اللالئ الدرية شرح المقدمة الجزرية 11

الدرس في اللالئ الدرية شرح المقدمة الجزرية 11، باب التجويد . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف التجويد وحكمه وأغراض تعلمه

يشرح المقطع معنى التجويد لغةً واصطلاحاً، ويؤكد وجوبه مستدلاً بقول ابن الجزري وآيات وأحاديث الترغيب في تحسين التلاوة. ويبين أن الغرض من تعلمه هو إتقان التلاوة امتثالاً لأمر الله وصون اللسان عن اللحن.

أنواع اللحن الجلي والخفي وحكمهما

يفصل المقطع نوعي اللحن في القراءة: اللحن الجلي وهو الخطأ الواضح الذي يغير المعنى أو اللفظ ويعرفه العامة، واللحن الخفي وهو الخطأ الدقيق الذي لا يدركه إلا أهل العلم. كما يبين أن التجويد فرض عين على القارئ عملياً وفرض كفاية من الناحية العلمية مستدلاً بالآيات والأحاديث وإجماع العلماء.

أحكام تعلم التجويد ومراتب التلاوة الثلاث

يبيّن المقطع وجوب التجويد على من يقدر عليه ويعذر من لا يستطيع لعذر، مستدلاً بحديث «له أجران». ثم يشرح مراتب التلاوة الثلاث: التحقيق وهو التمهل وإعطاء الحروف حقوقها، والحدر وهو السرعة مع مراعاة الأحكام، والتدوير وهو التوسط بينهما المعتمد في الصلاة غالباً.

خاتمة التسبيح والاستغفار

يختتم المتحدث كلامه بالتسبيح والحمد لله، ويشهد أن لا إله إلا الله. ثم يستغفر الله ويتوب إليه.

التفريغ النصي الكامل

قال ابن الجزري رحمه الله: والأخذ بالتجويد حتم لازم، من لم يجود القرآن آثم، لأنه به الإله أنزل، وهكذا منه إلينا وصل. وهو أيضا حلية التلاوة وزينة الأداء والقراءة، وهو إعطاء الحروف حقها من صفة لها ومستحقها، ورد كل واحد لأصله، واللفظ في نظيره كمثله مكملا، من غير ما تكلف، باللقص في النفق بلا تعسف، وليس بينه وبين تركه إلا رياضة امرئ بفكه. بسم الله الرحمن الرحيم. هذا باب التجويد. باب التجويد معناه: معرفة التجويد، وحُمية التجويد. والتجويد في اللغة: التحسين، من جودت الشيء إذا حسنته، وهو مصدر جَوَّدَ، أي الرباعي: جَوَّدَ يُجَوِّدُ تجويدا، والاسم منه الجودة، وهي ضد الرداءة. ضد الرداء الجيد، واستلاحا: إعطاء الحروف حقها واستحقها في النُّقطة، وإخراج كل حرف من مخرجه الصحيح. وقيل: الإتيان بالقراءة مجودة الألفاظ، بريئة من الرداءة في النطق. هذا معنى التجويد في الاصطلاح: أن القارئ يأتي بالحروف تامة كاملة من صفاتها، ومن كذلك من أماكنها الصحيحة، يخرجها من أماكنها الصحيحة، فإذا أتى بتلك القراءة صارت القراءة طيبة مجودة. وما هو الغرض من تعلم التجويد؟ الغرض من ذلك أمران: لماذا ندرس هذا الفن؟ لماذا نتعلم التجويد؟ الغرض من ذلك أمران: الأمر الأول: بلوغ الإتقان في تلاوة القرآن، وهذا أمر مهم لا بد منه، امتثالا لأمر الله عز وجل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، والترتيل هو التأني فيها والتمهل، وتبيين الحروف والحركات. وقد جاء عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف. جاء هذا، ولم أعذر على سنده، يعني هكذا مشهور هذا القول عن علي في كتب التجويد، أنه قال في تفسير الآية: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، قال: هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف. وامتثالا أيضا لقوله صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم»، رواه أحمد وغيره من حديث البراء بن عازب، وصححه شيخنا في الجامع الصحيح. شيخنا المراد به: مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، والألباني في صحيح الجامع. ولقوله أي عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن». إذن هذا فيه ماذا؟ فيه أن من لم يعطي حروف القرآن حقها من التجويد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا»، وهو يعلم ذلك. أما الإنسان الجاهل فلا يؤاخذ حتى يتعلم. أما إنسان يعلم التجويد، تعلمه ثم لم يطبقه، فإنه يدخل في وعيد، لأنه الآن علم شيئا من كتاب الله عز وجل، والله أمره بأن يرتل القرآن، بأن يجود القرآن، لأنه كلامه سبحانه وتعالى، ينبغي أن يكون عند القارئ بمكان من التعظيم والإجلال، وحسن القراءة والنطق به. قال: الحديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وقد وهم فيه أبو عاصم النبيل، أي شيخ البخاري، والصحيح أنه من حديث أبي لبابة، صححه الألباني كما في صفة الصلاة. وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي موسى: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود»، قال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرا، متفق عليه. والتحبير: التزيين والتحسين. يقول أبو موسى للرسول عليه الصلاة والسلام: لو كنت أعلم أنك تسمع لزينت ولحسنت القرآن أكثر من هذا. انظروا كيف يدخل السرور على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مدحه، قال له: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود، يعني أن صوتك طيب، صوتك طيب بالقرآن. فمن رزقه الله صوتا حسنا بالقرآن، فعليه أن يتغنى به، وعليه أن يرتله. فهكذا ينبغي علينا أن نهتم بكتاب الله عز وجل. قال: وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به». قال الطبري: المعروف عندنا في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع. هنا أيضا في الحديث الذي في الصحيحين: «ما أذن الله»، ما معنى «ما أذن الله»؟ أي: ما استمع الله سبحانه وتعالى لشيء، ما استمع لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن. وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن الناس صوتا بالقرآن، حتى قال البراء: سمعت النبي صلى الله عليه يقرأ في صلاة العشاء والتين والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه. فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه. يدل على العناية بكتاب الله عز وجل، والتغني بالقرآن مطلوب، ليس جعله كالغناء هذا الموسيقي، فلا، وإنما المراد تحسين الصوت به، وأيضا إخراج الحروف من مخارجها، وإعطاء الحروف صفاتها. هكذا يرجع عند ماذا؟ عند التلاوة، يرجع عند التلاوة. والأمر الثاني الذي من أجله نتعلم هذا الفن، وهو فن التجويد: صون اللسان عن اللحن في تلاوة القرآن. صون اللسان: نصون ألسنتنا عن أن نخطئ في القرآن. إذن نحن لا بد نأخذ القرآن من فم ماذا؟ من فم المحسن، ونتعلم أحكامه، تعلم أحكام التجويد لأجل أن نصون ألسنتنا عن الخطأ. واللحن هو الانحراف والميل عن الصواب، وهو في كتاب الله عز وجل نوعان: أحدهما: لحن جلي، أي واضح، وهو خطأ يطرأ على اللفظ فيخل بالعرف، أي عرف الغراء، سواء خل بالمعنى أم لم يخل. وإنما سمي جليا لأنه يشترك في معرفته العلماء، علماء القراءة وغيره. هذا اللحن الجلي، أي اللحن الظاهر، يعرفه كل من يسمع القرآن. وهذا حكمه أنه لا يجوز، ويأثم القارئ بفعله تعمدا. إذا فعل ذلك تعمدا فإنه آثم. في خلاف من ماذا؟ من سبق لسانه أو أخطأ بغير تعمد، بغير قصد، فإنه لا يأثم. لكن اللحن لا بد أن تعلم أنه لا يجوز أن تلحن في كتاب الله عز وجل. ما هي صور اللحن الجلي التي يعرفه العلماء ويعرفها غير العلماء؟ له صور ظاهرة: منها: إبدال حرف بحرف. إبدال حرف بحرف: يأتي قارئ ويبدل حرفا بحرف آخر، مثل: ﴿أَنْعَمْتَ﴾، يأتي يبدل النون إلى لام فيقول: ﴿أَلْعَمْتَ﴾، يقول: ﴿أَلْعَمْتَ﴾. من سمعه قال: هذا خطأ، سواء كان عالما أو غير عالم، حتى العامي: إيش هذا ﴿أَلْعَمْتَ﴾؟ هذه كلمة خطأ. أو بدل من يقول: ﴿أَنْعَمْتَ﴾ بالعين، يقول: ﴿أَنْأَمْتَ﴾ بماذا؟ بالهمزة، يقول: ﴿أَنْأَمْتَ﴾. خطأ. ﴿أَنْعَمْتَ﴾ واضح؟ كذلك يقرأ: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾، بدل ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾، بالتاء يجعل التاء طاء، فيقول: ﴿الْمُسْطَقِيمَ﴾، أو يبدل القاف إلى غين، لأن الحروف أحيانا تتقارب، فيبدل القاف إلى غين، فبدل من يقول: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ يقول: ﴿الْمُسْتَغِيمَ﴾، أو يبدل السين صاد، أو يبدل السين صاد، بدل من يقول: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ يقول: ﴿الْمُصْتَقِيمَ﴾. إذن هذا خطأ، واي سمى؟ خطأ جلي ظاهر. النوع الثاني: إبدال حركة بحركة، ليس حرفا بحرف، وإنما حركة بحركة، أو حركة بسكون، كمن يقرأ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾، يقول: ﴿أَنْعَمْتَوا﴾، خطأ، وهي ماذا؟ ﴿أَنْعَمْتَ﴾، أو يقول: ﴿أَنْعَمْتِي﴾، وهذا شد، ﴿أَنْعَمْتِي﴾، إذن خطأ: إبدال حركة بحركة، أو حركة بسكون. ومنها: إسكان المتحرك، أو تحريك الساكن، كمن يقرأ: ﴿هُزُوًا﴾ بدل ﴿هُزُوًا﴾، لاحظ: ﴿هُزُوًا﴾، الواو مضمومة محركة، فبدل من أن يقول: ﴿هُزُوًا﴾ يقول: ﴿هُزُوًا﴾. أو كذلك: ﴿كُفُوًا﴾ يقول: ﴿كُفُوًا﴾، لاحظ: ﴿كُفُوًا﴾، فرق بينه وبين تقول: ﴿كُفُوًا﴾، ﴿كُفُوًا﴾. إذن هذا أبدأ ليش؟ حركة بحركة، مثلا حركة بسكون، أيضا كذلك. إذن انتبه، أو ماذا؟ ﴿الْأَرْضَ﴾، ﴿الْأَرْضَ﴾، يحرك الراء: ﴿الْأَرْضَ﴾، خطأ، خطأ، بل يقول: ﴿الْأَرْضَ﴾، لأن الراء ساكن، لأن الراء ساكن. إحذر أن تقول: ﴿الْأَرْضَ﴾، تأتي بفتحة في الراء، هذا خطأ. رابعا: إشباع الحركة بحيث يتولد منه حرف مد، نحو: ﴿الْحَقِّ﴾، ماذا يقول؟ ﴿الْحَاقِّ﴾، يعني يريد يحسن القراءة، لكن ما يحسن كيف تحسين القراءة؟ بدل ما يقول: ﴿الْحَقِّ﴾، ﴿الْحَقِّ﴾، يزيد ألف في في ماذا؟ في الفتحة، يجعلها طويلة حتى تصل إلى حركتين. وهكذا: ﴿مِمَّا﴾، ﴿مِمَّا خَلَقَ﴾، ﴿مِمَّا خَلَقَ﴾، يقول: ﴿مِمَّا خَلَقَ﴾، ﴿مِمَّا﴾، لاحظ كيف زي هذا الألف خطأ هنا، بل: ﴿مِمَّا خَلَقَ﴾. انتبه مثل هذه الكلمات. قال: خامسا: تخفيف المشدد، أو تشديد المخفف. يعني يأتي حرف مشدد: ﴿الْحَقِّ﴾، ﴿الْحَقِّ﴾، ما يشدده؟ إذن هذا تخفيف ماذا؟ المشدد. أو أن حرفا يأتي يعني ماذا؟ يأتي ساكنا فيجعله شدة: ﴿عَلَيْهِمْ﴾، يأتي يشدد هذا ماذا؟ الحرف. هذا خطأ لأنه مخفف. فهذا لحن يسمى ماذا؟ يسمى جلي، واضح، يعرفه كل من يسمع قراءة هذا الإنسان أنه أخطأ. النوع الثاني: لحن خفي. لحن خفي: هذا خطأ يطرأ على اللفظ فيخله بعرف القراء، ولا يخله بالمعنى. وسمي خفيا لأنه لا يعرفه إلا العالمون بالقراءة. وحكمه أنه لا يجوز، ويأثم من قارفه فعلا تعمدا. وذكر ابن الجزري يمثل للحن الخفي فقال: هو مثل تكرير الراءات، وربما ما يكرره ظاهرا، لكن يأتي بارتعاد في اللسان، يسمعه الملاحظ المدقق، يعرف أن هذا كرر الراء. أو تطنين النونات: يطنطن النونات، مثل بعض الحشرات، مثل النحلة، هذا ما تطنين النونات، هذا هذا التطنين، هذا خطأ. وتغليظ اللام في اسم الله، يعني يريد يقول: ﴿اللَّهِ﴾، يقول: ﴿اللَّهِ﴾، خطأ، يعني يغلظ شين اللام. وهكذا أيضا: تشريبها الغنة، ربما يشرب بعض الحروف الغنة وليست من حروف الغنة. إظهار الخفي، تليين المشدود، الوقوف بالحركات كوامل: يعني الذي يقف على حركة، عليه أن يسكن ذلك الحرف. تعلمون: يقول: ﴿تَعْلَمُونَ﴾، إذا هنا ايش وقف على ماذا؟ على الحرف بالحركة. قال ابن الجزري: ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده، متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية. أيضا نحن نتعبد الله: هذا عبادة، أنك تأتي بألفاظ القرآن مجودة، هذا عبادة. قراءة القرآن مرتلة عبادة، ينال فيها القارئ أجرا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه له أجران». إذا كان هذا المتتعتع له أجران في القرآن، فالذي ماهر له ايش؟ له أكثر، لأنه قال: «مع السفرة الكرام البررة». إذن أجر عظيم على تلاوة القرآن. لو ما كان عبادة، هل سيرتب عليه هذا الأجر؟ جواب: لا، لأنه عبادة، كان فيه أجر عظيم. إذن لا بد نعتقد أننا لما نقرأ القرآن مجودا، فإننا نتحصل على ايش؟ على أجر، لأن العبادات ايش تعريف العبادة؟ كل ما يحبه الله عز وجل ويرضى من ماذا؟ من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ولا شك أن هذا شرف لقارئ القرآن، أن يقرأ كلام الله عز وجل مجودا. قال ابن الجزري: وَلَأَخْذُوا بِالتَّجْوِيدِ حَتْمٌ لَازِمُ مَنْ لَمْ يُجَوِّدِ الْقُرْآنَ آثِمُ ذكر الناظم في هذا البيت أن أخذ القارئ بتجويد القرآن، وهو تحسين ألفاظه بإخراج الحروف من مخارجها وإعطائها حقها ومستحقها من الصفات، فرض لازم وحتم دائم. لكن من أراد قراءة كتاب الله تعالى، لكل من أراد قراءة كتاب الله تعالى فهو فرض عين من الناحية العملية. إذا قيل لك: ما حكم التجويد؟ قل: هو فرض عين، متى؟ من الناحية العملية، أي عندما أعمل به، فرض عين، عندما أريد أقرأ القرآن، فرض عين علي أن هذا أقرؤه كما أنزل. فرض عين من الناحية العملية. «من لم يجود القرآن آثم»: يعني من لم يحسن قراءته وهو عالم به، قد أخذه، فهو آثم. قال: وقد دل على ذلك كتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. وأما السنة: فالأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم، وقد مر ذكرها. وأما الإجماع: فقد نقل الإجماع غير واحد من العلماء، منهم: محمد مكي نصر في نهاية القول المفيد صفحة عشرة، وعبد الرزاق بن علي في كتاب الفوائد التجويدية، والمرصفي في هداية القارئ. ويدل على ذلك إنكار الصحابة لمن قرأ القرآن غير مجود. فقد روى البخاري في صحيحه في باب الترتيل في القراءة: ضبط البخاري بابا فقال: الترتيل في القراءة. حديث بوائل أنه قال: غدونا على عبد الله، يعني ابن مسعود، فقال رجل: قرأت المفصل البارحة. المفصل: من أين يبدأ؟ في طوال، في وسط، في قصار، يبدأ من أين؟ المفصل من قاف. طيب. قال: قرأت المفصل البارحة. فقال: هذا كهذ الشعر، يعني قرأت بسرعة. إنا قد سمعنا القراءة، وإني لا أحفظ القرناء، أي السور المتقارنة التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم: ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم. يعني يقصد من ماذا؟ من جزء خمسة وعشرين، السور التي فيها ماذا؟ حم، وهي: غافر، وفصلت، والشورى، والزخرف، وكذلك الدخان، والجاثية، كلها تبدأ بإيش؟ حم، حم. وسورتين من آل حم. هذا ابن مسعود ينكر على ذلك الشخص الذي قرأ القرآن غير غير مجود. قال: هذن كهذ الشعر، يعني تشرده كسرد الشعر، مثل ما يقرأ الإنسان الشعر، تشرده سرد، بدون ما يأتي بالشدة، ولا كذلك ماذا؟ المدود، ولا يأتي بالغنة. في الشعر قرأ عادية، لكن تقول: تقرأ القرآن هكذا؟ قال: لقد قرأنا القرآن مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخذنا القرآن عنه، ما هكذا كان يقرئنا القرآن. قال: ومما من الناحية العلمية، وهو تعلم هذا العلم، فهو من فروض الكفايات، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. ما حكم تعلم التجويد؟ تعلم التجويد فرض كفاية، فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. وأما قول الناظم: «من لم يجود القرآن آثم»، فمعناه: من لم يصحح قراءته، بأن قرأ قراءة تخل بالمعنى والإعراب، فإنه يأثم بفعله ذلك. قاله ذكري الأنصاري. ثم قال المسعدي: فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح العربي الفصيح، وعدل إلى اللفظ الفاسد الأعجمي أو النبطي القبيح، استغناء بنفسه واستبدادا برأيه وحده، واتكالا على ما ألف من حفظه، واستكبارا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه، فإنه مقصر بلا شك، وآثم بلا ريب، وعاص بلا مرية. إلى أن قال: وأما من كان لا يطاوعه لسانه، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب، أي: كأن نشأ ببلدة بعيدة عن الإسلام، ولا يجد من يرتحل به لأجل التعليم، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. إذن إنسان يعرف التجويد، عليه أن يأتي به تبه، هذا أمر مهم. إذا أنت تعرف التجويد، عليك أن تأتي به. وإذا ما تعرف التجويد، تعلم. وإذا ما تعرف التجويد، تعلم. فمن نشأ في