شرح أسماء الله الحسنى 42

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى اسم الله العفو وتفسيره

اسم الله العفو يعني الذي يمحو السيئات ويعفو عن الذنوب والمعاصي، وهو أبلغ من الغفور لأن المحو أبلغ من الستر. عفو الله نوعان: عفو عام للجميع، وعفو خاص للتائبين.

أثر العفو في الإسلام وتجلياته

يظهر الله عفوه على عباده بثوابهم على المصائب، ويحب منهم التخلق بخلق العفو، وقد أمر الله بالعفو في كتابه وأثنى على العافين، وكان النبي محمد مثالاً للعفو.

العفو في الإسلام: محله وضوابطه

العفو محمود إذا كان في محله ومع من يستحقونه، ويكون معه إصلاح، أما العفو عن الظالمين فقد يترتب عليه فساد، والله يحب العفو الذي يصدر من عباده في موضعه.

التضرع إلى الله بالعفو والمغفرة

يتضمن المقطع دعاءً بالعفو والمغفرة من الله تعالى، ويطلب من الله أن يجعلنا من عباده العافين والكاظمين للغيظ، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد ذلك، فإن من أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا "العفو". فالعفو اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد في مواضع في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن ذلك قوله جل وعلا: ﴿إن الله كان عفوا غفورا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وكان الله عفوا غفورا﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن تبدو خيرا أو تخفوه أو تعفو عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور﴾. فورد اسم الله جل وعلا "العفو" في كتاب الله جل وعلا مقرونا بالقدير، ومقرونا بالغفور. وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ثبت في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند الخمسة غير أبي داود، صححه الترمذي والحاكم والألباني. جمع منها العلم، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة هي ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني". فالعفو من أسماء الله جل وعلا الحسنى، ومعنى اسم الله جل وعلا "العفو" يقول الإمام ابن قيم رحمه الله تعالى في نونيته: "وهو العفو فعفوه وسع الورى لو لاه غار الأرض بالسكان". فمعنى اسم الله "العفو" أي الذي شمل عفوه جل وعلا، فعفوه شامل سبحانه وتعالى، وعفوه وسع كل عباده جل وعلا، ما يصدر من عباده من الذنوب والمعاصي. عفوه جل وعلا وسع سائر خلقه المذنبين، فإنه يعفو عنهم سبحانه وتعالى. ومعنى العفو أي الذي يمحو السيئات، الذي يمحو السيئات كما قال جل وعلا: ﴿وهو الذي يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات﴾. ومعنى يعفو عن السيئات أي يمحوها. فالعفو معناها الذي يمحو السيئات، وهو قريب من معنى الغفور. العفو معناها قريب من معنى الغفور، إلا أنه أبلغ. فالعفو أبلغ من الغفور، لأن الغفران ينبئ عن الستر، الغفور الذي يستر الذنوب. لكن العفو الذي يمحو، والمحو أبلغ من الستر، محو الذنوب أبلغ من الستر، فهو الستر وزيادة. هذا مع اقتران اسم الله "العفو" باسمه "الغفور" في حالة الاقتران، وإلا في حالة الانفراد فكل واحد يتضمن معنى الثاني. وهما مما يجوز أن يقال فيهما إذا اجتمع افترق، وإذا افترق اجتمع. "العفو" و"الغفور" إذا اجتمع افترق في المعنى، فالعفو بمعنى الذي يمحو السيئات، والغفور الذي يستر السيئات. لكن إذا افترق يعني جاء كل واحد منهما في موضع، فهذا بمعنى الثاني. عفو الله جل وعلا نوعان: عفو عام، وعفو خاص. العفو العام لسائر خلقه، للمذنبين، للكافرين، للمجرمين، فهو جل وعلا يعفو عنهم ويحلم عليهم جل وعلا. ولذلك ثبت في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم". معناه أنه يعفو عنهم جل وعلا، ويحلم عليهم سبحانه وتعالى، ويمهلهم ولا يهمل سبحانه وتعالى. فهذا عفو عام. وإلا فالأسباب الموجبة لهلاكهم والأسباب الموجبة لقطع أرزاقهم قد انعقدت. أسباب انقطاع الغداء، أسباب انقطاع الهواء، أسباب انقطاع الطعام والشراب قد انعقدت على الكفار. فإذا قطع الله جل وعلا عنهم الهواء وأهلكهم وقطع عنهم نعمة، فذلك قد حصل موجبه منهم لأنهم كفروا به جل وعلا، سبوه وشتموه ودعوا معه غيره. فأسباب هلاكهم قد انعقدت، ومع هذا فالله جل وعلا لم يعاجلهم بالهلاك، بل لازال ينعم عليهم بالطعام والشراب والهواء والغداء. وهذا من عفوه جل وعلا العام، لأنه العفو سبحانه وتعالى الذي عفوه وسع الورى، وسع الخلق. فعفوه نعم لسائر خلقه، حتى الكفار، حتى الذين دعوا له