الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 1، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول وصف الجنة ونعيمها كما ورد في القرآن والسنة، ويبرز أهمية تقوى الله للفوز بالجنة. يقرأ من نونية ابن قيم الجوزية في وصف الجنة وأعمال المتقين.
يصف حال الناس في الدنيا وارتباطهم بها، ثم ينتقل إلى الحديث عن الجنة والنار ومصير العباد، حيث أعد الله الجنة للمتقين والنار للكافرين. يؤكد أن الجنة موجودة ومفتحة الأبواب.
يتناول الرد على المعتزلة الذين يعتقدون أن الجنة والنار لم تخلقا، مستندين إلى أدلة من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة. يبرز فوائد إعداد الجنة لتشجيع العمل الصالح.
يعبر عن الرجاء في نفع الله بما سمع، ويحمد الله رب العالمين. يتضمن الدعاء والثناء على الله، ويعبر عن امتنان المتحدث بنعمة الله عليه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أفضل المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن شاء الله تعالى، في هذا الدرس نقرأ في وصف الجنة من نونية الإمام ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى. قد برع رحمه الله تعالى وأجاد في وصف الجنة، وآتاه الله جل وعلا من سهولة الألفاظ واختيار العبارات تصوير المناظر العجب العجاب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ونحن في شهر رمضان، أبواب الجنان فيه مفتحة، فنريد أن نتحدث عن الجنة وهي مفتحة الأبواب، لعل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهلها ومن دار أهل الكرامة. والله جل وعلا ذو الجود وهو المنان سبحانه وتعالى. ولا شك أن الجنة هي الغاية والمنشودة والمرجوة من عمل الصالحات ومن فعل القربات، كل ذلك لأجل الفوز بجنة الله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل هو القائل في كتابه الكريم: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض وعدت للمتقين». وقال جل وعلا: «سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض وعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم». وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم كان يحث أصحابه على الجنة، وكان يقول لهم: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». حتى أن أنس بن النظر رضي الله تعالى عنه لما سمع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض»، فقال: «يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟!». فالجنة عباد الله دار المتقين، قال جل وعلا: «إن المتقين في جنات وعيون». وقال جل وعلا: «إن المتقين في جنات ونعيم». وقال جل وعلا: «إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر». فمن أراد الجنة فعليه بتقوى الله جل وعلا، وها نحن عباد الله في شهر رمضان الذي الغاية من صيامه تحصيل هذا المقصد، ألا وهو تقوى الله جل وعلا. يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. فإذا حققت عبد الله هذه الغاية من الصيام وهي تقوى الله جل وعلا، تكون من المتقين الذين هم أهل الجنة وأصحاب تلك الدار التي أعدها الله سبحانه وتعالى لعباده المتقين. قال الإمام القيم رحمه الله تعالى: «فصل فيما أعد الله تعالى في الجنة لأولياء المتمسكين بالكتاب والسنة». ونقرأ إن شاء الله الفصل كاملا، ثم نعلق على ذلك. قال رحمه الله تعالى: يا خاطب الحور الحسان وطالبا لوصلهن بجنة الحيوان لو كنت تدري من خطبت ومن طلبت بذلت ما تحوي من الأثمان أو كنت تدري أين مسكنها جعلت السعي منك لها على الأجفان ولقد وصفت طريق مسكنها فإن رمت الوصال فلا تكن بلوان أسرع وحث السير جهدك إنما مسراك هذا ساعة لزمان فاعشق وحدث بالوصال النفس وابدله مهرها ما دمت ذا إيمان واجعل صيامك قبل لقياها ويوم الوصل يوم الفطر من رمضان واجعل نعوت جمالها الحادي وسر تلقى المخاوف وهي ذات أمان لا يلهي أنك منزل لعبت به أي دل بلا من سالف الأزمان فلقد ترحل عنه كل مسرة وتبدلت بالهم والأحزان سجن يضيق بصاحب الإيمان لا كن جنة المأوى لد الكفران سكانها أهل الجهالة والبطالة والسفاهة أنجس السكان وألذهم عيشا فجاهلهم بحق الله ثم حقائق القرآن عمرت بهم هادي الديار وأقفرت منهم ربوع العلم والإيمان قد آثروا الدنيا ولذة عيشها الفاني على الجنات والرضوان صاحبوا الأمان وابتلوا بحظوظهم ورضوا بكل مذلة وهوان كدحا وكدا لا يفتر عنهم ما فيه من غم ومن أحزان والله لو شاهدت هاتيك الصدور رأيتها كمراجل النيران ووقودها الشهوات والحسرات والآلام لا تخبو مدى الأزمان أبدانهم أجداث هاتيك النفوس اللائقة قبرت مع الأبدان أرواحهم في وحشة وجثثهم في كدحها لا في رضا الرحمن هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق النفس والشيطان لا ترضى مختاروهم لنفوسهم فقد ارتضوا بالذل والحرمان لو ساوت الجنة جناح بعوضة لم يسق منها الرب ذا الكفران لكنها والله أحقر عنده من ذا الجناح القاصر الطيران ولقد تولت بعد عن أصحابها فالسعد منها حل بالدبران لا يرتجى منها الوفاء لصبها أين الوفاء من غادر خوان طبعت على كدر فكيف ينالها صفو صفو أهذا قط في الإمكان يا عاشق الدنيا تأهب الذي قد ناله العشاق كل زمان أوما سمعت برأيت مصارع العشاق من شيب ومن شبان فالجنة قد عدت، وقد عدها الله سبحانه وتعالى، وهي الآن موجودة ومفتحة الأبواب كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. بل وكما أخبر ربنا عز وجل في كتابه الكريم. