شرح لمعة الإعتقاد 17

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 17، ألقاها

الرد على الجبرية وتوضيح الحجة الإلهية على العباد

يرد الشيخ على الجبرية الذين يحتجون بالقضاء والقدر على فعل المعاصي، ويبين أن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب وأقام الحجة على العباد. الله لا يكلف إلا المستطيع.

فهم الإرادة الإلهية وتقسيمها عند أهل السنة

يشرح المقطع الإرادة الإلهية وتقسيمها إلى إرادة شرعية وكونية عند أهل السنة والجماعة، ويوضح الفرق بينهما وبين آراء الطوائف الأخرى.

موقف أهل السنة من القدرية والجبرية

يتناول الفرق بين القدرية والجبرية وموقف أهل السنة والجماعة، حيث يجمعون بين إثبات إرادة الله وإرادة العباد، مؤكدين أن الله لا يكلف إلا ما في وسع العبد.

خلق أفعال العباد وتوضيح دور الله فيه

يؤكد أن الإنسان وأفعاله مخلوقة لله تعالى، سواء كانت خيرًا أو شرًا، مستدلاً بالآية الكريمة التي تؤكد خلق الله للإنسان وعمله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد، مر معنا في الدرس السابق الكلام على بعض المسائل المتعلقة بالقضاء والقدر، قال رحمه الله تعالى: «ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه»، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. قوله رحمه الله: «ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه»، وفي المخطوط: «في ارتكاب مناهيه وترك أوامره»، وهو المناسب للكلام؛ لأن اجتناب النواهي مطلوب. ووضح هذا الأمر في قوله: يعني حجة لنا في ترك أوامره، هذا مذموم، فلا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك الأوامر. وقوله: «اجتناب النواهي» مطلوب، فإذن قوله: «اجتناب النواهي» ليس بصحيح، بل الصواب كما جاء في المخطوط: «ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ارتكاب مناهيه وترك أوامره»، هذا هو المناسب للكلام. لأن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذا المبحث هنا ليرد على طائفة من الطوائف التي زلت في باب القضاء والقدر، وهم الجبرية. المبحث الأول كان في الكلام على القدرية الغلاة، والطائفة الأخرى منهم، وفي هذا المبحث تكلم على طائفة أخرى من الطوائف التي زلت في باب القضاء والقدر، هم الجبرية. الجبرية يحتجون بقضاء الله وقدره على ماذا؟ على فعل المعاصي وعلى ترك الطاعات والأوامر. وحجتهم في ذلك يقولون: لو شاء الله عز وجل أن نفعل الطاعات لفعلنا، ولو شاء الله عز وجل أن نترك النواهي لتركناها، لكن لما لم يكن، أو لم يشأ الله عز وجل هذا، حصل منا ما حصل، فعلنا المعاصي، أي تركنا الأوامر وارتكبنا المناهي، فيحتجون بالقدر على ماذا؟ على المعاصي. ويقولون: إن حال العبد مع مشيئة الله عز وجل كحال الشجرة في مهب الريح، تحركها يمينا وشمالا، إذا جاءت الرياح من الشمال دفعت إلى الجنوب، وإذا جاءت الرياح من الجنوب دفعت إلى الشمال. فقالوا: هذا حال الإنسان مع مشيئة الله عز وجل، إن شاء الله عز وجل أن يجعله في طاعة جعله في طاعة، وإن شاء الله عز وجل أن يجعله في معصية فكان في معصية. فالشيخ رحمه الله تعالى يقول: «ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره أو في ارتكاب مناهيه وترك أوامره»، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، فقال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. فالله عز وجل أرسل الرسل وأنزل الكتب وأقام الحجة على العباد، لأن لا يكون للناس على الله حجة، لا يأتي الإنسان يوم القيامة يقول: ما بلغني وما جاءني من نذير، بل قد جاءهم النذر، وجاءهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبيّن لهم البيانة التامة. والله عز وجل لا يأمر إلا المستطيع، الله عز وجل يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فاتقوا الله ما استطعتم. وهكذا فهذه الأدلة تدل على أن الله عز وجل لا يكلف إلا المستطيع، لا يكلف الإنسان إلا ما استطاعته. فالله عز وجل أنزل الشرائع، والشرائع أوامر ونواهي، فوجب