الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 16، ألقاها
الله يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته. الهداية فضل من الله والضلال لحكمة يعلمها الله.
الله ييسر كلاً لعمله، وهناك فرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية في الهداية والضلال. الإرادة الكونية تشمل جميع المخلوقات.
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، ويستدل عليه بأحاديث نبوية. الفرق بين نسبة الشر إلى الله كنسبة مفعول لا نسبة فعل.
الذكر والتسبيح والاستغفار عبادات مهمة للتقرب من الله. التوبة والاعتراف بذنوب العبد وطلب المغفرة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا أمس عند قوله رحمه الله تعالى: «يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته». ومعنى هذا أن الله عز وجل يهدي من يشاء برحمته، أي أن الله عز وجل إذا وفق العبد إلى الخير وإلى الطاعة وإلى الإيمان، فهو محض فضل من الله عز وجل على هذا العبد، محض فضل الخالق سبحانه وتعالى على هذا العبد، فهو من الله عز وجل الذي رزقه هذا السداد وهذا التوفيق، فهو نعمة عظيمة ونعمة جليلة من الله عز وجل للعبد. ومن أضله الله عز وجل، فهذا بمقتضى حكمة الله عز وجل، أي لحكمة عظيمة جليلة علمها الله عز وجل. فعلم أن هذا المخلوق أو أن هذا الإنسان أهل لأن يهدى، فهداه، وعلم سبحانه وتعالى أن هذا الآخر ليس أهلاً لأن يهدى، فمنعه التوفيق وحرمه التوفيق ووكله إلى نفسه، فصار من الضالين، فصار من أهل الضلال. فمن وفق للإيمان والطاعة والخير والبر، فهو بفضل الله عز وجل وبرحمة الله عز وجل على ذلك العبد. ومن خذل ووكل إلى نفسه، فهو بحكمة الله عز وجل، أي أن ذلك الإضلال كان لحكمة عظيمة من حكم الله عز وجل التي يعلمها الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، أي هذا دليل على أن الله عز وجل إذا قال: لماذا أضل الله؟ لماذا هدى الله عز وجل فلانًا وأضل فلانًا؟ لماذا ما هدى فلانًا وفلانًا؟ فالجواب نقول كما قال الله عز وجل: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. هذا حكم الله عز وجل، ولا معقب لحكمه، الله عز وجل بحكمة عظيمة جليلة اقتضى هذا المعنى أن يجعل الناس على فريقين: أهل سعادة وأهل شقاوة، ويسر كلاً لعمله. فأما من كان من أهل السعادة، فسيسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فسيسر لعمل أهل الشقاوة. كما قال ذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فهذا من قضاء الله عز وجل لمن وفقه إلى الخير والبر، ومن خذله فصار من الكافرين أو الضالين أو الفاسقين، فهذا لحكمة عظيمة اختصت ذلك لحكمة عظيمة من الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. قوله تعالى: «فمن يريد الله أن يهديه»، الإرادة ها هنا كونية أو شرعية، شرعية وكذلك كونية. بمعنى أن الإرادتين قد تجتمعان، مثل في طاعة المطيع، تجتمعان في طاعة المطيع، بمعنى أن الإنسان إذا كان مطيعًا وقام بالطاعات وعمل بالطاعات، فالطاعات يحبها الله عز وجل، ولما عمل بها فقد وقعت، وما وقع وأحبه الله عز وجل فهو داخل في الإرادتين: إرادة الشرعية والإرادة الكونية. وقوله: «ومن يريد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا»، قوله هو من يريد أن يضله، إرادة كونية أو شرعية؟ ولماذا؟ لأنه الضلال لا يحبه الله عز وجل. وروى ابن عمر عن أبيه أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». قوله أو ذكر هذا الحديث الذي هو حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وفيه أنه قال: «وتؤمن بالقدر خيره وشره»، فقال جبريل: «صدقت» رواه مسلم. والحديث كما ترون ذكره ابن قدامة رحمه الله تعالى يدلل على أن القدر واجب الإيمان به، وأنه من أركان الإيمان، وأن من لم يؤمن بالقدر فهو كافر بالله العظيم. قال رحمه الله تعالى: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره». هذا الحديث أيضًا بهذه الزيادة صحيح، قوله: «آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره» صحيح بهذا اللفظ أخرجه ابن حبان وغيره من حديث ابن عمر السابق. والشاهد منه: «آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره»، معنى خيره وشره أي أنه من الله، وحلوه ومره كذلك أنه من الله. قال رحمه الله تعالى: ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه الحسن بن علي، يدعو به في قنوت الوتر: «وقني شر ما قضيت». وهذا الحديث أيضًا صحيح أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وقوله: «وقني شر ما قضيت»، هل في القضاء شر؟ الجواب ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «شفاء العليل»: إن القدر لا شر فيه بوجه من الوجوه، إنه علم الله وقدرته وكتابه ومشيئته، وذلك خير محض وكمال من كل وجه. فالشر لا ينسب إلى الله عز وجل نسبة فعل، لا يقال: إن الله عز وجل قدر الشر أو فعل الشر أو ما شابه ذلك. ولكن ينسب إلى الله عز وجل نسبة مفعول، أي مخلوق من مخلوقات الله عز وجل ومقدور من مقدورات الله عز وجل. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.