الدرس في كتاب الصلاة 13، ألقاها
ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، وهناك اختلاف بين العلماء حول أفضل النوافل بين راتبة الفجر وصلاة الليل. استدل العلماء على فضل صلاة الليل بأدلة من القرآن.
ناقش العلماء بداية مشروعية الأذان واختلفوا في وقت شرعه، كما اختلفوا في حكمه بين كونه سنة أو فرض كفاية أو فرض عين. الراجح أنه فرض كفاية.
في البلدان الكبيرة، يجب الأذان في أكثر من موضع لضمان سماعه من جميع الناس. يكفي أذان شخص واحد إذا سمعه الجميع.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس السابق الكلام على النوافل أو الرواتب التي تكون مع الصلوات، إما قبلها وإما بعدها. وقد ذكرنا في الدرس الذي مضى أن أقلها عشر ركعات، وأكثرها اثنتا عشرة ركعة على الصحيح. قال المصنف رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر». وفي لفظ لمسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». وهذا الحديث كما ترون فيه فضل ركعتي الفجر، أي سنة الفجر، على بقية الرواتب. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، أي أحب من الدنيا وما فيها، وأعظم وأجل من الدنيا وما فيها. وهذا الأسلوب يستخدم لتعظيم الأمر الذي نقول بهذا الأمر، أي قولنا بالدنيا. وإلا فإن الدنيا كما هو معلوم لا تساوي شيئًا من العبادات، ولكن يستخدم هذا الأسلوب ليبين عظيم ذلك الشيء الذي أشير إلى عظمته، ومنها ركعتا الفجر. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، لأن يصلي الرجل ركعتي الفجر خير له من أن يكون عنده مثل ملك هذه الدنيا من أمور وأموال وقصور إلى غير ذلك. وهذا كما هو واضح بيان واضح إلى عظيم هذه الصلاة، وكذلك إلى حقارة الدنيا. واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في أي نوافل أحب مطلقًا، أو أفضل مطلقًا. فقال العلماء رحمهم الله تعالى أقوالًا، ومن أشهر هذه الأقوال أنها قولان: الأول أن راتبة الفجر هي أفضل النوافل. ويدل عليها أدلة، من هذا الحديث. وأيضًا يدل عليها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهدًا من ركعتي الفجر، كما في اللفظ الأول. وكذلك ما جاء في أحاديث كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك ركعتي الفجر لا حضرًا ولا سفرًا. فهذه الأدلة تدل على أفضلية ركعتي الفجر، وعلى أن من السنن المؤكدة التي لم يتركها النبي صلى الله عليه وسلم لا في سفر ولا في حضر. وذهب بعض أهل العلم إلى تفضيل صلاة الليل، باعتبار النوافل، أي نوافل الصلوات. واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، من هذه الأدلة أن الله عز وجل أثنى على الذين هم من أهل قيام الليل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، والله عز وجل يقول: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. والأدلة في هذا كثيرة في تفضيل صلاة الليل. وذهب بعض أهل العلم إلى التفصيل، وهو أن صلاة الفجر أو ركعتي الفجر أفضل النوافل النهارية، وأن صلاة الليل هي أفضل النوافل الليلية. وهذا أقرب، وهو التفصيل. وإن أراد الإنسان عدم التفصيل، فالظاهر والله أعلم أن صلاة الليل أقرب أو أجل في الفضل. لكن التفصيل كما قلنا هو الأولى، بأن يقال: باعتبار نوافل النهار، صلاة ركعتي الفجر هي الأفضل، وباعتبار الصلاة الليلية، صلاة الليل هي الأفضل. قال رحمه الله تعالى: «باب الأذان». الأذان لغة: الإعلام. قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. واشتقاقه من الأذن بفتحتين، وهو الاستماع. وشرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة. مسألة: متى بدأ الأذان؟ ذكر في المسألة أقوال. فذهب بعضهم أن الأذان شرعًا مع شرعية صلاة المكتوبة، أي يوم الإسراء، صبيحة يوم الإسراء. وذهب آخرون إلى أنه إنما شرع الأذان بعد الهجرة في المدينة، وهذا هو الصحيح. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: «وإنما شرع الأذان بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة». والأحاديث الصحيحة كلها تدل على ذلك. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: بعد أن ذكر جملة من الأحداث التي فيها أنه كان الأذان في مكة، قال: «والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث». وقد جزم ابن المندر بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بغير أذان. ويدل على هذا ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: «كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، يعني يؤقتون أو يعلمون يعني يقدرون وقت الصلاة، فيذهبون على التقدير الذي يقدروه». قال: «فيتحينون الصلاة، ليس ينادي لها». فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: «اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى». وقال بعضهم: «بل بوقًا مثل قرن اليهود». فقال عمر: «أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بلال، قم فأذن بالصلاة». قال الطيبي رحمه الله تعالى في شرح المشكاة: «الظاهر أنه أي النداء في حديث ابن عمر إعلام وإخبار بحضور وقتها، وليس على صفة الأذان الشرعي». أي أن أول مبدأ كان بلال يقول: «الصلاة إذا جاء وقتها»، فينادي فيقول: «الصلاة الصلاة»، ولم يكن يؤذن الأذان المعروف عندنا اليوم. حديث ابن عمر يدل على أن أول ما بدء به بعد أن جاءوا المدينة ومكثوا في المدينة، بدءوا بأن يقول القائل: «الصلاة الصلاة»، فينادي بالصلاة، ولم يكن يؤذن بالأذان المشروع الذي جاء في حديث عبد الله بن زيد. قوله: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة». قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: هكذا في معظم الروايات على البناء للمفعول. وقد اختلف الأصوليون في اقتضاء هذه الصيغة للرفع. والمختار عند محققي الطائفتين أنها تقتضيه. فعلى هذا يكون الآمر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث مسائل: الأولى: قوله: «أمر بلال». وفيه مسألة حكم الأذان. ذكر في المسألة أقوال. الأول: قول الشافعية أنها سنة لكل الصلوات في الحضر والسفر. وذهب أحمد وأصحابه إلى أنهما فرض على الكفاية، أي الأذان والإقامة. وهو وجه للشافعية، وترجيح الشيخ الإسلام وجماعة من المحققين. وذهب مالك وأصحابه إلى أنها تجب في مسجد الجماعات حيث يجتمع الناس. وذهب عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود الظاهري إلى أن الأذان فرض، ولم يقولوا على الكفاية. واختلفوا أي أصحاب هؤلاء القول: هل من ترك الأذان عامدًا فصلاته صحيحة أم لا؟ على قولين. والراجح من هذه الأقوال ما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره: أنه فرض على الكفاية. والظاهر والتحقيق في المسألة أن هذا القول: أنه فرض على الكفاية ليس فيه خلاف. وإنما الخلاف: هل هو واجب على الأعيان أم ليس بواجب على الأعيان؟ فمنهم من قال: واجب على الأعيان، كما هو مذهب أصحاب القول الرابع. ومنهم من قال: لا يجب، كما قال به أصحاب القول الأول. فأصحاب القول الأول وأصحاب القول الرابع الخلاف بينهم ليس في الأذان من حيث هو، باعتبار البلدة، ولكن الخلاف بينهم باعتبار الأعيان. فمنهم من قال: يجب، ومنهم من قال: لا يجب، بل هو سنة مستحبة. قال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى: «وذكر الطبري عن مالك قال: إن ترك أهل مصر الأذان عامدين أعادوا الصلاة». قال ابن عبدالبر: «ولا أعلم خلافًا في وجوب الأذان جملة على أهل الأمصار». فهذا يدل على أنه فرض على الكفاية بلا خلاف. قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: «قال أصحابنا: فإن قلنا فرض كفاية، فأقل ما يتأدى به الفرض أن ينتشر الأذان في جميع أهل ذلك المكان». فإن كانت قرية صغيرة بحيث إذا أذن واحد سمعوا كلهم، سقط الفرض بواحد. وإن كان بلدًا كبيرًا وجب أن يؤذن في كل موضع واحد، حتى ينتشر الأذان في جميعهم. فإن أذن واحد فحسن، سقط الحرج عن الناحية التي سمعوه دون غيرهم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.