على كل مسلم أن يمتثل أوامر الله عز وجل بفعلها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وباجتناب نواهيه فيجتنبها مطلقا. وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أمرتكم به من شيء فأتوا منه ما استطعتم»، يدل على أن الإنسان له استطاعة وقدرة على فعل الطاعات، ويستطيع أن يفعل تلك الأوامر. قال: وما نهيتكم عنه فانتهوا، أيضا هذا فيه دلالة على أن الإنسان له قدرة على منع نفسه من فعل المحرمات، للإنسان قدرة وإرادة على فعل الطاعات أو على ترك المنهيات. والسبب الأعظم في هذه المسألة أن هؤلاء لم يفهموا من قضاء الله وقدره وإرادته سبحانه وتعالى إلا المشيئة أو الإرادة الكونية، لم يقسم هؤلاء أي الطائفتين، الطائفتين جعلوا الإرادة كلها إرادة واحدة. فالقدرية قالوا: إن الإرادة أو القدرة هو ما أراده الله عز وجل، ما أحبه الله عز وجل فهو داخل في إرادته ومشيئته، وما لم يحبه الله عز وجل فليس داخلا في إرادته ولا مشيئته. والطائفة الأخرى الجبرية قالوا: إن كل شيء يقع من الإنسان فهو محبوب إلى الله عز وجل، كل ما يفعل الإنسان فهو محبوب إلى الله عز وجل، قالوا: لأنه لا يقع شيء في هذا الأرض وفي هذا الكون إلا بمشيئة الله عز وجل وإرادته، وما كان بإرادة الله عز وجل ومشيئته فهو محبوب إلى الله. فالطائفتان خلطوا في هذا الباب، ما فهموا من الإرادة إلا الإرادة التي يحبها الله عز وجل. فالقدرية قالوا: ما وقع من العباد مما لا يكون محبوبا لا يكون بإرادة الله عز وجل، فكفر الكافر، وعصيان العاصي، وما شابه ذلك، يكون بمشيئة المخلوق وإرادته، وليس بمشيئة الله ولا إرادته. وفي المقابل الجبرية قالوا: ما فعله هذا العاصي أو ذاك الطائع من المعاصي أو من الطاعات فهي محبوبة إلى الله، المحبوب معروف، محبوب الطاعات، لكن المعاصي يقولون: ما دام وقعت بمشيئة الله عز وجل فهي محبوبة إلى الله. فبسبب عدم ضبط هذا الباب وقع هؤلاء فيما وقعوا فيه. وأهل السنة والجماعة كما ذكرنا ومر معنا أنهم يقسمون الإرادة إلى قسمين: إرادة شرعية يحبها الله وقد تقع وقد لا تقع، وإرادة كونية قد يحبها الله وقد لا يحبها، وهي لابد أن تكون واقعة. فطاعة المطيع محبوبة إلى الله، فهي داخل في إرادة ماذا؟ الشرعية. وما دام أنه مطيع، فهو كذلك داخل في إرادة ماذا؟ الكونية. ومعصية العاصي داخل في الإرادة الكونية، ولا يدخل في الإرادة الشرعية. فأهل السنة والجماعة يقولون: الله عز وجل أراد من الإنسان الطاعات، الإرادة ها هنا ما هي؟ شرعية. فإذا فعلها الإنسان كانت إرادة ماذا؟ شرعية وكونية. والله عز وجل أمرنا بإقامة الصلاة، إذا أقمنا الصلاة، صارت الإرادة ها هنا شرعية وكونية. والله عز وجل يبغض الكفر والفسوق والعصيان، فمن ارتكب الفسوق والكفر والعصيان، فهذه الإرادة وقعت بإرادة الله عز وجل، هذا الكفر منه بإرادة الله عز وجل، أي الإرادتين؟ الكونية. لأن الكونية قد يحبها وقد لا يحبها. فالمعاصي التي وقعها العباد ووقعت للعباد هي داخلة تحت مشيئة الله عز وجل وتحت قدرته وإرادته الكونية. والطاعات التي فعلها العباد داخلة في الإرادتين، والتي لم يفعلها العباد فهي داخلة في الإرادة الشرعية. فالحاصل من هذا أنه لا يجوز لأحد أن يفعل المعاصي، ثم إذا قيل له: ما لك يا فلان فعلت المعاصي؟ قال: لو شاء الله ما فعلتها، فيحتج بالقضاء والقدر على فعل المعاصي. لذا يذكرون عن بعضهم أن حصلت مناظرة بين جبريين وبين سنيين، فقال السنيون للجبريين: لماذا أنت منهمك في المعاصي ولا تطيع الله عز وجل؟ فقال ذاك الجبري لهذا السني: قال لو شاء الله عز وجل أن يجعلني طائعا لجعله طائعا، ولكن شاء الله عز وجل أن أكون عاصيا، فأنا الآن عاص لأن الله عز وجل شاء مني ذلك. ماذا عمل السني؟ السني لطمة قاله: ما لك؟ قال: شاء الله عز وجل مني أن ألطمك، ولو شاء الله عز وجل أن لا ألطمك لم ألطمك، فتحرأ فماذا؟ يعني تغيظ ذلك الجبري، وعلم في نفسه مراد السني من هذا الفعل: أن مسألة الطاعات والأفعال هي بقدرة الإنسان، وأن الإنسان قادر على الفعل، فهو قادر على فعل الطاعات وقادر على اجتناب النواهي، فله إرادة وله قدرة. والفرق كذلك من الفروق بين الطائفتين بين القدرية والجبرية: أن القدرية نفوا وسلبوا عن الله عز وجل القدرة والمشيئة على العباد، أن القدرية سلبوا عن الله عز وجل القدرة والمشيئة على العباد، فيقولون: ليس لله عز وجل قدرة ولا مشيئة في العباد. وفي المقابل الجبرية غالت في إثبات المشيئة لله عز وجل وسلبها عن المخلوق، فقالوا: لله عز وجل مشيئة ولله عز وجل قدرة ولله عز وجل إرادة، وأما المخلوق فليس له إرادة ولا مشيئة ولا قدرة، وإنما هو كالشجرة في مهب الريح، أو كالريشة في مهب الريح. فهؤلاء كما سمعتم على طرفي نقيض، طائفة تغلو في إثبات القدرة والإرادة للمخلوق وتسلبها عن الله عز وجل، والطائفة الأخرى تغلو في إثبات القدرة والمشيئة والإرادة للخالق سبحانه وتعالى وتسلبها عن المخلوق، وكل الطائفتين على طرفي نقيض، وكلهما غلو في شيء وفرط في شيء آخر. والحق كما تكرر معنا كأوسط بين الغالي والجافي، كالجبل أو كالوادي بين جبلين، بين جبل الإفراط وجبل التفريط. فالحق في هذه المسألة الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن لله عز وجل إرادة ومشيئة وقدرة لا يخرج عنها العباد أبدا، وأيضا للعباد إرادة وقدرة ومشيئة، والله عز وجل كلف العباد بحسب تلك القدرة والمشيئة والإرادة والاستطاعة التي جعلها في ذلك العبد. قال رحمه الله تعالى: «ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك». قوله: «ونعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك»، كما تقدّم معنى من أن الله عز وجل ججعل في المخلوق إرادة واستطاعة، وكلفه على ضوء هذه الإرادة والاستطاعة بالأعمال وبالشرائع. قال رحمه الله تعالى: «وأنه لم يجبر أحدا على معصية، ولا اضطره إلى ترك طاعة». هذا واضح، الله عز وجل لم يجبر أحدا على معصية، أي أن يفعل المعاصي، ولا اضطره إلى ترك ماذا؟ إلى ترك طاعة. قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فالقول بأن الله عز وجل اضطره إلى ترك طاعة أو إلى ارتكاب محرم، هذا مخالف لقول الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ومخالف لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾. ففي الآية دلالة واضحة على أن الإنسان له كسب، وأن الله عز وجل لا يظلم أحدا. فكما تكرر وتقرر: أن الله عز وجل جعل في المخلوق إرادة واستطاعة وقدرة، وكلفه بحسب تلك الإرادة والقدرة والاستطاعة، فأمره بأوامر، وأمره أن يأتي من تلك الأوامر بما استطاع، ونهاه سبحانه وتعالى بنواه، وأمره باجتناب تلك النواهي. قال رحمه الله تعالى: «وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾، فدل على أن العبد فعلا وكسبا يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره». قوله رحمه الله: «فدل»، أي في الآية: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾. قال: «فدل على أن العبد فعلا وكسبا يجزى على حسنه بالثواب»، أي إن امتثل وعمل الصالحات، الله عز وجل شكور، والله عز وجل ثواب، سبحانه وتعالى يجزيه بأحسن ما عمل وزيادة. «وعلى سيئه بالعقاب»، وإذا عمل سيئات، لا سيئة مثل كفر وما شابه ذلك، فيعاقب، فإنه يعاقب، وإن فعل المعاصي التي تحت مشيئة الله عز وجل يكون معرضا لعقوبة الله عز وجل. قال: «وهو واقع بقضاء الله وقدره»، أي ما حصل من الطاعات أو ما حصل من المعاصي، فهو واقع بقضاء الله وقدره، لا يخرج عن أن يكون داخلا في قضاء الله وقدره. فإن الله عز وجل قد علم ما العبد فاعل قبل أن يخلقه بآلاف السنين، وكتب ذلك، وشاء ذلك، وخلق ذلك، أي وخلق ذلك الفعل من العبد، ففعل. فالعبد مخلوق لله عز وجل، وفعله كذلك مخلوق لله عز وجل، وما فعله كذلك من خير أو شر فهو كذلك داخل في خلق الله عز وجل. فالكل مخلوق لله عز وجل، الإنسان وعمله، كما قال الله عز وجل عن إبراهيم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، فالله خلقنا وخلق أعمالنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على