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: «وسارع إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين». وقال جل وعلا في كتابه الكريم: «أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم». وهكذا لحديث سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة في بيان أن الجنة قد عدها الله جل وعلا. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه أن الله جل وعلا قال: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، اقرأوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾». فالله جل وعلا قد أعد هذه الجنة لعباده المتقين الصالحين المحسنين، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أهل الإيمان في هذه الدنيا وأهل الإحسان لهم تلك الدار وهي جنته سبحانه وتعالى. فكم ذكر النبي عليه السلام من أعمال صالحات وأن جزاءها الجنة الشيء الكثير. فالجنة معدة أعدها الله سبحانه وتعالى. ولما خلقها الله جل وعلا أمر جبريل أن يذهب إليها، فلما رآها جبريل كما جاء في الصحيح قال: «يا رب، والله لم يسمع به أحد إلا دخلها». وخلق الله جل وعلا النار وأمر جبريل أن يذهب وينظر إليها، فقال: «أعزتك وجلالك يا رب ما سمع بها أحد إلا ذهب عنها أو فر منها». فحفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات. فالجنة موجودة وقد أعدت، خلافا للمعتزلة الذين يقولون: الجنة لم تعد بعد. فالجنة لم تخلق بعد، وهكذا النار لم تخلق بعد، وإنما يخلقها الله جل وعلا يوم القيامة. وهذا مخالف لعشرات النصوص في الكتاب والسنة، بل أكثر، ولإجماع أهل السنة والجماعة من أهل الإسلام. وسبب قولهم هذا قالوا: إن الجنة إذا كانت قد عدت فهي عبث. والعبث منزها الرب جل وعلا عنه أفعال الله جل وعلا ليس فيها عبث. فإذا كانت الجنة قد عدت فهي من العبث. ما فيها أحد، هم يقولون ما فيها أحد، ما الفائدة من إعدادها؟ إذا كانت معدة، إيش الفائدة؟ وهذا ضلال. فوائد كثيرة وحكم عظيمة من الفوائد سبق أرواح أهل الإيمان أرواح أهل الإيمان قد سبقت إلى الجنات. أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة. وهكذا النبي عليه الصلاة دخل الجنة، رأى قصرا لعمر، وعنده جارية. وسمع قراءة حارثة بن النعمان في الجنة، فقال: «ذلكم البر، وذلكم البر». كان بارا رضي الله تعالى عنه أرضاه. وهكذا كذلك رأى جعفر بن أبي طالب يطير بجناحيه في الجنة. وسمع خشخشة علي بلال رضي الله تعالى عنه في الجنة، فأخبره بما سبق إلى الجنة، فذكر بلال أنه ما توضأ وضوءا إلا صلى بذلك الوضوء ركعتين. والحديث في هذا الكثير. وهكذا النار، رأى النبي عليه وسلم فيها عمر بن الحطاب الخزاعي كما في الصحيح يجر قصبه في النار، أي جر أمعاءه في النار. وكان أول من سيب السوائب وجعل الشرك أو كان سببا في ظهور الشرك في قريش وعبادة الأوثان. وهكذا وكل ذلك فيه الرد على هؤلاء الذين ضلوا. أما الفوائد فهي كثيرة، حتى بالعقل إذا أرادوا بالعقل، وهم عقلانيون. حتى بالعقل العقل يدل على هذا. لو قلت مثلا شخص رغبك في شيء قال لك: لو فعلت كذا وكذا وكذا فهذه الجائزة موجودة. وآخر قال لك: لو فعلت كذا وكذا وكذا فلك جائزة. بعد تكون بعد، ستحضرها بعد، أو ستتوفر فيما بعد. أيهما فيه الرغبة في الحس أكثر؟ لا شك الموجود الذي قد وصف لك. إذا قيل جائزة ما تدري ما هي الجائزة أفضل مما قيل ليست موجودة بعد. ولو قيل جائزة طولها كذا وعرضها كذا... إلى آخر ذلك، هذا فيه الحث أكثر وأكثر. وهذا من فوائد إعداد هذه الجنة ليشمر أهل الجد والاجتهاد ويظنون ويجزمون يعتقدون أن الجنة موجودة مفتحة الأبواب ما بقيت إلا المسارع إليها والتنافس في تحصيلها وبذل الأعمال الصالحات. وهكذا ليست معطلة، هي ليست معطلة. ففيها الإعدادات، ففيها الإعدادات. العبد الصالح يعمل عملا فيعد له بالجنة، يعحود آخر يعد آخر. وهكذا فيها إعدادات في الجنة. فهي تهيأ شيئا فشيئا، فشيئا، فشيئا، فشيئا. لو كانت غير موجودة أين تهيأ؟ أين تهيأ هذه الخيرات في جنة الله جل وعلا؟ فلا شك أن الأدلة كثيرة في الكتاب والسنة وفي العقل تدل على وجودها. قد آن لنا أن نكتفي بهذا القدر ونواصل إن شاء الله في ذكر ما ذكر في هذه القصيدة في درس لاحق. نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا. والحمد لله رب العالمين.