة التي لا يعضدها لو جاء من طريق آخر، فالحديث لا يحتج به لضعفه. لكن ما صح في الباب من التحذير من الحسد وصور الحسد هذا يغني عنه، يغني عنه، ويكفي في ذم الحسد أنه يعتبر اعتراضاً على قدر الله عز وجل وقضائه وحكمه، ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾. والحسد عبارة عن جمرة في صدر صاحبها، كلما رأت النعم عند أصحابها تحركت، وهكذا أيضًا اشتعلت، فأول من تبدأ بإحراقه هو صاحبها. ولهذا قيل: اصبر على حسدي الحسود، فإن صبرك قاتله، النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله، النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله. وهكذا أيضًا كلام العرب في هذا الباب كثيرة، ذكروا من مصارع الحساد الشيء الكثير الذي يعود عليهم بالضرر في العاجل قبل الآجل. طيب، نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة.