الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع الأول يتناول أدلة علو الله جل وعلا على خلقه من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. يبرز الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تثبت هذا الاعتقاد.
المقطع الثاني يبرز أدلة من السنة النبوية على علو الله واستواءه على العرش، ويشرح معنى الاستواء في اللغة العربية ويفسر الآيات القرآنية ذات الصلة.
المقطع الثالث يشرح اعتقاد السلف الصالح في علو الله تعالى واستقراره على العرش، ويستدل على ذلك من القرآن والسنة والعقل والفطرة، ويبين أن الناس فطروا على الاعتقاد بأن الله في العلو.
المقطع الأخير يتضمن دعاء لتعظيم اعتقاد الله جل وعلا، والصلاة على النبي محمد، والإشارة إلى درس لاحق عن اسم الله الحسن.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه، ما بعد. فقد ذكرنا في الدرس الماضي اسم الله جل وعلا "الأعلى"، وهو من الأسماء الحسنة الثابتة لله جل وعلا. دليل هذا الاسم قوله جل وعلا: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾، ولسوف يرضى. في الصحيح، كان عليه الصلاة والسلام يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى". وذكرنا تفسير "الأعلى" من كلام الشيخ العلامة السعدي، حيث قال في تفسير اسم الله جل وعلا "العلي الأعلى": "الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، فله علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر". فالله جل وعلا له علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر. قال: "فهو الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وبجميع صفات الكبرياء والعظمة والجلال والجمال، وغاية الكمال اتصف، وإليه فيها المنتهى". قال ابن قيم رحمه الله تعالى في نونيته: "وهو العلي بذاته سبحانه، إذ يستحيل خلاف ذا ببياني، فهو الذي حقا على العرش استوى، قد قام بالتدبير للأكواني، وهو العلي، فكل أنواع العلو فثابتة له بلا نكراني". قال هذا في موضع آخر: "وله العلو من جميع الوجوه"، أو قال: "وله العلو من الوجوه جميعها، ذاتا وقدرا، مع علو الشأن". علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. علو الذات، قال جل وعلا: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. ثم استوى على العرش. علو القدر، للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء، ولله المثل الأعلى. قال جل وعلا: ﴿وله المثل الأعلى في السماوات والأرض﴾، وهو العزيز الحكيم. علو القهر، وهو القاهر فوق عباده. وذكرنا أدلة الكتاب والسنة الدالة على علو الله جل وعلا على خلقه، منها الأدلة التي جاءت بالتصريح بأنه في السماء. الكتاب والسنة يضاف إلى تلك الأدلة حديث الرقية، رقية المريض، الذي حسنه بعض العلماء، منهم شيخ الإسلام تيمية رحمه الله في الواسطية، في قول العبد إذا أراد الشفاء من الله جل وعلا يقول: "ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض". وهكذا كذلك ما جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عند ابن خزيمة في التوحيد، وذكره الدارمي رحمه الله في الرد على الجهمية، قال مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش". فهذا أيضا من أدل الدال على علو الله. وهذا وإن كان موقوفا على ابن مسعود، إلا إنه مما لا يقال بالرأي، ففيه يقال له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا كذلك ذكرنا الأدلة التي جاءت بذكر الفوقية، أي فوقية الرب جل وعلى عباده. ونضيف لتلك الأدلة قول زينب بن جحش رضي الله عنها، وقد أقرها النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. جاء في البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن زينب بن جحش رضي الله عنها كانت تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت تقول: "زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات". وذكر ابن كثير رحمه الله عن ابن جرير بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم أن زينب بن جحش رضي الله عنها كانت تفتخر بثلاث، فتقول للنبي عليه الصلاة والسلام: "جدي وجدك واحد، وأن كحنيك الله جل وعلا من السماء". والسفير بيننا جبريل عليه الصلاة والسلام. وكذلك ذكرنا الأدلة الدالة على أن الله جل وعلا ما جاء في كتاب السنة بلفظ العروج، وهكذا لفظ الصعود، ولفظ الرفع، وما جاء بلفظ الإنزال. ويضاف إلى ذلك كذلك الأدلة التي فيها ذكر العندية. كذلك استدل بها على علو الله جل وعلا. إلى آخر الأدلة، وهي كثيرة كما تقدم. قال بعض العلماء: أكثر من ألف دليل دال على علو الله جل وعلا على خلقه سبحانه وتعالى، علوا يليق بجلاله سبحانه وتعالى. ولأهمية هذا الأمر، ووجوب هذا الاعتقاد، نجد الأدلة قد تنوعت في الدلالة عليه. فجاءت أدلة الكتاب، أدلة السنة، وأدلة الإجماع والعقل والفطرة. