شرح أسماء الله الحسنى 58

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 58، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

معنى اسم الله المولى والولي ودلالتهما

اسم الله المولى والولي يعكسان الولاية العامة والخاصة لله على عباده، حيث يتولى شؤونهم وينصر المؤمنين ويغفر ذنوبهم. هذه الأسماء وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية.

ولاية الله للمؤمنين وولاية الشيطان للكافرين

الله يتولى المؤمنين بنصره وإعانته وتوفيقه، بينما يتولى الشيطان الكافرين ويزين لهم الأعمال السيئة. يجب على المؤمنين أن يتولوا الله ورسوله والمؤمنين ويعادوا الكافرين.

شروط نيل ولاية الله وصفات أوليائه

ولاية الله تنال بالإيمان والتقوى والاستقامة على شرعه، وأولياء الله هم المؤمنون المتقون الذين يتبعون سنة رسول الله. يجب تمييز أولياء الرحمن من أولياء الشيطان بعرض أفعالهم على الكتاب والسنة.

الدعاء والتأمين بولاية الله

يتضمن المقطع دعاءً بأن يتولى الله العبد في الدنيا والآخرة، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه، مما يعكس أهمية طلب الولاية الإلهية والالتجاء إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا المولى، فالمولى اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وبمعنى اسم الله جل وعلا المولى اسم الله جل وعلا الولي، فالمولى والولي اسمان من أسماء الله جل وعلا الحسنى. قد ذكر الشيخ رحمه الله أيضا من أسماء الله جل وعلا اسم الله جل وعلا الولي والمولى، ورد في مواضع في كتاب الله جل وعلا، منها قوله جل وعلا: ﴿وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير﴾. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿بل الله مولاكم وهو خير الناصرين﴾. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين﴾. قال جل وعلا: ﴿هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وظل عنهم ما كانوا يفترون﴾. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾. فالمولى من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وقد ورد في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في البخاري في مجيء أبي سفيان في غزوة أحد، بعدما وقعت الهزيمة بالنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فجاء أبو سفيان وقال: "لنا العزة ولا عزة لكم". فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: "ألا تجيبوه؟" قالوا: "يا رسول الله، وماذا نقول؟" قال عليه الصلاة والسلام: "قولوا له: الله مولانا، ولا مولى لكم". الله مولانا، ولا مولى لكم. واسم الله جل وعلا الولي ورد كذلك في مواضع في كتاب الله جل وعلا، منها قوله جل وعلا: ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير﴾. وقال جل وعلا: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد﴾. وقال جل وعلا: ﴿وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا﴾. فالولي من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ومعنى اسم الله جل وعلا المولى أي الذي له الملك، السيد الرب الذي له الملك، وهو الذي يتصرف في عباده كيف يشاء، وهو المأمول جل وعلا لنصرة عباده، المأمول منه النصرة والمأمول منه النعمة والمأمول منه الإعانة. فهذا معنى اسم الله المولى. وأما معنى اسم الله جل وعلا الولي، فهو بمعنى الذي تولى عباده، تولى عباده وتولى كل العوالم، فهو جل وعلا تولى عباده بتصريف أرزاقهم وبتدبير أمورهم، فالكل خاضع تحت المولى الولي جل وعلا. فهو سبحانه المولى، وهو سبحانه وتعالى الولي. ولاية الله جل وعلا وتوليته لعباده نوعان، فولاية المولى وتولية الولي جل وعلا لعباده نوعان: ولاية عامة وتولية عامة، وهذه الولاية العامة فهي للمؤمن والكافر، وللبر والفاجر، ولجميع خلقه، فهو سبحانه وتعالى مولاهم جميعا، وهو جل وعلا وليهم جميعا. ولاية عامة معناها أنه سبحانه وتعالى المتولي أمر عباده، المتصرف فيهم، ومشيئته نافذة فيهم، فلا يستطيع أحد أن يخرج عن مشيئته جل وعلا. فالكل طوع تدبيره وتقدير المولى الولي جل وعلا. ولا يعارض هذا ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾. فإن