بلاد بعيدة، أو غريب عهد بإسلام، فهذا لا يكلف الله نفسه إلا وسعها. وإذا كان ماهر، عليها أن يأتي بهذا مجودا. قلت: وهذا الأخير، وهو الذي لا يطاوعه لسانه، داخل في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران»، متفق عليه من حديث عائشة. ثم قال ابن الجزري رحمه الله: لأنه به الإله أنزل، وهكذا منه إلينا وصل. الشرح: بيّن الناظم في هذا البيت الموجب لتعلم التجويد، وهو أنه نزل من عند الله مرتلا مجودا، فقرأه سبحانه وتعالى على جبريل عليه السلام، وقرأه جبريل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقرأه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الصحابة رضي الله عنهم، وقرأه الصحابة على التابعين، وهكذا حتى وصل إلينا متواترا. قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه، متفق عليه. لأنه، أي بالتجويد، لأنه به الإله أنزل، وهكذا منه إلينا وصل. وصل إلينا القرآن بماذا؟ بالتجويد. فنحن إذن نقرؤه بالتجويد، ونعلمه ماذا؟ نعلمه غيرنا وأبناءنا، حتى تتوارثه ماذا؟ الأمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال الناظم: وهو أيضا حلية التلاوة وزينة الأداء والقراءة. الشرح: أي أن التجويد زينة للقراءة كالحلي للنساء، كما أن النساء تتحلى به بالذهب والفضة، وهكذا هذا التجويد زينة للقراءة. قالوا: الفرق بين التلاوة والأداء والقراءة: هو أن التلاوة قراءة القرآن متتابعة، كالدراسة والأوراد، وأما الأداء فهو الأخذ عن الشيوخ، والقراءة أعم. ثم هنا فائدة: مراتب التلاوة الثلاث: التحقيق. قال ابن الجزري: وهو إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد، وتحقيق الهمزة، وإتمام الحركات، واعتماد الإظهار، والتشديدات، وتوفية الغنات، وتفكيك الحروف، وإخراج بعضها من بعض بالسكت، والترسل، والسير، والتؤدة، ملاحظة الجائز من الوقوف. وهو الذي يستحسن، يستحب الأخذ به على المتعلمين، من غير أن يتجاوز فيه. قلت: وهو مختار عاصم وحمزة وورش. هذا القسم الأول: التلاوة تنقسم إلى ثلاثة أقسام. المرتبة الأولى: التحقيق. مرتبة التحقيق: وهو القراءة بتمهل، تعطي كل حرف حقه، تعطي كل حرف حقه، تتأنى في القراءة. هذه اختارها عاصم وحمزة وورش. اختاروا ماذا؟ اختاروا التماهل في القراءة، وهي أحسن شيء لمن؟ للمتعلم. إنسان يريد يتعلم، لا بد أن يقرأ القراءة، يقرأ القراءة بتمهل، ما يسرع فيه، لأنه إذا أسرع فيه لن يتمكن من ماذا؟ من إعطاء الحروف حقها ومستحقها، بخلاف ما إذا كان يقرأ رويدا رويدا بتمهل، فإنه سيعطي كل حرف حقه. أنت أيها المتعلم في البداية لا تقرأ بسرعة، وإنما يقرأ بتمهل. ولهذا خذ من القراءة من هو ماذا؟ يقرأ بتمهل مجود، يقرأ ماذا؟ رويدا رويدا، حتى تش تسمع اللفظ الصحيح، وتنطق معه كذلك اللفظ الصحيح. النوع الثاني: الحدر. قال ابن الجزري: وهو إدراج القراءة وسرعتها، وتخفيفها بالقصر والتسكين والاختلاس، والبدل، والإدغام الكبير، وتخفيف الهمس. وليحترز فيه عن بتر حروف المد، وذهاب صوت الغنة، واختلاس أكثر الحركات. انتهى. قلت: وهو مختار قالون وابن كثير وأبي عمر. الحدر: معنى السرعة، تسرع في ماذا؟ في القراءة، لكن مع عدم الإخلال، مع عدم الإخلال. أنت تعرف الأحكام، تأتي بها، ولكن ماذا؟ مع شيء من إدراج القراءة، تسرع في القراءة. والنوع الثالث: التوسط، يسمى التدوير، وهو التوسط بين الحدري والتحقيق. قال ابن الجزري: وهو الذي ورد عن أكثر الأئمة، فمن روى مد المنفصل ولم يبلغ فيه حد الإشباع، وهو مذهب سائر القراء، وصح عن جميع الأئمة، وهو المختار عند أكثر أهل الأداء. قلت: وهو مختار ابن عامر والكسائي. إذن معنا المرتبة الثالثة: التدوير. هذه التدوير غالبا ما يقرأ بها في الصلاة، غالبا ما يقرأ بها في إيش؟ في الصلاة. أنت تقرأ بالتوسط في الصلاة، لا ترتيل ولا إسراع، يعني لا تحقيق ولا إسراع، وإنما وسط، حتى ماذا؟ لا يمل، لا يمل الناس. فإذا أسرعت لم يفهموا، وإذا ماذا؟ تأنيت كثيرا، ربما ماذا؟ مل العوام، خاصة الذين ماذا؟ ينفرون، ماذا؟ بعضهم ينفر من من طول القراءة، ويقول: هذا يطول، يطول علينا. لكن أنت ماذا؟ تأتي بالتوسط في ذلك. والترتيل لفظ يعم التحقيق والحدر والتدوير، كما قرروا ابن الجزري في النشر تحت عنوان: كيف يقرأ القرآن. وأما من حيث المفاضلة بين المراتب الثلاث، فقد اختار ابن الجزري مرحلة التحقيق، حيث قال: الصحيح بل الصواب ما عليه معظم السلف والخلف، وهو أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها، ولأن المقصود من القرآن: فهموا وتفقهوا فيه، والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه. يعني ما هي المختار من المراتب الثلاث عندك؟ المختار من المراتب الثلاث هي ماذا؟ مرتبة التحقيق. أنت إذا قرأت، اقرأ بماذا؟ بالتحقيق. هذه المرتبة هي هي الأولى. قلت: وهو اختيار الإمام البخاري، حيث قال: باب الترتيل في القراءة، وقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، وما يكره أن يهذ هذ الشعر. وهو اختيار حبر الأمة، ترجمان القرآن، ابن عباس، كما ذكره عن الحافظ في الفتح. لكن قال عقبة: والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما على الآخر، أو أن يستويا. إذن يقول الحافظ: قد يستويان، وقد يفضل أحدهما على الآخر، كل بوجه. من قرأ وأسرع، فيحصل ماذا؟ يقول: أجر كثير من حيث كثرة القراءة. ومن تمهل، فذلك أولى، لأن المقصود من القرآن هو التدبر والتفاهم، لا الكثرة. المقصود من القرآن هو التدبر والتفاهم، لا الكثرة. فهذا أولى، والله أعلم. قال الناظم: وهو إعطاء الحروف حقها نصفة لها ومستحقها. الشرح: بيّن الناظم أن التجويد هو إعطاء الحروف حقها ومستحقها. وحق الحرف هو: الصفات الذاتية الملازمة له، كالجهر والهمس، والشدة والرخاوة، والاستعلاء والاستفال. ومستحق الحرف هو: الصفات العارضة التي تطرأ عليه، كالتفخيم والترقيق، والإدغام والإظهار، ونحو ذلك. وهذه قد تقدمت معنا في باب الصفات. التجويد: إعطاء الحروف حقها من صفة له ومستحقها. تعطي حق الحرف والصفات الذاتية اللازمة، ومستحق الحرف هي الصفات العارضة الطارية التي تطرأ عليه. طيب، نقف إلى هنا، وإن شاء الله وتعالى نكمل في الدرس القادم. إلى هنا: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.