الولد، ونسبوا إليه الصاحبة، وحاربوه وعادوه جل وعلا، ومع هذا عفوه جل وعلا عليهم. والعفو الخاص هو لعباد الله جل وعلا التائبين، الذين تابوا من الذنوب والمعاصي، وآنابوا إلى الله جل وعلا. فالعفو جل وعلا عفى عنهم عفوا خاصا. وهذا العفو هو الذي يقتضي تبديل سيئاتهم حسنات، لأنهم تابوا إلى الله جل وعلا، فيبدل سيئاتهم حسنات. وهكذا يقبل التوبة منهم جل وعلا، ويثيبهم ويجعل لهم الأجور العظيمة. وهذا من عفوه العفو سبحانه وتعالى. ومن عفوه جل وعلا على عباده أنه جل وعلا يثيب العباد على المصائب والآلام والأحزان. فالعباد في هذه الدنيا يبتلون بألوان من الابتلاءات، من الأمراض والأسقام، وشيء من الشدة في المعيشة، وشيء من الخوف، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. هذه ابتلاءات ومصائب قضاها الله جل وعلا على عباده. فهو العفو سبحانه وتعالى لعباده، فإذا صبروا واحتسبوا جعل الله جل وعلا لهم الأجور العظيمة والدرجات العالية بسبب صبرهم. فيعفو عنهم سبحانه وتعالى، ولو أنهم قد حصل منهم شيء مما ينافي الصبر الواجب، ولم يحصل منهم الرضا. لكن ما دام أنهم قد تابوا وأنابوا لله جل وعلا ورجعوا إليه، فهو العفو سبحانه وتعالى الذي يبدل السيئات بالحسنات. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي ذر: "وأتبع السيئة الحسنة تمحوها، وخالق الناس بخلق حسن". وهذا من عفوه جل وعلا سبحانه وتعالى. والعفو جل وعلا يحب العفو، ويحب من عباده أن يتخلقوا بخلق العفو. ولذلك أمر بالعفو جل وعلا في كتابه الكريم بالعفو في مواضع كثيرة في كتابه العزيز. قال جل وعلا: ﴿فاعفوا عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾. وقال جل وعلا: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾. وقال جل وعلا: ﴿واعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾. وقال جل وعلا: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾. وأثنى الله جل وعلا على العافين المتصفين بصفة العفو. قال جل وعلا: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعده الله للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾. فالعفو جل وعلا يحب من عباده أن يتخلقوا بصفة العفو. ولذلك أمر بالعفو جل وعلا، وأثنى على عباده وعلى أنبيائه، وبين أن من أعظم أخلاقهم العفو. فهذا نبينا محمد عليه الصلاة والسلام قد جاء وصفه في التوراة، وقد جاء وصفه في الإنجيل. كما جاء في البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: "إن هذه الآية مثلها في التوراة: يا أيها النبي إن أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح". ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقول: لا إله إلا الله، فيفتح به قلوبا غلفا، وآذانا صما، واعينا عميا. وهكذا جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، والحديث الصحيح المسند لشيخنا العلامة الوادعي رحمه الله تعالى، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "وصف في الإنجيل، فقد جاء وصف عليه الصلاة والسلام في الإنجيل، ولكن يعفو ويصفح، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولكن يعفو ويصفح". إذن وصف نبينا عليه الصلاة والسلام قد جاء ذكره في التوراة، وقد جاء ذكره في الإنجيل، ومن أعظم هذه الأوصاف التي ذكرت في حقه عليه الصلاة والسلام أنه يعفو ويصفح. وهذا يدل على عظيم هذا الخلق. ولذلك كان عليه الصلاة والسلام من أفضل الناس خلقا واتصافا بصفة العفو. والأحاديث كثيرة في سنته عليه الصلاة والسلام الدالة على عفوه عليه الصلاة والسلام. فحين دخل مكة عليه الصلاة والسلام قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". عفى عن هؤلاء الذين قد عادوه والذين قد فعلوا وفعلوا به، ومع هذا قد قدر عليهم. فمع هذا عفى عنهم عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك حديث عائشة في الصحيح، لما قالت له رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، هل مرة بك يوم هو أشد عليك من يوم أحد؟ قال عليه الصلاة والسلام: "نعم، إن أشد ما لقيت من قومك يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فخرجت مهموما على وجهي، ولم أستفق إلا بقرن الثعالب". قال: فإذا بسحابة قد أظلتني، وبها جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد، إن الله جل وعلا قد سمع قول قومك لك، وما أجابوك، قد أرسل معي ملك الجبال، فإن شئت فأمره بما شئت. سلم عليه ملك الجبال، وأخبره بما أمره الله جل وعلا به، قاله: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. ملك جبلان عظيمان بمكة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا". فعفى عليه الصلاة والسلام مع المقدرة عليهم. وهكذا كذلك في حديث ذلك الأعرابي في البخاري، في حديث جابر بن عبد الله، لما أخذ سيفه عليه الصلاة والسلام، قد جعله على شجرة، فجاء هذا الأعرابي وأخذ هذا السيف، وجعله على رسول الله عليه الصلاة والسلام سلاحا. فقال له: من يمنعك مني؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: "الله". سقط السيف، أخذه رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ. دعاه إلى الإسلام فأبى، فعفى عنه عليه الصلاة والسلام حتى رجع وجاء إلى قومه، قائلا لهم: جئتكم من عند خير الناس. وهكذا كذلك عفو عليه الصلاة والسلام عن ذلك الرجل الذي جذبه كما في حديث أنس الصحيح، قد أثر على عاتقه، وأعطى له عطاء. وعفو كثير عليه الصلاة والسلام في السنة المطهرة. واذكر ربنا عز وجل عفو يوسف عليه الصلاة والسلام عن إخوته، وقد حصل منهم ما حصل. قال جل وعلا في كتابه الكريم على لسان إخوة يوسف: ﴿لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾. قال: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾. فعفى عنهم عليه الصلاة والسلام. وهكذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد بلغوا المبلغ العظيم في العفو، قد ضربوا أروع الأمثلة. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كما في الصحيح في قصته مع مسطح بن خالة، لما كان قد تكلم مع من تكلم في عائشة رضي الله تعالى عنها، فقطع عليه النفقة، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾. فقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: "بلى، أحب أن يغفر الله لي". فعاد نفقته على مسطح. وهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أرضاه، كما في الصحيح أيضا، حين أغلظ عليه ذلك الرجل القول، قال له: "إيهن يا بن الخطا، إيهن يا بن الخطاب". والله ما تعطينا الجزل، ما تعطينا الجزل. يعني العطاء الكثير، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب رضي الله تعالى عنه حتى هم أن يوقع به. فذكر رضي الله تعالى عنه بقول الله جل وعلا: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. قال: هذا من الجاهلين. أي هذا الذي قال هذا الكلام من الجاهلين. فأعرض عنه عمر رضي الله تعالى عنه. وكان وقافا رضي الله تعالى عنه. وهكذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. والعفو جل وعلا يحب من عباده أن يكون من الذين يعفون عن عباد الله جل وعلا. لكن العفو في محله، ليس العفو محمودا على كل الأحوال. لا، العفو محمود إذا كان في موضعه. لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾. فمن عفا وأصلح، المعنى أن العفو المحمود هو العفو الذي معه إصلاح. لأن من العفو ما لا يحصل منه إصلاح. إنسان طاغ، إنسان ظالم، يعتدي على الناس، كل ما فعل شيئا قالوا: العفو منك. قالوا له: اذهب، افعل ما شئت. ويفعل ويفعل. وإذا قبض عليه قال له: العفو منكم. قالوا: مع السلامة، لا شيء عليك. هذا ليس معه إصلاح. العفو الذي ترتب عليه فساد من الناس، من لا يعني، ينفع معهم العفو، وإنما النافع في حقهم أن يزجروا، أن يعزروا، وأن تقام عليهم الحدود، وأن يبلغ أمرهم إلى ولاة أمور المسلمين. فليس كل أحد يستحق العفو، لأن من الناس من إذا عفي عنه تجبر وتكبر وعتا في الأرض فسادا، العياذ بالله. فالعفو الذي لا معه إصلاح، فعفو مذموم. والعفو كذلك الذي يكون عن ضعف وخور، ليس هذا من المحمود. إنما العفو عند المقدرة، العفو عند المقدرة مع من كان أهلا، مع من كان أهلا لهذا العفو. فالعفو في محله محمود، وفي غير محله ليس بمحمود. والله جل وعلا إنما يحب العفو الذي يصدر من عباده في موضعه ومع من يستحقون. أما كل من فعل فسومح وعفي عنه، فإن ذلك لا يترتب عليه الخير، ولا يترتب عليه الإصلاح. فلذلك من مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه "العفو" سبحانه وتعالى، أن يكثر الإنسان من العفو، أن لا يقابل السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾. نسأل الله جل وعلا العفو بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعفو عنا، وأن يغفر لنا، ويجعلنا من عباده العافين، الكاظمين للغيظ. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.