الولاية المنفية في هذه الآية هي الولاية الخاصة، هي الولاية الخاصة. أما الولاية العامة فهي ثابتة لكل العباد، فالله جل وعلا مولاهم، والله جل وعلا وليهم، لأنه مالكهم جل وعلا، وهو مدبر أمورهم جل وعلا، والمتصرف فيهم سبحانه وتعالى. وأما الولاية الخاصة، فهي لعباده المتقين، ولعباده المؤمنين. أما الكفار، فلا ولاية لهم خاصة من عند الله سبحانه وتعالى. فالولاية الخاصة هي التي تقتضي النصر والتأييد من الله جل وعلا، والإعانة، وغفران الذنوب، والرحمة، وهكذا دخول الجنة. فهذه الولاية الخاصة مقتضاها النصر والتأييد والإعانة، وهكذا الرحمة والتوفيق. ولذلك قال الله جل وعلا في بيان هذه الولاية الخاصة التي جعلها لعباده المؤمنين المتقين، قال سبحانه: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. فأثبت الله جل وعلا في هذه الآية ولايته الخاصة لعباده المؤمنين، ونفاها عن عباده الكافرين، وبين أن الكافرين إنما مولاهم هو الطاغوت، والعياذ بالله. فالمؤمنون الذين تولاهم الله جل وعلا بولايته الخاصة، فكان ذلك يقتضي أن يبين لهم أسباب الهدى، وأن يعينهم على إخراجهم من الظلمات إلى النور. وهكذا تقتضي هذه الولاية الخاصة غفران الذنوب والرحمة، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم على لسان أوليائه المؤمنين: ﴿أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين﴾. وهكذا تقتضي النصرة، كما قال جل وعلا في دعاء أهل الإيمان: ﴿أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾. وتقتضي هذه الولاية الخاصة دخول الجنان، جنان الرب سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا لهم: ﴿دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون﴾. لهم دار السلام عند ربهم، وهو وليهم بما كانوا يعملون. فجعل الله جل وعلا لأوليائه ولعباده المتقين هذه الولاية الخاصة التي مقتضاها دخول جنات الله سبحانه وتعالى. أما الكفار، فإن وليهم الشيطان، والعياذ بالله، ووليهم كذلك الطاغوت، وأولياءهم الطاغوت. وهكذا كذلك مولاهم النار، والعياذ بالله. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم﴾. وقال جل وعلا: ﴿فاليوم لا يأخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير﴾. فوليهم الشيطان، ومولاهم، والعياذ بالله، النار سقر، وبئس المصير، عياذا بالله. وأما أهل الإيمان، فقد تولاهم الله جل وعلا، الولي المولى، تلك الولاية الخاصة، فنصرهم وأعانهم ووفقهم جل وعلا. ومن مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه المولى وباسمه الولي أن يجعل العبد ولايته لله جل وعلا، ولرسوله، وللمؤمنين. فلا تكن ولاية العبد إلا لله، ولا تكن ولاية العبد إلا لرسول الله، ولا تكن ولاية العبد إلا لأهل الإيمان، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾. فأمر الله جل وعلا العباد بأن يتولوه جل وعلا، ويتولوا رسوله عليه الصلاة والسلام، ويتولوا المؤمنين. فالولاية لله، والولاية للرسول، والولاية لأهل الإيمان. ومن واجب التعبد لله جل وعلا باسمه الولي المولى أن لا يتولى العبد الكافرين من اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم. فإن هؤلاء لا ولاية لهم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾. فنهى الله جل وعلا عباده المؤمنين أن يتولوا اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم من الذين حادوا الله ورسوله وكذبوا شرع رب العالمين جل وعلا ودينه سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك من مقتضى إيمان العبد وتعبده لله جل وعلا باسمه المولى والولي أن يكون الحب في الله جل وعلا، والبغض في الله جل وعلا، والموالاة في الله جل وعلا، والمعاداة في الله سبحانه وتعالى. والولاء والبراء في دين الله جلاء وعلا. ولذلك كان الولاء والبراء أصل من أصول الدين، أصل من أصول الدين، لأنه فيه ولاية المؤمنين، ولأنه فيه الولاية لدين الله جل وعلا، ولشرع رب العالمين سبحانه وتعالى. ولأنه فيه البراءة من الشرك والكفر، وكذلك أصحاب هذه الملل الباطلة. فالدين ولاء وبراء، إيمان بالله وكفر