الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اسم الله الحميد يعني المحمود الذي يستحق كل أنواع المحامد لإنعامه على خلقه ولاتصافه بصفات الجلال والكمال. ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في مواضع كثيرة مقرونا بأسماء أخرى مثل الغني والعزيز.
الحمد هو الثناء على الله بصفات الكمال وهو من أسباب رضاه سبحانه وتعالى. أمر الله عباده بحمده وأثنى على من حمدوه، كما حمد نفسه على خلقه وكتابه.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمد الله في جميع أحواله، وقد أثنى الله على الحامدين في كتابه الكريم. يتضمن الدعاء طلبًا بأن يجعلنا الله من المؤمنين حق الإيمان ومن يقدسون الله حق قدره.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله الحميد، فالحميد اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى. وذكر هذا الاسم في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، ذكر بعض العلماء أنه ذكر في سبعة عشر موضعا أو أربعة عشر موضعا في كتاب الله عز وجل. فمن النصوص الواردة في كتاب الله جل وعلا في ذكر هذا الاسم قوله جل وعلا: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾. وهكذا قرن الله جل وعلا اسمه الحميد باسمه جل وعلا الغني، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾. وهكذا قرن الله جل وعلا اسمه الحميد باسمه جل وعلا الحكيم، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. وقرن الله جل وعلا اسمه الحميد باسمه جل وعلا العزيز، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ تَرَ كِتَابًا أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. وقرن الله جل وعلا اسمه الحميد باسمه سبحانه وتعالى المجيد، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ... رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾. وهكذا قرن الله جل وعلا اسمه الحميد باسمه الولي، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فاسم الله جل وعلا الحميد ذكر في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، تارة مفردا وتارة مقرونا، كما قرن باسم الله الغني والعزيز والحكيم والمجيد والولي. وثبت كذلك في سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، ففي تشهده -عليه الصلاة والسلام- كما في الصحيحين وغيرهما عن عدد من الصحابة، كان -عليه الصلاة والسلام- يقول في تشهده: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد». فالحميد اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، ومعنى اسم الله الحميد أي المحمود الحميد، حميد فعيل بمعنى مفعول، فالحميد بمعنى المحمود. فالله جل وعلا هو الحميد، أي المحمود الذي يستحق كل أنواع المحامد، فالحميد جل وعلا يستحق كل أنواع المحامد، فكل أنواع المحامد إنما هي للحميد جل وعلا وحده لا شريك له. ولذلك نحن نقول: «الحمد لله»، فنحصر الحمد لله جل وعلا. وقال هنا في قولنا «الحمد» هي للاستقرار، والمعنى أن جميع المحامد وكل المحامد مستحقة لله جل وعلا وحده لا شريك له. ولذلك يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في نونيته عند ذكره لاسم الله الحميد: «وهو الحميد واقع كان أو مفروضا مدى الأزمان ملأ الوجود جميعه ونظيره من غير ما عد ولا حسبان، فهو أهله سبحانه وبحمده، فكل المحامد وصف ذي الإحسان». وذكر لها الرأس -رحمه الله- في شرحه معنى كلام القيم -رحمه الله- وبينا أن الحميد معناه المستحق لجميع أنواع المحامد، كل حمد مقدر وكل حمد واقع، كل حمد واقع من خلق الله جل وعلا في الدنيا أو في الآخرة، وكل حمد كذلك مقدر -يعني لم يقع لكن لو قدر فكذلك- إنما يستحقه الحميد سبحانه وتعالى. وهكذا الحميد جل وعلا هو الذي له الحمد، وذكر القيم -رحمه وتعالى- أنه جل وعلا يستحق الحمد لأنه هو الذي خلق وحده، وهو الذي رزق وحده، وهو الذي أنعم وحده، وهو سبحانه وتعالى الذي أحيى جل وعلا، وهو كذلك الذي يدبر، فلذلك يحمد