الدرس في شرح القواعد المثلى 31، ألقاها
يشرح المقطع حديثًا نبويًا يروي عن الله تعالى ويبين دلالته على صفات الله الفعلية مثل التقرب والإتيان. يؤكد على إثبات هذه الصفات لله عز وجل على الوجه اللائق به.
يفسر المقطع حديث النزول وأثبت دنو الله من عباده وتقربه إليهم دون تكييف أو تمثيل. يؤكد على مذهب السلف في إثبات قيام الأفعال الاختيارية بنفسه.
يتناول المقطع تفسير آية الأنعام ويثبت أن الله عز وجل يملك صفات مثل الإتيان والتقرب. يشرح إضافة العمل إلى اليد في اللغة العربية ويرفض تفسير خلق الأنعام بيده مباشرة.
يشرح المقطع الفرق بين إضافة اليد إلى النفس وعدها بالباء في الآيات القرآنية. يبين أهمية التنبه للفروق بين المتشابهات في العلم ويشير إلى دلالة ذلك على الملاصق أو المباشر للخلق.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، قال رحمه الله تعالى: المثال الثاني عشر قوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن الله تعالى: أنه قال: «من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة». قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا الحديث صحيح، رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وروي نحوه من حديث أبي هريرة أيضًا، وكذا روى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب التوحيد، الباب الخامس عشر. قال: وهذا الحديث كغيره من النصوص الدالة على قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى، وأنه سبحانه فعال لما يريد، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر». وهذا متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. وقوله: «ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذ الرحمن بيمينه». وهذا أيضًا متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال: إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على قيام الأفعال الاختيارية به تعالى. قال رحمه الله تعالى: فقوله في هذا الحديث «تقربت منه» و«أتيته هرولة» من هذا الباب، أي فيه إثبات صفة التقرب وهي من الصفات الفعلية. في قوله: «من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا» إثبات صفة التقرب من الله عز وجل، وهي من الصفات الفعلية اللائق بالله عز وجل، فتثبت كبقية الصفات الفعلية على الوجه اللائق بالله عز وجل مع صيانتها عن التعطيل والتمثيل. قال رحمه الله تعالى: ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة. وقوله: «أتيته هرولة» أيضًا في إثبات صفة الإتيان لله عز وجل. فهذه من الصفات الثابتة لله عز وجل على الوجه اللائق بالله عز وجل إثباتًا من غير تمثيل وتنزيهًا من غير تعطيل، وهي من صفات الفعل. قال رحمه الله تعالى: والسلف وأهل السنة والجماعة يجرون هذه النصوص على ظاهرها وحقيقة معناها اللائق بالله عز وجل من غير تكيف ولا تمثيل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول مما جمعه في الفتاوى: وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستوائه على العرش. وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة أهل الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر. قال: فأي مانع يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه؟ وأي مانع يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييف ولا تمثيل؟ لا مانع من هذا لا عقلًا ولا شرعًا، بل الشرع يدل على هذا، والعقل لا يمنعه. العقل الصريح لا يمنعه ولا يعارض النقل الصحيح. قال رحمه الله تعالى: وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالًا لما يريد على الوجه الذي به يليق؟ نعم، الجواب أن هذا من كمال الله عز وجل. فالله عز وجل يفعل ما يريد، بخلاف المخلوق، ليس عنده القدرة أن يفعل كل ما يريد، بل يفعل ما يريد إن أراد الله عز وجل. وقد يريد شيئًا ولا يريده الله عز وجل، أي لا يشاءه الله عز وجل، فلا يكون إلا ما شاء الله. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. قال رحمه الله تعالى: وذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى في هذا الحديث القدسي «أتيته هرولة» يراد به سرعة قبول الله تعالى وإقباله على عبده المتقرب إليه، المتوجه بقلبه وجوارحه، وأن مجازاة الله العامل له أكمل من عمل العامل. وعلل ما ذهب إليه بأن الله تعالى قال: «ومن أتاني يمشي»، ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله عز وجل الطالب للوصول إليه لا يتقرب ويطلب الوصول إلى الله تعالى بالمشي فقط، بل تارة يكون بالمشي كالسير إلى المساجد ومشاعر الحج والجهات في سبيل الله ونحوها، وتارة بالركوع والسجود ونحوهما. قال: وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية لم يكن تفسيره به خروجا به عن ظاهره ولا تأويلًا كتأويل المعطلة، فلا يكون حجة لهم على السنة. ولله الحمد. قال: وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر، لكن القول الأول أظهر وأسلم وأليق بمذهب السلف. ويجاب عما جعله قرينة من كون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه لا يختص بالمشي بأن الحديث خرج مخرج المثال للحصر. قال: فيكون المعنى من أتاني في عبادة مثل المشي إليّ تقربًا إليّ بالمشي تقربت إليه وهكذا، فيكون من باب المثال. الحديث خرج مخرج المثال لا مخرج الحصر. قال: حاصل هذا الكلام أن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذا المثال مما اعترض به على أهل السنة والجماعة من أنهم يقعون في التأويل. والجواب أن أهل السنة والجماعة يثبتون هذه النصوص على ظاهرها، فيقولون: نثبت لله عز وجل صفة الإتيان ونثبت لله عز وجل صفة التقرب على الوجه اللائق بالله عز وجل إثباتًا من غير تمثيل وتنزيهًا من غير تعطيل. قال رحمه الله تعالى: مثال الثالث عشر قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾. الشبهة من أهل التأويل في هذه الآية يقولون: يا أهل السنة والجماعة، الله عز وجل يقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، تقولون إن الله عز وجل لم يخلق هذه الأنعام بيده مباشرة وحقيقة. قال الشيخ رحمه الله تعالى: والجواب أن يقال: ما هو ظاهر هذه الآية وحقيقتها؟ هل يقال إنها صرفت عن ظاهرها؟ هل يقال إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام بيده كما خلق آدم بيده؟ أو يقال إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها، لم يخلقها بيده؟ لكن إضافة العمل إلى اليد والمراد صاحبها معروف في اللغة العربية التي نزل بها القرآن. قال: أما القول الأول فليس هو الظاهر، لفظ لوجهين: أحدهما أن اللفظ لا يقتضيه بمقتضى اللغة العربية الذي نزل القرآن به. ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. فإن المراد ما كسبه الإنسان نفسه وما قدمه وإن عمله بغير يده، بخلاف ما إذا قال: «عملته بيدي». قال: الثاني: أنه لو كان مراد أن الله تعالى خلق هذه الأنعام بيده لكان لفظ الآية «خلقنا لهم بأيدينا أنعامًا». وفرق بين الآية الأولى وهذه الآية. فرق بين أن يقال: «مما عملت أيدينا» وبين القول: «خلقنا لهم بأيدينا». فرق بين أن تقول: «عملنا بأيدينا» و«عملناه بما عملته أيدينا». قال الشيخ رحمه الله تعالى: كما قال تعالى في آدم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَ بِيَدِي﴾. قال: لأن القرآن نزل بالبيان لا بالتعمية، لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. وأيضًا إذا كانت هذه الأنعام خلقت أو خلقها الله عز وجل وباشر خلقها بيده سبحانه وتعالى، ما كان هناك مزية لآدم عليه السلام. لما كان هناك مزية لآدم عليه السلام، ولكان مثل الأنعام التي خلقها الله عز وجل بيده مباشرة. قال: وإذا ظهر بطلان القول الأول تعين أن يكون الصواب هو القول الثاني، وهو أن ظاهر اللفظ أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها، ولم يخلقها بيده، لكن إضافة العمل إلى اليد كإضافته إلى النفس. كإضافته إلى العمل. إضافة العمل إلى اليد كإضافة إلى النفس في قول سبحانه وتعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. فكأنه قال: «بما عملت أنفسنا» أو «بما عملناه». قال: بخلاف ما إذا أضيف إلى النفس وعدي بالباء، كما في الآية الأخرى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فأضاف اليد إلى النفس وعداها بالباء الدال على الملاصق أو المباشر للخلق لخلق آدم عليه السلام. قال: فتنبه للفرق. فإن التنبه للفروق بين المتشابهات من أجود العلم، وبه يزول كثير من الإشكالات. وإلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.