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام بين هذا المعتقد أتم بيان، بين هذا المعتقد وأن الله جل وعلا في العلو أتم بيان. فبين ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام، وقد سمعتم بعض الحديث عنه عليه الصلاة والسلام التي تدل على ذلك بالتصريح أنه في السماء، أو برفع اليدين، وغيرها من الأدلة. فبين ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام، وبين ذلك بفعله عليه الصلاة والسلام. وأيضا الحديث في هذا كثيرة، منها على سبيل الذكر ما جاء في حديث أنس في الصحيحين، لما دخل أعرابي والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب يوم الجمعة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "يا رسول الله، هلكت المواشي وهلك الزرع وهلك العيال، ادع الله جل وعلا أن يغيثنا". فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه، فقال: "اللهم اغيثنا". قال أنس رضي الله عنه: "فوالله ما في السماء من قزعة، فإذا بترس عظيم، فأمطر أسبوعا سبتا، حتى جاء الأعرابي من الجمعة الثانية". قال أنس: "لا أدري هل هو الأعرابي الذي كان في الجمعة الماضية أم غيره". فطلب ابن سلمة أن يدعو الله جل وعلا بأن يجعل هذا المطر في الأودية ومنابت الشجر، لأن هنا حصل هلاك الزروع وهلكة المواشي، يعني من كثرة الماء. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه جل وعلا: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على منابت الشجر وبطون الأودية". قال الراوي: "ما أشار إلى جهة إلا وتفرقت، حتى خرجنا على حرارة الشمس"، أو كما قال الراوي رضي الله عنه وأرضاه. فهذا من الأدلة الدالة على الله جل وعلا، بيانها المسلم بفعله، برفعه يديه عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك في حديث جابر بن عبد الله في صحيح الإمام مسلم، حين خطب النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة في ذلك الجمع العظيم، قال لهم: "إنكم ستسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟" قالوا: "نشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة". فكان عليه الصلاة والسلام يرفع إصبعه إلى السماء، وينكتها عليهم، ويقول: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد". وهكذا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام حين وفاته، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، فكان آخر قول النبي عليه الصلاة والسلام لما خير بين الرحيل من الدنيا والبقاء فيها، قالت عائشة: "رفع إصبعه إلى السماء، رفع إصبعه عليه الصلاة والسلام إلى السماء، ويقول: بل في الرفيق الأعلى، بل في الرفيق الأعلى، بل في الرفيق الأعلى". وجاءت زيادة: "مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، حسن أولئك رفيقا". وهكذا يوم بدر، في تلك الشدة العظيمة التي لقاها النبي عليه الصلاة والسلام والجمعة، فالنبي عليه الصلاة والسلام رفع يديه يدعو ربه جل وعلا دعاء عظيما، حتى سقط رداؤه عليه الصلاة والسلام. ومن كثرة مناشدته لربه جل وعلا، قال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: "يا رسول الله، كفاك مناشدتك لربك، فإن الله سينجز ما وعدك". فكان عليه الصلاة والسلام يرفع يديه في الاستسقاء، وفي الدعاء. وأقر بل أخبر أن من موجبات إجابة الدعاء رفع اليدين، في أحاديث كثيرة ثابتة صحيحة عنه عليه الصلاة والسلام، وكلها دالة على علو الله جل وعلا. وهكذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام بيان علو الله جل وعلا، والدعوة إلى هذا المعتقد، بإقراره عليه الصلاة والسلام. ففي صحيح الإمام مسلم، من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه، وحديث الجارية. فلما جاء معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه، وقد ندم لما صك تلك الجارية، أخذت ذئب شاة فصكتها، فندم وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يريد أن يعتق هذه الجارية. فالنبي عليه الصلاة والسلام سأل هذه الجارية: "أين الله؟" قالت: "في السماء". قال: "من أنا؟" قالت: "أنت رسول الله". فقال عليه الصلاة والسلام: "أعتقها، فإنها مؤمنة". شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان، قد قالت: "الله في السماء". فأقرها النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. وسمعتم حديث زينب بن جحش لما قالت: "وأنكحني الله في السماء"، أو "من السماء"، يعني الله جل وعلا هو الذي أنكح رسول الله عليه الصلاة والسلام زينب، وهي كانت زوجة لزيد بن حارثة. فلما قضى زيد منها وطرا، زوجناكها. فالله