بالطاغوت، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾. فلذلك على العبد أن يجعل الولاية، ويجعل الولاء والبراء في الله سبحانه وتعالى، وفي دين الله سبحانه وتعالى. وقد جاء حديث ضعيف السند، صحيح المعنى، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند ابن جرير أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك". فولاية الله جل وعلا تنال بالولاء في الله جل وعلا، والبراء في الله سبحانه وتعالى. وهذا كذلك من مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه المولى والولي أن يجعل العباد الراية المرفوعة هي الاعتزاز بولاية الله جل وعلا. أن يكون الاعتزاز، وأن تكون العزة بولاية الله جل وعلا، لا بالشعارات الجاهلية، ولا بالنعرات القبلية، ولا كذلك بكلمات أهل الكفر. فلابد أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى. تأمل حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي تقدم آنفا، حين جاء أبو سفيان معتزا بذلك الشعار، ورفع ذلك الشعار عاليا، وأمر أن يعلو: "وهبل". فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وإلى الصحابة، فقال: "اعلوا هبل، اعلوا هبل". أي: اذكروه عاليا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة: "ألا تجيبوه؟" قالوا: "يا رسول الله، وماذا نقول؟" فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "قولوا: الله أعلى وأجل، الله أعلى وأجل". فقال أبو سفيان: "لنا العزة، ولا عزة لكم". فهذا فيه اعتزاز بشعار جاهلي، فيه اعتزاز بغير الله جل وعلا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة: "أجيبوه". قالوا: "يا رسول الله، وبماذا نجيبه؟" قال عليه الصلاة والسلام: "قولوا له: الله مولانا، ولا مولى لكم". فانظروا كيف كان الاعتزاز بولاية الله سبحانه وتعالى، لا بالشعارات الجاهلية وغير ذلك. هناك اليوم من أهل الإسلام من يرفع شعارات الجاهلية، ويعتز بشعارات الجاهلية، ويرفعها عاليا، فيعتزون بالديمقراطية، أو يعتزون كذلك بالعلمانية، أو بغير ذلك من الشعارات الجاهلية، يرفعونها، أو بالوطنية، أو بالقومية، أو غير ذلك. لا، وإنما الاعتزاز يكون بولاية الله جل وعلا، أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفر، وكلمة الذين كفروا السفلى. فتكون كلمة الله: "لا إله إلا الله" هي العليا، وهبل، والديمقراطية، كلمة الذين كفروا السفلى، تحت الأقدام، لا اعتبار بها، ولا ارتفاع لها، ولا اعتزاز بها. فلا عزة إلا بدين الله، والاعتزاز إلا بكلمة "لا إله إلا الله". فإن من مقتضى نيل ولاية الله جل وعلا، ونيل ولاية المولى سبحانه وتعالى، أن يعتز أهل الإسلام بهذه الولاية، ولاية الرب سبحانه وتعالى. وهذا يقتضي منهم أن يتولوه، أي: أن يتولى العباد ربهم جل وعلا بالعبادة وبالطاعة، وبالتنافس في الطاعات، والمسارعة إليها، والمسابقة فيها. وهكذا يكون الله جل وعلا وليهم سبحانه وتعالى، فينصرهم على أعدائهم، ويمكنهم في الأرض، ويستخلفهم في أرضه جل وعلا. فالاعتزاز بولاية الله سبحانه وتعالى من مقتضى إيمان العبد وتعبده باسم الله جل وعلا الولي المولى. وهذا كذلك من مقتضى التعبد لله جل وعلا والإيمان باسمه الولي المولى جل وعلا أن يسعى العبد جاهدا في تحصيل ونيل أسباب ولاية الله جل وعلا. فولاية الله جل وعلا لا تنال إلا بالإيمان والتقوى، وبالاستقامة على شرع الله جل وعلا. يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم، مبينا أن ولايته إنما تكون لأهل الإيمان والتقوى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾. فولاية المولى الولي جل وعلا لعباده إنما تنال بالإيمان والتقوى. وهكذا بالاستقامة على شرع الله جل وعلا. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم﴾. فجعل الله جل وعلا ولايته للمستقيمين على شرعه سبحانه وتعالى، العاملين بما جاء في كتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك ولاية الله جل وعلا إنما تكون لعباد الله المتبعين لشرع رب العالمين، ولرسول الله عليه الصلاة والسلام. وإلا فقد ادعى اليهود أنهم أولياء الله، وادعى النصارى أنهم أولياء الله، وادعى المشركون أنهم أولياء الله، لكن كذبوا في ادعائهم. أهل الولاية لله جل وعلا لأن الولاية لله جل وعلا إنما تكون باتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام. قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. وهناك فرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. فهناك الكثير ممن يدعي أنه ولي لله، وهو كافر ملحد بالله جل وعلا، يدعي أن الله جل وعلا قد حل في سائر مخلوقاته، وأنه قد اتحد بسائر مخلوقاته، ثم يدعي أنه ولي لله جل وعلا. كيف يكون هذا من أولياء الله، وهو يعتقد هذا الاعتقاد الكفري بالله جل وعلا؟ هناك من ترك الصلاة، وزعم أنه قد وصل إلى درجة اليقين، فقال: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾، وقال: ﴿وعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾. فترك الصلاة، وزعم أنه من أولياء الله. إذا سألت: "من هذا؟" قالوا: "هذا ولي لله جل وعلا". لماذا لا يصلي؟ قالوا: "لأنه قد وصل مرتبة اليقين". فترك العبادة، فلا صلاة، ولا زكاة، ولا صيام عليه. هل هذا ولي لله جل وعلا؟ أعظم أولياء الله الأنبياء والرسل، ما تركوا عبادة الله جل وعلا، بل عبدوا الله سبحانه وتعالى حتى رحلوا من هذه الحياة الدنيا. هؤلاء السحرة، وهؤلاء المشعوذون، وهؤلاء كذلك المنجمون، وهؤلاء الكهنة، كلهم يدعون أنهم أولياء لله جل وعلا. فكيف يكون هؤلاء أولياء لله جل وعلا، وهم قد صرفوا العبادات للشياطين؟ فحملتهم الشياطين إلى مكة، فربما رأاهم الناس في مكة، ثم رأوهم في مسجد بلادهم، وقالوا: "هؤلاء أولياء لله جل وعلا". أولياء، وقد استعانوا بالجن. أولياء، وقد ركعوا وسجدوا، وصرفوا العبادة للجن. كيف يكون هؤلاء أولياء الله جل وعلا؟ ورسالة عظيمة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيها بيان الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، تعلم العابد حقيقة من هو من أولياء الرحمن، المولى الولي جل وعلا، ومن هو إنما هو من أولياء الشيطان. فهؤلاء إنما هم أولياء الشيطان، والعياذ بالله، وأولياءهم الطواغيت، وأولياءهم الشياطين، يخدمونهم، فيحققون لهم مطالبهم، مقابل صرف العبادة لهم من أولئك. فلا تقتر بأنه ولي لله جل وعلا، حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة. تعرض أمره على الكتاب والسنة. قيل للليث بن سعد: "إذا كان الرجل يطير في الهواء، هل هو من أولياء الله؟ لأنه يطير في الهواء". قال ليث بن سعد: "لا، ليس هو من أولياء الله، حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة". فلا تقتر بأنه يطير في الهواء، لأنه يطير في الهواء، ربما تطير به الجن. ولما قيل للشافعي رحمه الله ذلك، وأن الليث قيل له: "الرجل يطير في الهواء، هل هو من أولياء الله؟" قال: "لا، حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة". قال: "قصر الليث". قال الشافعي رحمه الله تعالى: "قصر الليث، بل إذا رأيت الرجل يطير في الهواء، ويمشي على الماء، فلا تصدقه". إذا رأيت الرجل يطير في الهواء، ويمشي على الماء، فلا تصدقه، حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة. حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة: هل هو من المقيمين للفرائض؟ هل هو من المتبعين لرسول الله عليه الصلاة والسلام؟ هل هو من أهل الإيمان وأهل التقوى؟ لأن أولياء الله جل وعلا هم المؤمنون المتقون، كما قال جل وعلا: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾. فكل عبد معه من الولاية بقدر إيمانه. كل مسلم فهو ولي لله جل وعلا، لكن أولياء الله يختلفون بقدر إيمانهم. أعظم الناس ولاية لله جل وعلا الأنبياء والرسل، ثم بعد ذلك أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا الناس يتفاوتون في ولايتهم للمولى الولي جل وعلا بقدر إيمانهم. فإذا أردت يا عبد الله أن تكون من أعظم أولياء الله جل وعلا، فطريق ذلك على الإكثار من الطاعات، والمنافسة في الخيرات، والمسابقة، والاستقامة على شرع الله، والمتابعة لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. نسأل الله جل وعلا أن يتولانا في الدنيا والآخرة، إنه المولى، وإنه الولي جل وعلا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.