حلية طالب العلم 63

الدرس في حلية طالب العلم 63، ألقاها

أهمية الاستراحة لطلبة العلم

يناقش أهمية أخذ قسط من الراحة لطلبة العلم لتجديد النشاط والتحصيل، ويقترح طرقًا لذلك مثل القراءة في كتب الزهد والتراجم أو التنزه في الأماكن المباحة. يلقي الضوء على ضرورة الموازنة بين الجد والراحة في حياة طلبة العلم.

إجمام القلوب واستعادة النشاط

يشرح أن القلوب تمل وتضعف كما الأبدان، لذا يحتاج الإنسان إلى أوقات يستعيد فيها نشاطه، ويمكن أن يستعين ببعض المباحات على الطاعة بنية حسنة. يرفع من درجة العمل المباح إلى المستحب عند نية التقوي على الطاعة.

الراحة والاستجمام في العبادة

يشرح أهمية الراحة والاستجمام في العبادة، حيث نهى الله عن الصلاة في بعض الأوقات ليتقوى الإنسان على العبادة بعد الراحة. يذكر مثال معاذ بن جبل الذي كان يحتسب نومته للتقوي على طاعة الله.

مصادر تاريخية وتربوية

يذكر بعض الكتب التي تتناول آداب التعليم والسير، مثل آداب المعلمين لسحنون والرسالة المفصلة للقابسي. يشير أيضًا إلى كتب أخرى مثل الشقائق النعمانية وأبجد العلوم وليس الصبح بقريب للطاهر بن عاشور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى، وهو في صدد ذكر ما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم من السمات والصفات والخصال في حياته العلمية: «إجمام النفس». ومعنى إجمام النفس أن يأخذ الطالب وقتاً للاستراحة والاستعادة قواه ونشاطه؛ من أجل أن يستعد من جديد في التحصيل؛ لأن عادة النفس إذا كلفت بأعمال مستمرة ومتواصلة بأنها تمل وتنفر. ولأجل هذا المعنى كان مما ينبغي أن يتحلى به الطالب، وأن ينتبه له، هو أن يأخذ قسطاً من الوقت للاسترواح؛ إما بأخذ رقدة يسيرة، أو بقراءة في بعض الكتب من كتب الزهد والمواعظ، ومن الكتب التي تعين على علو الهمة، أو مثلاً يخرج في بعض الأماكن المباحة للتنزه، وما شابه ذلك؛ من أجل أن تستروح النفس، ثم يعود مرة أخرى إلى عمله نشيطاً قوياً. قال رحمه الله تعالى: «خذ من وقتك سويعات تجم بها نفسك في رياض العلم، من كتب المحاضرات» -بين قوسين- «الثقافة العامة؛ فإن القلوب يروح عنها ساعة فساعة». وهذا قد يجده الإنسان إذا كان مستمراً في طلب العلم، وكذلك في استغلال وقته. لذا ذكر الشيخ هذا الأمر بعد المسألة التي مرت معنا، وهي المحافظة على الوقت. فكأن الشيخ رحمه الله تعالى يقول لك: حافظ على وقتك، ولكن اجعل لك وقتاً يكون فيه هذا المعنى؛ أي أن تستجم فيه النفس بأن تستروح، وأن تتنشط في شيء من الأمور؛ إما كما ذكر بقراءة بعض كتب الزهد، أو بعض كتب التراجم؛ تراجم العلماء، تراجم السلف من الصحابة، من التابعين، من تابعيهم، من الأئمة؛ كيف كانوا، وكيف كانت حياتهم، وماذا قدموا لله جل وعلا ولدينه، وكيف كان حالهم مع أنفسهم أولاً، وكيف كان حالهم مع ربهم جل وعلا، وكيف كان حالهم كذلك مع أهليهم، مع أصحابهم، واصدقائهم، مع مشائخهم، مع تلاميذهم؛ كيف كان حال هؤلاء؟ وهذه الأمور تعطي الطالب -كما ذكر- ثقافة، وفي الوقت نفسه تعطيه نوعاً من الاسترواح؛ يكون بعد ذلك سبباً لنشاطه من جديد، وإقباله من جديد في طلب العلم والتحصيل. قال رحمه الله: «وفي المأثور عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: أجموا هذه القلوب، وابتغوا لها طرائف الحكمة؛ فإنها تمل كما تمل الأبدان». القلوب تمل، يحصل لها الملل، يحصل لها الكسل؛ فكما تمل الأبدان -البدن إذا أتعبته مل وضعه- كذلك القلب إذا أتعبته مل وضعف؛ ضعفاً عن التحصيل، وضعفاً عن الإقبال على العلم، وكذا الإقبال على العبادة، وكذا الإقبال على الخير. فمما يعين القلوب، وكذا الأبدان، على الاستمرار والمواصلة في الخير، وفي التحصيل، هو هذا الأمر؛ أن تكون للطالب بعض الأوقات يستعين بها على إعادة النشاط إلى نفسه؛ إما بقراءة، وإما -كما سمعتم- بذهاب إلى بعض الأماكن، وإما برياضة. أشياء كثيرة من المباحث تعين على هذا الأمر؛ بل بعض أهل العلم كان يقول في كلام معناه: ربما استعان ببعض اللهو على الطاعة. ومعنى كلامهم -كما جاء مفسراً عنهم- أنه ربما ذهب ينظر إلى الأماكن الجميلة؛ ربما ذهب ينظر إلى الأماكن الجميلة؛ أماكن فيها زهور، فيها أشجار مثمرة، فيها حدائق، وما شابه ذلك؛ لأجل ماذا يفعل هذا؟ لأجل أن يستعين على طاعة الله. الأمر مباح، ولكن النية رقت هذا المباح إلى درجة المستحب. «ربما استعين ببعض اللهو على الطاعة». وهذه نية جليلة. والعلماء رحمهم الله تعالى -كما يذكرون في هذا المقام، ونحو ذلك في باب النيات- يقولون: «مباحات العلماء عبادات العلماء إذا زاولوا المباح تكون في حقهم عبادة؛ لماذا؟ بسبب النية». فحاصل هذا -كما تقدم- أن الإنسان يستعين ببعض مباح على الطاعة، وبهذه النية ربما ارتقى ذلك العمل من الإباحة إلى الاستحباب. قال رحمه الله تعالى: «وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في حكمة النهي عن التطوع في مطلق الأوقات؛ أي في حكمة النهي عن التطوع في مطلق الأوقات؛ بمعنى أن الشارع نهى عن بعض الأوقات عن التطوع فيها. فما هي الحكمة التي لأجلها نهى الشارع عن التطوع في هذه الأوقات؟ ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى جملة من الحكم، ومنها قال: بل في النهي عنهم بعض الأوقات مصالح أخر؛ من إجمام النفوس بعض الأوقات من ثقل للعبادة؛ كما يجم بالنوم وغيره». قال: «ولهذا قال معاذ: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي». هذه من الحكم. يقول شيخ الإسلام: إن من المصالح -قال: مصالح أخر- من إجمام النفس -جمع النفس- قال: بعض الأوقات ترويح النفس؛ قال: من ثقل لي عبادة؛ أي إذا استمر الإنسان في العبادة من الصباح إلى المساء؛ جاء وقت الظهر صلى، من بعد الظهر إلى العصر، جاء بعد العصر صلى الفرض، وهكذا في صلاة مستمرة؛ ربما يحصل له نوع ملل. فكان من حكمة هذه الشريعة الكاملة المحكمة أن الله جل وعلا نهى في بعض الأوقات عن الصلاة؛ لماذا؟ لحكم جليلة وعظيمة. ومن هذا الأمر أن يكون للنفس ساعات تستجم فيها من مشقة العبادة. أي: إذا سمرت -قال: «ولهذا قال معاذ: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي»- هذا معاذ بن جبل؛ رأس من رؤوس علماء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. بل قد ذكر بعض أهل العلم أن علماء الصحابة ستة؛ أن كبار علماء الصحابة ستة؛ ثلاث من المهاجرين، وثلاث من الأنصار. فأما من المهاجرين: عمر، وعلي، وابن مسعود. وأما من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت. فالحاصل من هذا أنه من كبار علماء الصحابة. وانظر كيف كان حاله -رحمه الله تعالى ورضي الله عنه- قال: «إني لأحتسب نومتي»؛ ينام ويحتسب في تلك النومة الأجر من الله؛ لماذا؟ لأنه ينام لأجل أن يتقوى على طاعة الله، وعلى عبادة الله جل وعلا؛ فهو ينام من أجل استجمام النفس، من أجل أن يستريح، ومن أجل أن يتقوى على العبادة وعلى طاعة الله؛ فكان ذلك المباح في حقه مستحباً. فالنيات -كما سمعتم- ربما النيات ترقي المباحات إلى حد المستحبات. قال رحمه الله تعالى -أي شيخ الإسلام- قال: «بل قد قيل: إن من جملة حكمة النهي عن التطوع المطلق في بعض الأوقات؛ إجماماً النفوس في وقت النهي؛ لتنشط للصلاة؛ فإنها تنبسط إلى ما كانت ممنوعة منه، وتنشط للصلاة بعد الراحة». والله أعلم. هذا هو المقصود؛ تأخذ قسطاً من الراحة؛ من أجل ماذا؟ من أجل أن ترجع إلى العلم، وإلى العبادة، وإلى الخير، وأنت نشيط قوي؛ بخلاف ما إذا سمرت واستمريت دون راحة، دون استجمام؛ ربما حصل نوع ملل، ويعقبه بعد ذلك انقطاع؛ انقطاع عن العلم، وانقطاع عن الخير. قال رحمه الله تعالى: «ولهذا كانت العطل الأسبوعية للطلاب منتشرة منذ أمد بعيد. وكان الأغلب فيها يوم الجمعة، وعصر الخميس. وعند بعضهم يوم ثلاثاء ويوم الاثنين. وفي عيد الفطر والأضحى من يوم إلى ثلاثة أيام وهكذا». قال: «ونجد ذلك في كتب آداب التعليم، وفي السير. ومنه على سبيل المثال: آداب المعلمين لسحنون، والرسالة المفصلة للقابسي، والشقائق النعمانية، وعنه في أبجد العلوم، وكتاب ليس الصبح بقريب للطاهر بن عاشور، وفتاوى رشيد رضا، ومعجم البلدان، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية». والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على