الدرس في كتاب الصلاة 14، ألقاها
تناول المقطع آراء أهل العلم حول عدد التكبيرات في بداية الأذان ومشروعية الترجيع، حيث اختلفوا بين أربعة تكبيرات وتكبيرتين، وبين جواز الترجيع وعدمه.
ناقش المقطع آراء الفقهاء حول الترجيع في الأذان والتثويب في أذان الفجر، واختلافهم في صفة الإقامة، حيث اتفقوا على مشروعية التثويب واختلفوا في توقيته.
شرح المقطع آراء الفقهاء حول إفراد أو تثنية ألفاظ الإقامة واستدلالهم بالأحاديث، كما وصف أذان بلال وإقامته للصلاة في حضرة النبي أثناء سفره.
عبر المقطع عن خاتمة تحتوي على عبارات تسبيح واستغفار واعتراف بالتقصير، ويشكر الله تعالى.
طيب، من المسألة التي نذكرها اليوم أيضًا المسألة الأولى في عدد التكبيرات في أول الأذان. اختلف أهل العلم في هذا على قولين، فمن أهل العلم من قال: إنها أربع تكبيرات، وهذا قول الثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. وقال طائفة أخرى: التكبير في أوله تكبيرتان، فهو قول مالك، والليث، ومسعد، وطائفة. استدل أصحاب القول الأول بأدلة، من هذه الأدلة ما جاء في حديث أبي جحيفة، حديث عبد الله بن زيد، وحديث أبي محذورة، أن المؤذن كان يقول في أذانه: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، فيربع التكبير في أوله. واستدل أصحاب القول الثاني بحديث أبي محذورة أيضًا، أنه قال: أذان الله أكبر، الله أكبر - أي مرتين - هكذا في رواية. هكذا جاء في رواية أنه ذكر التكبير في أوله مرتين، وفي رواية أخرى أنه ذكر التكبير في أوله أربعًا. وهذا هو المحفوظ في حديثه أنه ذكر التكبير أربعًا. والصحيح هو القول الأول، إلا حديثًا ثبت في هذا، حيث ثبت كما ورد عن عبد الله بن زيد في الأذان، وفي أنه علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى عليه ألفاظ الأذان، فكان يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر - أي كان يذكر التكبير في أوله أربعًا - وكذلك ما جاء في حديث أبي محذورة، وأنه صواب فيه أنه ذكر التكبير أربعًا. وفي الباب أحاديث أخرى، لا يخلو شيء منها من أخذ ورد وكلام، فالحاصل: هذا هو الراجح في هذه المسألة. فإذا كان التكبير أربعًا في أول الأذان، فعلى هذا تكون عدد كلمات الأذان تسع عشرة كلمة. وقد جاء هذا النص مصرحًا في حديث أبي محذورة الذي أخرجه الخمسة - أي الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة - عن أبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فيكون على التكبير - قلنا - أربعة، تسع عشرة كلمة. نعدهم يا جماعة: الله أكبر، الله أكبر، كم هذه كلمات؟ أربع. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، كم هذه؟ ست. أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، كم تكون؟ ثمان. حي على الصلاة، كم هذه؟ حي على الفلاح، كم هذه؟ الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، كم هي؟ ستكون خمسة عشر، يعني كيف؟ نعم، يعني تسع عشرة مع الترجيع، تسع عشرة مع الترجيع، من غير ترجيع تكون خمسة عشر. ما هو الترجيع؟ سيأتي معنا كلام في المسألة الثانية. فيكون على هذا التكبير في الأذان تسع عشرة كلمة مع الترجيع، وبغير ترجيع خمسة عشر كلمة. مسألة أخرى في الترجيع في الأذان، أي: هل يشرع الترجيع في الأذان؟ ومعنى الترجيع هو التكرار، تكرار الشهادتين بأن يقولهما أولًا سرًا، ثم يعيدهما جهرًا. أي: يقول في أذانه: الله أكبر بصوت مرتفع، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر بصوت مرتفع، ثم يسر: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يجهر: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. هذا يسمى ترجيعًا، أنك رجعت ماذا؟ أتشهد مرة سرًا ومرة أخرى جهرًا أو جهرًا واضح هذا الأمر أم لا؟ فما حكم هذا الترجيع؟ اختلف أهل العلم كذلك في الترجيع، أي في مشروعية الترجيع. فذهب المالكية، وذهب الشافعي إلى استحباب الترجيع. واختلف أصحاب الشافعي: هل هو ركن في الأذان فيصح بدونه، أو هو سنة فيصح بدونه؟ وهذا إلى آخر الأمر أم لا؟ اتفقوا عليه، اختلفوا. وذهب الكوفيون، وذهب الكوفيون إلى ترك الترجيع، سفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول الأوزاعي. ذهب هؤلاء إلى ترك الترجيع، أي: لا يقال الترجيع في الأذان. وذهبوا إلى جواز الأمرين، وذهبوا إلى جواز الأمرين، أي: يجوز الترجيع، ويجوز عدمه. وهذا هو الراجح، وهذا هو الراجح للأدلة الدالة على هذا، كما في حديث عبد الله، كما في حديث أبي محذورة، حيث علمه النبي صلى الله عليه وسلم الترجيع، أن يتشهد سرًا أولًا، يأتي بشهادتين سرًا، ثم يجهر بهما. فهذا يدل على مشروعية الترجيع. وجاء في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، والذي هو أذان بلال، وأن بلالًا كان يؤذن به إلى أن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يؤذن من غير ترجيع، أنه كان يؤذن من غير ترجيع. وهذا يدل على جواز الأمرين. وأيهما أفضل؟ وأيهما أفضل: الترجيع أم عدم الترجيع؟ ذهب الإمام أحمد، وإسحاق إلى أن عدم الترجيع أفضل، قال: لأنه الذي كان عليه أذان بلال في المدينة في حال حياة النبي صلى الله عليه وسلم، والتمر على ذلك إلى أن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرجع ولو مرة، فهذا فيه دلالة على أفضليته. وذهب الجوزجاني إلى ترجيح الترجيع، وأنه أفضل، وعلل ذلك بأنه: بأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أبا محذورة حينما فتح مكة، علم أبا محذورة الأذان، وعلمه الترجيع، قال: وهذا كان آخر شيء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يدل على أفضليته. وكما سمعتم في المسألة: أن الأمر جائز، سواء رجع أم لا. وأيهما أفضل؟ الظاهر والله أعلم ما ذهب إليه الإمام أحمد: إلى أن عدم الترجيع هو الأفضل؛ لأنه كان السائد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن بلالًا كان يؤذن من غير ترجيع، وكذلك لم يثبت عن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة أنهم كانوا يؤذنون بترجيع، فهذا يدل على مشروعية الترجيع، وعلى أن عدم الترجيع هو الأفضل، والله أعلى وأعلم. قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: أليس أذان أبي محذورة بعد أذان بلال؟ لأن أذان بلال كان في أول الأمر في المدينة. قال: بل لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أقر بلالًا على أذانه، أقر بلالًا على ماذا؟ على أذانه. وهذا يدل على أفضليته من هذه الحيثية، والله أعلى وأعلم. مسألة أخرى: ما هي آخر كلمة في الأذان؟ والجواب عن هذا: أن آخر كلمة من الأذان أن يقول المؤذن: لا إله إلا الله. وقد جاء في أحاديث لا تثبت أن بلالًا وأبا محذورة كانوا يؤخرون: الله أكبر بعد لا إله إلا الله، وهو كما سمعتم لا يثبت. مسألة أخرى: لأن العمدة - كما ترون - ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أحاديث مختصرة، وحيث الأذان أكثر، وآخر صحيحين في ذكر: الصلاة خير من النوم في أذان الفجر، وهو التثويب. أي: هل يشرع التثويب؟ وهو قول مؤذن: الصلاة خير من النوم في أذان الفجر. قال الإمام ابن القطان الفاسي رحمه الله تعالى في كتابه في الإجماع: إذا قال مؤذن: حي على الفلاح، فليقل: الصلاة خير من النوم، ولا يفعل ذلك إلا في الفجر وحدها، باتفاق أهل المسجدين. وقال: وإنما سمي هذا القول تثويبًا؛ لأنه دعاء ثاني إلى الصلاة؛ لأنه دعاء ثاني إلى الصلاة: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ثم يقول: الصلاة خير من النوم، دعاء ثاني لماذا؟ إلى الصلاة. والقول بالتسويب هو قول جماهير أهل العلم، أي: في الأذان في أذان الفجر. وقال أبو حنيفة: التسويب بين الأذان والإقامة في الفجر، أن يقول: حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين. هكذا فسر أبو حنيفة التسويب. وهذا القول ليس بصواب. مسألة أخرى متعلقة بالتسويب: هل التسويب في الأذان الأول للفجر أم هو في الأذان الثاني؟ خلاف بين أهل العلم. فمنهم من ذهب إلى أنه في الأذان الثاني، ومنهم من ذهب إلى أنه في الأذان الثاني، وهو قول في مذهب الشافعي. وهو قول في مذهب الشافعي: قول بالأول بأنه في الأذان الأول، وقول آخر بأنه في الأذان الثاني. ورجح أنه في الأذان الثاني جماعة من المحققين من المعاصرين، كالعلامة الصنعاني، وكذلك العلامة الألباني، وكذلك العلامة الوادعي - رحم الله الجميع - ورجح كذلك القول بأنه في الأذان الأول. قلنا: ماذا رجح في القول؟ أنه في الأذان الأول. هؤلاء رجحوا أنه في الأذان الأول، هؤلاء في الثاني. ألا في الأول؟ هؤلاء رجحوا أنه في الأذان الأول للفجر. وذهب أو رجح أنه في الأذان الثاني الذي هو بعد دخول الفجر العلامة العثيمين. والظاهر والله أعلم: أنه في الأمر سعة، ولكن ينبغي أن يعود الناس على ذلك الأذان، بمعنى أنه إذا كان يؤذن أو يتوفر في الأذان الأول في مسجد، فيستمر على هذا حتى لا يختلط على الناس الأذان الأول، الأذان الثاني، والعكس بالعكس، حتى لا يحصل للناس اضطراب: هل ذاك الأذان هو الأذان الأول أم هو الأذان الثاني؟ مسألة أخرى: فذلك متعلق بشيء آخر، ولن يأتي ذكرها في كتاب العمدة، نذكرها لأهميتها. في صفة الإقامة، اختلف العلماء في صفة الإقامة على أقوال. أحدها: أن تفرَد سوى التكبير، فإنه مرتين في أولها وآخرها. وهذا قول مالك، والليث، والشافعي في القديم، وهو قول كذلك طائفة من السلف. والقول الثاني: أنه تفرد الإقامة سوى التكبير، وكلمة الإقامة، فإنها تُسَنى. وهو مشهور من مذهب الشافعي، وقول أحمد، وإسحاق، وكذا يقول طائفة من أهل العلم من السلف وغيرهم. وقول ثالث: أن الإقامة مثل الأذان مثنى مثنى، لحديث أبي محذورة. وهذا قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، أيضًا في طائفة. وهنا قول رابع: أنه يجوز سكن الإقامة وإفرادها، والإفراد أفضل. وهو قول أيضًا أحمد، وإسحاق، وتُود الظاهر، وجماعة من فقهاء الحديث. لورود الحديث بذلك كله. وهذا هو الراجح. لأن الأحاديث جاءت بهذا، وهذا، فيقوم من باب تنوع العبادات. أي: لو أن يفرد، يقول: الله أكبر، الله أكبر، ويبقى على التثنية. ولو أن يفرد: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، يفرد في جميع الإقامة. ولو أن يثني، وهذا حتى الأخير أم لا؟ له أن يفرد الإقامة من أولها إلى آخرها: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله... كما هو معلوم عندنا. ولو أن يثنيها من أولها إلى آخرها: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. عن أبي جحيفة، وهب بن عبد الله السوائي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم. قوله: عن أبي جحيفة - كما قال - هو وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه وأرضاه. قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم. والقبة نوع من الخيام. قال: فخرج بلال بوضوء. أي: بماء للوضوء، بماء ليتوضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كما تقدم معنى الوضوء: بالفتح معناه الماء الذي يستعمل للتطهر، أو للوضوء. وبالضم هو ماذا؟ هو مباشرة الوضوء. ووضح هذا الأمر لا يتقدم معنى هذا المعنى. قال: فمن ناضح ونائل. معنى: أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم منهم من كان ينضح، والنضح كما دل أو مر معنا في حديث علقمة، حينما قالوا: انضح على فرجك - بمعنى: يأتي بمعنى الرش. النضح يأتي بمعنى الرقيقة. وقد يكون أبلغ من الرش قليلًا. قد يكون أبلغ من الرش قليلا - كما تقدم معنا في حديث علقمة. قال: ونائل. النائل: بمعنى يتناول من الماء، كأنه يتناول من الماء. منهم ينضح على نفسه من الماء، ومنهم من ماذا؟ ومنهم من يتناول الماء. قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء. استدل به أهل العلم على جواز لبس الأحمر، على لبس الأحمر. وهذا بقيوده: ما لم يكن فيه شيء من الشهرة، ولا شيء من المحظورات. يقول هذا: إذا لم يكن فيه شيء من المحاذير. لهذا الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد لبسه. قوله: حتى كأني أنظر إلى بيض ساقيه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض. كان لون نبي صلى الله عليه وسلم أبيض صلى الله عليه وسلم. قال: فتوضأ، وأذن بلال. أي: فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الإناء، وأذن بلال. أذن بلال للصلاة. وهو الشاهد من هذا الحديث. قال: وأذن بلال. قال: فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا. يقول: يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة، حي على الفلاح. وهو الشاهد - كما سمعتم - من الحديث: أنه جعل بلال يؤذن، فجعل يحرك رأسه يمينًا: حي على الصلاة، حي على الفلاح - يقول: يمينًا وشمالًا: حي على الصلاة، حي على الفلاح. قال: ثم ركزت له عنزة. ركزت له عنزة. والعنزة: عصًا صغيرة، عصًا صغيرة، وفيها سنان كسنان الرمح، وفيها سنان كسنان الرمح. فهي مثل الرمح، أو أكبر قليلًا. العنزة مثل الرمح، أو أكبر قليلًا. وفي رأسها سنان: أي كالحربة من الحديد؛ ليستخدمها المقاتل للطعن. قال: ثم ركزت له عنزة، فتقدم، وصل الظهر والعصر ركعتين. وهذا فيه: أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في سفر. وأن المسافر إذا كان في سفر، فإنه يصلي ركعتين ركعتين، إلا صلاة المغرب، فإنه يصليها ثلاثًا. قوله: فتقدم، وصل الظهر والعصر ركعتين. وهذا فيه: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، أي: الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء. وهنا جاء: أنه قال: وصل الظهر والعصر ركعتين - أي: ركعتين ركعتين. قال: ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة. أي: لم يزل يصلي ركعتين في سفره: صلاة الفجر، الظهر، العصر، العشاء. وأما المغرب، فإنه يصليها ثلاثًا، كما دلت على ذلك أحاديث كثيرة من أحاديث عائشة: أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في السفر ركعتين ركعتين، فأقرت في الحضر، وبقيت على ما هي عليه. ماذا في السفر؟ وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفره يصلي المغرب ثلاثًا، كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة من السنة. ونكفي بهذا في هذا اليوم، وإلى غد إن شاء الله تعالى نتكلم على بقية المسائل. والله أعلم، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا.