حلية طالب العلم 14

الدرس في حلية طالب العلم 14، ألقاها

تمهيد وتوطئة

يبدأ المقطع بالحمد لله والصلاة على النبي، مما يدل على بداية دينية أو مقدمة لموضوع ديني أو خطبة. هذا التمهيد يهيئ المستمعين للموضوع الرئيسي.

أهمية ملازمة خشية الله

يتناول أهمية ملازمة خشية الله تعالى في الظاهر والباطن، وضرورة التحلي بالرجولة والسمت الصالح. خشية الله تعالى هي أساس طلب العلم وثمارته، وتوجب محبته والقرب منه.

التوازن بين العلم وخشية الله

خشية الله هي أصل العلم وثمرته، لذا يجب على طلبة العلم التوازن بين تحصيل العلم وخشية الله. طالب العلم يجب أن يتحلى بالرجولة والسمت الصالح، وأن يكون داعياً إلى الله بعلمه وسمته وعمله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: «قال الثالث: ملازمة خشية الله تعالى». قال: «التحلي بعمارة الظاهر والباطن بخشية الله تعالى، محافظا على شعائر الإسلام، وإظهار السنة ونشرها بالعمل بها والدعوة إليها، دالا على الله بعلمك وسمتك وعملك، متحليا بالرجولة والمساهلة والسمت الصالح». قال: «ملاك ذلك خشية الله تعالى». ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «أصل العلم خشية الله تعالى». قال: «فالزم خشية الله في السر والعلم، فإن خير البرية من يخشى الله تعالى، وما يخشاه إلا عالم، إذن فخير البرية هو العالم». ولا يغب عن بالك أن العالم لا يعد عالما إلا إذا كان عاملا، ولا يعمل العالم بعلمه إلا إذا لازمته خشية الله. قال: «وأسند الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بسند فيه لطيفة إسنادية برواية آباء تسعة، فقال: أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب ابن عبد العزيز ابن الحارث ابن أسد ابن الليث ابن سليمان ابن الأسود ابن سفيان ابن يزيد ابن أكينة ابن عبد الله التميمي من حفظه، قال: سمعت أبي يقول... سمعت أبي يقول: هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل، فإن أجابه وإلا ارتحل». وهذا الإسناد فيه مقال. قال رحمه الله: «وهذا اللفظ بنحوه مروي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى». قوله رحمه الله تعالى: «ملازمة خشية الله تعالى». الخشية عرف العلماء رحمهم الله تعالى بتعاريف، ومن أحسنها أنها خوف يشوبه تعظيم. وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه. والفرق بين الخوف والخشية كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما أن الخشية تكون مع العلم بالمخشي وحاله، والخوف قد يكون من الجاهل. والفرق الآخر أن الخشية تكون بسبب عظمة المخشي منه، والخوف قد يكون من ضعف الخائف لا من قوة المخوف. قال الشيخ رحمه الله: «التحلي بعمارة الظاهر والباطن بخشية الله تعالى». حليه أن ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بهذا الوصف وبهذا الخلق، وأن يتصف به بأن يعمر ظاهره وباطنه بخشية الله تعالى. قال: «محافظا على شعائر الإسلام» لماذا؟ لأنه يخشى الله. قال: «وإظهار السنة ونشرها بالعمل بها والدعوة إليها» لماذا؟ لأنه كذلك يخشى الله. قال: «دالا على الله بعلمك وسمتك وعملك»، أي تكون هاديا إلى الله وداعيا إلى الله جل وعلا بعملك، ينظر إليك الناظر فيرى من عملك الحسن ومن سمتك الحسن ومن عملك الصالح، فيكون مدعاة لأجل أن يدخل في دين الله جل وعلا. قال: «متحليا بالرجولة»، لا بد أن يكون طالب العلم متحليا بالرجولة، بمعنى أنه لا يتصف بصفات فيها نوع تأنث. ويروى عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها رأت رجلا يمشي مشي فيها ضعف وفيها خور، فقالت: «من هذا؟ أو ما هذا؟» فقيل لها: أحد الزهاد. فقالت: «أما والله لقد كان عمر من كبار الزهاد، وما كان كذلك» أو كما قالت رضي الله عنها وأرضاها. قال: «والسمت الصالح» كذلك، أي الخلق الصالح. قال: «وملاك ذلك خشية الله تعالى». ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «أصل العلم خشية الله تعالى». أصل العلم خشية الله تعالى، وهذا مأخوذ من قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، إنما أسلوب حصر، يخشى الله من عباده العلماء، ففيه حصر هذا الوصف على هؤلاء الناس وهم العلماء، فهم أهل خشية الله جل وعلا. فإذا قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «أصل العلم خشية الله» والإمام أحمد رحمه الله تعالى له عبارات عظيمة في هذا المعنى. وقد سئل رحمه الله تعالى عن معروف الكرخي، وكان أحد العباد الزهاد، فقال: «كان معهم أصل العلم خشية الله». وقد سئل رحمه الله تعالى في مرض موته، فقيل له: «من نسأل بعدك؟» فقال: «عليكم بعبد الوهاب الوراق». فقيل له: «إنه ليس له اتساع في العلم». فقال: «إنه رجل صالح، مثلهم يوفق لإصابة الحق». انظر: إنه رجل صالح، مثلهم يوفق لإصابة الحق، أي أن الله جل وعلا بصلاح ذلك الرجل يوفقه للحق والصواب في الفتيا. فقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «أصل العلم خشية الله تعالى» فيه معنى جليل ومعنى عظيم. فسر هذه العبارة الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، فقال: «فأصل العلم بالله يوجب خشيته ومحبته والقرب منه والشوق إليه»، أي إلى الله جل وعلا. قال: «ثم يتلوه العلم بأحكام الله، وما يحبه ويرضاه من العبد من قول أو عمل أو حال أو اعتقاد». قال: «فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه علما نافعا، وحصل له العلم النافع والقلب الخاشع والنفس القانعة والدعاء المستجاب». إذن قول الإمام أحمد رحمه الله: «أصل العلم خشية الله» كما قال الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى: أن العلم علما أصل العلم وثمرة العلم وحقيقة العلم خشية الله جل وعلا، هذا أصل العلم، ثم يتلوه بعد ذلك العلم بأحكام الله جل وعلا وما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال والأحوال والاعتقادات. وكثير من طلبة العلم من أمثالنا يحرص على الأمر الثاني، يحرص على تكثير المسائل والبحث في المسائل والنظر في المسائل، وقصر تقصيرا كبيرا في الأمر الأول في أصل العلم في خشية الله جل وعلا. لذا يروى عن الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه دخل إلى الشام أو إلى غيرها، فسأل عن علمائها، قال: «أين فقهاءكم؟ أو من فقهاءكم؟» فقيل له: فلان وفلان وفلان، وعددوا له جماعة. فماذا قال الحسن رحمه الله تعالى؟ قال: «ما أكثر فقهاءكم! إنما الفقيه من يخشى الله تعالى». لذا سئل بعض أهل العلم، فقيل له: «من العالم؟» فقال: «العالم من يخشى الله». لماذا؟ العالم من يخشى الله، لأنه قد تحقق بأصل العلم تحقق بأصل العلم الذي لا يقوم العلم إلا به. فمن تحقق بأصل العلم، ثم بعد ذلك تزود بالعلم بأحكام الله جل وعلا ودين الله جل وعلا، فهذا هو العالم حقا. بل مثل هذا يبلغ أن يكون من رتبة بعض الصالحين وبعض العلماء الراسخين. لذا ذكر عن بعض السلف أنه قال: «كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا». كفى بخشية الله علما، أي بمعنى اكتف بخشية الله جل وعلا علما، بمعنى أنك أيها الطالب للعلم إن رأيت أن هذا العلم قد زادك من الله خشية، وزادك بما عند الله جل وعلا رغبة ومحبة، وزادك إقبالا على الله جل وعلا وعلى طاعة الله جل وعلا ظاهرا وباطنا، فحمد الله جل وعلا. وفي المقابل: «كفى بالاغترار بالله جهلا»، أي من كان مضيعا لخشية الله جل وعلا، مفرطا في طاعة الله جل وعلا، مفرطا فيما يقربه إلى الله جل وعلا، متخاذلا متكاسلا عما يقربه إلى الله جل وعلا، ومع هذا مسكين مشغول في جمع بعض المسائل وبعض الأقوال من هاهنا وهاهنا، كفى به جهلا. فنسأل الله جل وعلا أن يرزقنا خشيته، وأن يرزقنا الصلاح في ظاهرنا وباطننا، إنه قريب مجيب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على