جل وعلا لأجل ذلك. وهو كذلك المحمود جل وعلا والذي يستحق الحمد وحده لما له من صفات الجلال والكمال، فهو يحمد سبحانه وتعالى لإنعامه على خلقه، يحمد جل وعلا لإنعامه على خلقه، ويحمد جل وعلا كذلك لاتصافه بصفات الكمال. فالحميد جل وعلا يحمد لهذه الأمرين: لإنعامه على خلقه، ويحمد لاتصافه بصفات الجلال والكمال. ولذلك ذكر السعدي -رحمه الله تعالى- في شرحه لأسماء الله الحسنى عند شرح اسم الله الحميد قال: «أي في ذاته وأفعاله وأقواله وصفاته، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها، ومن الأفعال أحسنها وأتمها». قال بعد ذلك -رحمه وتعالى-: «لأن أفعاله جل وعلا دائرة بين العدل والفضل، لأن أفعاله جل وعلا دائرة بين الفضل والعدل». فخلاصة معنى اسم الله جل وعلا الحميد أي المستحق لجميع أنواع المحامد، فيحمد جل وعلا على ربوبيته، ويحمد جل وعلا على أولهيته، ويحمد جل وعلا على أسمائه وصفاته، ويحمد جل وعلا على تقديره وحكمته وأفعاله، فيحمد جل وعلا على جميع صفات كماله ونعوث جلاله سبحانه وتعالى. والحمد والحمد وصف عظيم، اسم الله جل وعلا الحميد الموصوف والمتضمن صفة الحمد، فالله جل وعلا هو الحميد الموصوف بصفة الحمد، ووصف الحمد وصف عظيم لله جل وعلا. وما يدلنا على عظيم هذا الوصف أن الله جل وعلا أنكر على المشركين، أنكر على كفار قريش الذين علموا أن الله جل وعلا هو الذي خلقهم وأقر بذلك، وهكذا أقر بأن الله جل وعلا هو الذي رزقهم وهو الذي يدبر أمرهم، وهو الذي جل وعلاه الملك، ثم بعد ذلك توجه إلى غيره سبحانه وتعالى. فبعد أن ذكر جل وعلا في مواضع من كتابه الكريم إقرار المشركين بالخلق له جل وعلا والملك والتدبير، يتبع ذلك ربنا جل وعلا بقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. والمعنى ما دام أن الله جل وعلا هو الذي خلق وهو الذي رزق وهو الذي يدبر والذي له الملك، فهو جل وعلا وحده الذي يستحق أن يحمد سبحانه وتعالى. وهذا ربنا جل وعلا ضرب الأمثال في كتابه الكريم، ذكر جل وعلا في مواضع أمثلة خلاصتها أن الله جل وعلا هو المستحق للعبادة وللحمد وحده، فضرب مثلا في عبد مملوك، ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، ومن رزقناه من مِن رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا، هل يستويان؟ الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون. هذا مثل عظيم ضربه الله جل وعلا في كتابه الكريم في عبد مملوك لا يقدر على شيء، وعبد تمن الله جل وعلا عليه بالرزق فهو ينفق منه، هل يستوي هذا العبد ذلك العبد؟ الجواب: لا. فكيف يريد العباد أن يجعلوا المخلوق مثل رب العالمين سبحانه وتعالى؟ فالله جل وعلا هو الذي يرزقهم وحده، وهو الذي ينعم عليهم وحده، وأما العباد فهم عاجزون عاجفون، فكيف يشركونهم مع الله سبحانه وتعالى؟ هل يستوون؟ لا يستوون، الحمد لله. فهو سبحانه وتعالى الذي يستحق أن يحمد وحده جل وعلا. ولعظيم هذا الوصف الذي ضمنه اسم الله جل وعلا الحميد، وهو الحمد، أن الله جل وعلا حمد نفسه على إنزاله لكتابه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. فحمد ربنا جل وعلا نفسه عند إنزال كتابه، وهذا يدل على عظيم هذا الوصف لله جل وعلا. وحمد ربنا جل وعلا نفسه على خلقه سبحانه وتعالى لخلقه، فعند ذكر خلقه سبحانه وتعالى أتبع ذلك بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. فحمد نفسه سبحانه وتعالى على خلقه للسماوات وللأرض ولسائر خلقه سبحانه وتعالى، وهذا يدل على عظيم هذا الوصف وهو الحمد لله سبحانه وتعالى. وما يدل على عظيم وصف الحمد لله سبحانه وتعالى الحميد أن الله جل وعلا أمر بحمده، أمر بحمده في كتابه الكريم، تأملوا كم هي الآيات وانظروا كم هي الآيات في كتاب الله جل وعلا التي يأمر فيها ربنا جل وعلا عباده بأن يحمدوه، أمر أنبياءه، أمر ملائكته، أمر سائر خلقه بحمده سبحانه وتعالى. بل أخبر جل وعلا أن ما من مخلوق إلا وهو يسبح بحمد الله جل وعلا، وإن من شيء في السماوات والأرض إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. فالجبال تسبح بحمد الله، والأنهار تسبح بحمد الله، والأنعام تسبح بحمد الله، والأحجار وما من شيء إلا يسبح بحمد الله سبحانه وتعالى، أخبر بذلك ربنا جل وعلا، وهذا يفيدنا عظيم اتصاف الرب جل وعلا بهذا الوصف العظيم، حيث أخبر عن خلقه جميعا أنهم يسبحون بحمده سبحانه وتعالى، ولكن لا نفقه تسبيح هذه المخلوقات. وهكذا كذلك ربنا جل وعلا أمر عباده، أمر أنبياءه بالتسبيح بحمده، فقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم مثنيا على أنبيائه، على إبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾. فأثنى عليه لأنه حمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة. وهكذا كذلك ربنا سبحانه وتعالى أثنى على عباده الذين حمدوا الله جل وعلا على أعظم نعمة أنعم بها عليهم الحميد سبحانه وتعالى، وهي الهداية، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. وهكذا أثنى عليهم وهم في جنته سبحانه وتعالى حين دخلوا جنة الله جل وعلا حمدوا ربهم سبحانه وتعالى على هذه النعمة العظيمة، وقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. وقال جل وعلا في آية أخرى: ﴿قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. وأثنى كذلك على ملائكته الذين يدعونه سبحانه وتعالى ليلا ونهارا وهم لا يفترون، يثنون عليه سبحانه وتعالى، ويسبحون بحمده جل وعلا، ويدعونه ويختمون دعاءهم بالحمد لله سبحانه وتعالى، ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أثنى عليهم سبحانه وتعالى. وهذا نظرنا في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، نجد حمد الأنبياء لربهم سبحانه وتعالى، ونجد حمد المؤمنين على نعم الله جل وعلا لهم، ونجد حمد المؤمنين وهم في جنة الله جل وعلا يحمدون الله سبحانه وتعالى على ما من به عليهم وأنعم به عليهم سبحانه وتعالى. ولذلك كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- أفضل الحامدين للحميد جل وعلا، كان يكثر من الحمد لله جل وعلا، فكان يحمد الله جل وعلا على كل أحيانه، فإذا افتتح صلاته -عليه الصلاة والسلام- حمد الله سبحانه وتعالى: «سبحانك اللهم وبحمدك». وهكذا كذلك كان -عليه الصلاة والسلام- إذا ركع حمد الله سبحانه وتعالى: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». وهكذا كان يقول هذا في سجوده، امتثالا لأمر الله جل وعلا كما ثبت في حديث عائشة -في الصحيح- أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يتأول القرآن حين نزل عليه قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فكان -عليه الصلاة والسلام- يكثر من قول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» في ركوعه وسجوده، يتأول القرآن كما قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها-. وهذا كان إذا تهجد -عليه الصلاة والسلام- وقام يتهجد في الليل، بدأ صلاته بتحميد ربه سبحانه وتعالى، كما جاء في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: «كان نبي الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: اللهم أنت نور السماوات والأرض وما بينهما، لك الحمد، اللهم أنت قيم السماوات والأرض وما بينهما، فلك الحمد». وهكذا كلما ذكر -عليه الصلاة والسلام- شيئا من صفات رب العالمين جل وعلا ومن ملكه، قال -عليه الصلاة والسلام-: «فلك الحمد»، يحمد ربه سبحانه وتعالى. وإذا لبس -عليه الصلاة والسلام- حمد الله على ذلك اللباس الذي كساه الله سبحانه وتعالى. وهكذا إذا فرغ من طعامه وشرابه حمد الله جل وعلا، وأخبر أن الله سبحانه وتعالى يحب من عبده كما في حديث أنس -في الصحيح- يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها. وهكذا كذلك كان -عليه الصلاة والسلام- إذا استيقظ من نومه قال: «الحمد لله». حمد الله سبحانه وتعالى على نعمة على هذه النعمة العظيمة التي أنعم بها ربه سبحانه وتعالى عليه. وكذلك كان -عليه الصلاة والسلام- إذا أراد سفرا حمد الله سبحانه وتعالى، كما في دعاء السفر المشهور الذي جاء ذكره في الصحيح، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين». فيثني على الله سبحانه وتعالى بالتسبيح والتحميد. وإذا رجع من سفره جاء بهذا الدعاء، ثم زاد -عليه الصلاة والسلام- قوله: «آيبون تائبون لربنا حامدون». ويقول سبحانه: «الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين». وهذا تنويه على الله سبحانه وتعالى، وحمد لله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- يفتتح خطبه وكلماته بالحمد لله جل وعلا، كما في حديث عبدالله بن مسعود -في خطبة الحاجة-: «كان -عليه الصلاة والسلام- يقول: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره». فيبدأ خطبه -عليه الصلاة والسلام- غالبا بحمد الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك كان -عليه الصلاة والسلام- يحمد ربه سبحانه وتعالى في سائر حياته، إذا رأى شيئا يسره ويفرح به، قال -عليه الصلاة والسلام-: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات». إذا رأى ما يسره قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات». وإذا رأى ما يكره قال -عليه الصلاة والسلام-: «الحمد لله على كل حال». فهو -عليه الصلاة والسلام- يحمد ربه جل وعلا في كل أحواله: في حال ما يسره، وفي حال ما يكرهه -عليه الصلاة والسلام-، فهو حامد لله سبحانه وتعالى. فالحامدون يحبهم الله جل وعلا، والذي قال أثنى عليهم ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بقوله: ﴿التَّائِبُونَ الْحَامِدُونَ﴾ في سياق الثناء عليهم، أثنى عليهم ربنا سبحانه وتعالى ثناء عظيما. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الحميد أن يشكر العبد ربه جل وعلا، وأن لا يحمد العبد إلا الله سبحانه وتعالى، وأن يعيش حميدا، فالحميد سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يتصف بهذا الوصف، بأن يكون حميدين في هذه الدنيا. ولا ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث عبد الله بن عمر، وهو حديث صحيح، العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- وغيره من أهل العلم، فهو حديث حسن بمجموع الطرق: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى على عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- ثوبا جديدا، قال له: أغسيل أم جديد؟ قال: بل جديد. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ألبس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا». فالعبد عليه أن يعيش في هذه الدنيا حميدا، لأن الحميد سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يتصف بهذا الوصف. ودلائل عظم اتصاف الرب جل وعلا بهذا الوصف كثير في كتاب الله جل وعلا، فكما تقدم: أثنى على نفسه، وأمر بذلك سبحانه وتعالى، ونبيه -عليه الصلاة والسلام- كان منتصفا بذلك. نضيف إلى هذا ما ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في أحاديث كثيرة في سنته -عليه الصلاة والسلام- بين -عليه الصلاة والسلام- فضل الحمد، فما من ذكر تأمل الأذكار الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قليل الأذكار التي تخلو من ذكر الحمد، قليل الأذكار التي تخلو من ذكر الحمد، فما من ذكر إلا وفيه ذكر الحمد: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: الحمد لله». وهكذا «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». وهكذا «لا حول ولا قوة إلا بالله». فهذا كثير لا يحصر، كثير لا يحصر. وإن دل ذلك على شيء، إنما يدل على عظيم اسم الله الحميد الذي تسمى به ربنا عز وجل، وعلى عظيم هذا الوصف الذي اتصف به وهو وصف الحمد. فنسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن آمن بالحميد جل وعلا حق إيمانه، ومن عظم الحميد حق تعظيمه سبحانه وتعالى، وأن يجعلنا من يعيش في هذه الدنيا حميدا حامدا شاكر لربه جل وعلا. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.