جل وعلا هو الذي زوج زينب بن جحش رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكانت تفتخر بذلك رضي الله تعالى عنها وأرضاها. فالنبي عليه الصلاة والسلام أقر كثيرا ممن قال: "إن الله جل وعلا في السماء". مما يدل على ثبوت ذلك، وإقراره عليه الصلاة والسلام أحد الأدلة الدال على ثبوت هذا الأمر. وكذلك أيضا مما يدل على أهمية هذا المعتقد، واعتقاد أن الله جل وعلا في السماء، جاءت الأدلة الكثيرة، أدلة الإجماع والعقل والفطرة. فالإجماع قد انعقد، أجمع السلف الصالح على علو الله جل وعلا، وأنه على عرشه استوى. قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: "كنا والتابعون متوافرون، نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات". ونقل كذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته، عن عبد القادر الجيلاني، وعن أبي الوليد المالكي، وعن شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة، أنهم نقلوا إجماع السلف على علو الله جل وعلا على عرشه، وأنه بائن من خلقه. وهكذا ابن المبارك، وجماعة من السلف. وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسير قول الله جل وعلا في سورة الأعراف: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾. قال: "والناس في هذا مقامات، وليس هذا موضع بسط أقوالهم". قال: "وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مذهب السلف الصالح مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة العلم قديما وحديثا". وهو إمرار هذه النصوص كما جاءت، من غير تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله جل وعلا، فالله جل وعلا ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال: "بل الأمر كما قال الأئمة، ومنهم نعيم بن حماد الخزاعي، شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر. وليس فيما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم تشبيه". فمن أقر بالآيات الصريحة، والأحاديث الصحيحة، على ما يليق بالله جل وعلا، فقد سلك سبيل الهدى. كلام عظيم، يستحق أن يكتب بالذهب، لأنه فيه بيان مذهب السلف الصالح الذي كانوا عليه. وهو أن الله جل وعلا في السماء. لماذا؟ لأنهم يقرون بإمرار النصوص كما جاءت. فالنص عندنا جاء: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. فما هو فعل السلف مع هذا النص؟ يمرون هذا النص كما جاء: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، على مقتضى لغة العرب. واستوى في لغة العرب تأتي على أربع معان: العلو والاستقرار، والصعود والارتفاع. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: "ولهم فيها عبارات أربع قد حصلت للفارسي، وهي استقر، وقد على، وكذلك ارتفع، الذي ما فيه من نكراني، وكذا قد صعد، الذي هو أربع". وأبو عبيدة صاحب الخيباني يختار هذا القول في تفسيره: "أدرى من الجهمي بالقرآن". والأشعري يقول: تفسير استوى بحقيقة استولى، من البهتانى. فاستوى في لغة العرب تأتي على هذه المعاني الأربعة: العلو، الاستقرار، الارتفاع، الصعود، بحسب ما يعدى، بحسب ما يعدى الاستواء. فإذا عدي الاستواء بعلى، فإنه يفيد العلو والاستقرار، فإنه يفيد العلو والاستقرار. إذن: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، أي على العرش، فالسلف يمرون هذه النصوص على ما جاءت في كتاب الله جل وعلا، لا يحرفونها ولا يعطلونها. فإذن هم أمروها على مقتضى لغة العرب. وعلمتم معنى الاستواء في لغة العرب. إذن عند السلف: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، معناها: على واستقر. هذا الذي كان عليه السلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم ورضي الله تعالى عنهم. فعندهم أن استوى بمعنى: على أو استقر. وهم مجمعون على ذلك. وهكذا كذلك دلالة العقل على علو الله جل وعلا. فعندنا أمران: علو وسفل. والله جل وعلا متصف بالكمال المطلق. فالله جل وعلا له الكمال المطلق من كل الوجوه، منزه عن كل النقائص والعيوب. فالسفل عيب ونقص، والعلو كمال. فإذن يثبت الكمال لله جل وعلا الذي هو العلو. ولأن السفل كذلك نقص وعيب، لأن السفل يعلوه علو. فالله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق، وهو المنزه عن كل نقص وعيب، فيثبت له العلو جل وعلا. هذا دليل عقلي. وهكذا كذلك دلت الفطرة على علو الله سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا قد فطر عباده على هذا الاعتقاد، على هذا الاعتقاد، وأنه سبحانه وتعالى في العلو. قال جل وعلا: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. فالله جل وعلا فطر العباد على هذه الفطرة السليمة، واعتقاد أن الله جل وعلا في العلو، إلا من انتكست فطرته، واجتالته الشياطين، كما جاء في صحيح الإمام مسلم، من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي العظيم الطويل، قال فيه عليه الصلاة والسلام: "يروي عن ربه، قال عز وجل: وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم". فالناس قد فطرهم الله جل وعلا على العقيدة، على الفطرة السليمة، ومنها اعتقاد أن الله جل وعلا في العلو. لكن انتكست الفطر، انتكست الفطر. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وجاء عن غيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين. فمن انتكست فطرته، تغير عنده هذا الاعتقاد. وإلا فالناس قد فطروا عليه. تأملوا في قول إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وقد أشار إلى هذا ابن خزيمة رحمه الله تعالى في كتابه العظيم "كتاب التوحيد". وهو يشير إلى بعض أدلة العلو، ويشير إلى هذا. وكأنه أراد أن يبين أن هذا الأمر قد استقر، وهو أن الله جل وعلا في العلو. أو أن الرب الذي يستحق الربوبية، أن يكون عاليا على خلقه. فذكر قول إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾، فلما جن عليه الليل رأى كوكبا، قال: "هذا ربي". فلما أفل، قال: "لا أحب الآفلين". فلما رأى القمر بازغا، قال: "هذا ربي". فلما أفل، قال: "لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين". فلما رأى الشمس بازغة، قال: "هذا ربي، هذا أكبر". فلما أفلت، قال: "يا قومي إني بريء مما تشركون". قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: كان يقول: "هذا ربي" إذا طلع الكوكب، وهذا والقمر والشمس، لأنه قد استقر عندهم وعند قومه أن الرب هو في العلو. فهو هنا يذكر هذا، ويفعل هذا كالتورية لهم. فنظره إلى العلو دل على استقرار هذا الأمر، دل هذا على استقرار هذا الأمر عند الناس كلهم، وعند الخلق كلهم. لماذا؟ لأن الرب من لازمه أن يكون عاليا، وقاهرا لجميع مخلوقاته. بل ذكر بعض العلماء حتى الحيوانات، وهي بهائم قد فطرت على هذا. البهائم سبحان الله لم تتغير فطرتها، والناس قد تغيرت فطرهم. نسى الله العافية والسلامة. فيذكرون حديث سليمان بن داود، من أخبار بني إسرائيل. سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام خرج ذات مرة يستسقي لقومه، قال: فوجد نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: "اللهم إن خلقا من خلقك، لا غنى لنا عن سقياك". فقال سليمان بن داود لأصحابه: "ارجعوا، فقد سقيتم بغيركم". وهذا مما يدلنا على أن الخلق قد فطروا على هذا الاعتقاد، أن الله جل وعلا في العلو. حتى الذين يخالفون أهل السنة والجماعة، من أهل البدع، فهم لا يقولون بعلو الله جل وعلا. ولكن أفعالهم تناقض أقوالهم. أفعالهم تناقض أقوالهم. إذا دعوا رفعوا أيديهم إلى السماء يدعون. وهكذا كذلك إذا نابهم أمر أو فجأة، اتجهوا إلى جهة العلو. إذا وقعوا في شدة، اتجهوا إلى جهة العلو يدعون الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال بعض العلماء: "إذا سألت المصلين حال سجودهم، وهم يقولون: سبحان ربي الأعلى، أين تنصرف قلوبهم؟" فهذا واضح وبين، ولا يجحده إلا مكابر، ولا يخالفه إلا إنسان قد انتكست فطرته، والعياذ بالله. والله المستعان. وأبو المعالي الجويني رحمه الله تعالى، وهو على مذهب الأشعري، وقيل أنه رجع في آخر عمره رحمة الله تعالى عليه. نسأل الله جل وعلا أن يعفو عنا وعنه. كان يقرر المذهب خلاف مذهب أهل السنة، فلا يقر بعلو الله جل وعلا. فكان ذات مرة يخطب الناس، وهو يقرر المذهب الذي فيه بيان أن الله جل وعلا ليس في العلو، وغير ذلك بكلام. فقال له الهمداني: "دعنا يا إمام من كلامك هذا، دعنا من كلامك هذا الذي تقرره. أسألك سؤالا: الشخص إذا أراد أن يدعو، وجد في قلبه تطلعا إلى العلو في حال الدعاء، يجد تطلعا لا بد منه، لا يستطيع أن يتخلص منه". يعني كأنه فطرة، يجده في قلبه يجد تطلعا إلى العلو. فالسر لذلك ما هو؟ هذا ما استطاع أبو المعالي الجويني رحمه الله تعالى أن يجيب بجواب. وإنما قال: "حيرني الهمداني، حيرني الهمداني". وخرج. فحتى هؤلاء الذين يعني يخالفون في هذا الباب، تجدهم في أفعالهم، وكذلك أعمالهم وأحوالهم يخالفون. لأن هذا مما فطر العباد عليه. لكن الإنسان نسأل الله العافية والسلامة، يكابر، وكذلك يجادل، ويريد أن يدفع شيئا قد فطر عليه. وهذا نسأل الله العافية والسلامة، مما هو من الذي يكون سببا في حصول الوباء على صاحبه في الدنيا والآخرة. نسأل الله جل وعلا أن يعظم اعتقادنا فيه جل وعلا، وأن يجعلنا ممن عرف علوه وقدره جل وعلا، ذاتا وقدرا وقهرا. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وإجمعين. وإلى اسم الله الحسن في درس لاحق إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين.