الدرس في الجواب الكافي 9، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
ذكر ابن القيم أدعية نبوية من أسباب إجابة الدعاء مثل 'الحي القيوم' ودعاء ذي النون 'لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين'. هذه الأدعية لها أهمية كبيرة في الشدائد.
دعاء ذي النون 'لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين' له أهمية كبيرة في الشدائد، كما نوقشت صحة الأحاديث المتعلقة به ودعاء آخر للنبي عند الكرب.
الدعاء مناسب للمصيبة، والحمد لله كلمات تنجي من الشرور، وينبغي للمسلم حفظ الأدعية النبوية واستخدامها في الأوقات المناسبة.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان آخر كلام في الدرس الماضي فيما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بعض الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي هي من مضان إجابة الدعاء. ثم ذكر رحمه الله تعالى ما جاء في جامع الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء، وإذا اجتهد في الدعاء قال: «يا حي يا قيوم». وهذا الحديث حديث ضعيف جدًا، قد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى؛ لأن في سند الترمذي إبراهيم بن فضل المخزومي، وهو ضعيف. قال رحمه الله: وفيه أيضًا -أي عند الترمذي أيضًا- من حديث أنس بن مالك قال: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا حزبه أمر قال: يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث». وهذا الحديث حسن، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى لشواهده. وإسناد الترمذي فيه ضعف؛ لأن فيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف، لكن جاء عند الطبراني بسند حسن، وله شاهد كذلك من حديث عبد الله بن مسعود عند البيهقي في الشعب: «أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا نزل به كرب قال: يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث». وما جاء عند الطبراني حديث أنس -وهو أيضًا شاهد في هذا الباب-: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو: يا حي يا قيوم». فإذا من الأدعية التي هي من مضان إجابة الدعاء أن يدعو العبد بهذين الاسمين العظيمين: الحي القيوم، فإذا دعا يكثر من ذكر هذين الاسمين: يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، يا حي يا قيوم وفقني، يا حي يا قيوم... ويدعو. فذكر هذين الاسمين العظيمين: الحي القيوم، في بين يدي الدعاء من مضان إجابة الدعاء؛ لأن الحي القيوم جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث أنه الاسم الأعظم، كما سيأتي أيضًا فيما يذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. قالوا في مستدرك الحاكم من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة وآل عمران وطه». وقال القاسم: «فالتمستها، فإذا هي آية: الحي القيوم». وهذا الحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى بشواهده؛ لأنه قد جاء من طرق، وإلا ففي سند الحاكم القاسم -وهو أبو عبد الرحمن قاسم بن عبد الرحمن الدمشقي، صاحب أبي أمامة- صدوق يغرب كثيرًا، كما في التقريب. لكن لأن هذا الحديث جاء من طرق، فحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى بشواهده. فاسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة في آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، وآل عمران في مطلع السورة: ﴿الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، وطه في قوله تعالى: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾. فالحي القيوم اسم الله الأعظم، ولذلك إذا دعا العبد ربه جل وعلا وقدم بين يدي دعائه التوسل بهذا الاسم الأعظم الذي هو الحي القيوم، كان ذلك من مضان إجابة الدعاء. قال رحمه الله تعالى: وفي جامع الترمذي ومستدرك الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «دعوة ذي النون، دعوة ذي النون، ادعى وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. قال: إنه لم يدع به مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له». قال الترمذي: حديث صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله وغيره من أهل العلم. وهذا الدعاء أيضًا من مضان إجابة الدعاء أن يدعو العبد بهذا الدعاء العظيم الذي دعا به ذو النون -يونس عليه الصلاة والسلام- وهو في بطن الحوت. فالله جل وعلا ابتلى نبيه يونس عليه السلام بما ابتلاه به، حيث التقمه الحوت، فكان من دعائه عليه الصلاة والسلام وهو في تلك الظلمات -ظلمة الحوت، ظلمة البحر، ظلمات بعضها فوق بعض- دعا بهذا الدعاء العظيم: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين». كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المضحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾. كان مسبحًا لله جل وعلا، ومن ذلك أنه قال هذا الدعاء العظيم: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين». وفي الآية الأخرى قال جل وعلا: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظننا أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾. فانظروا إلى هذا الدعاء العظيم وتأملوا فيه، وهو دعاء ذي النون عليه السلام وهو في بطن النون -يعني الحوت- وهو في بطن الحوت، ذو النون بمعنى صاحب الحوت؛ لأن الحوت التقمه. فدعا بهذا الدعاء العظيم، فهذا الدعاء من مضان إجابة الدعاء، إذا دعوت يا عبد الله فتأمل هذا الدعاء، وقدم بين يدي دعائك هذا الدعاء: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم فاغفر لي، اللهم فارحمني». فتأمل في أدعيتك التي تدعو بها ربك جل وعلا، فاحرص على أن تكون قد تضمنت هذه الأدعية العظيمة الخاصة التي دعا بها الأنبياء في الأوقات الشديدة، وكذلك حال الشدة، حال الكرب؛ فذلك أدعى لقبول دعائك. فالله جل وعلا يستجيب لعبده إذا أقبل عليه جل وعلا بقلب خاشع وذليل منكسر، وقع به الشدة واللجأ والاضطرار، كل هذه أمور من مضان إجابة الدعاء. قال رحمه الله تعالى: وفي مستدرك الحاكم أيضًا من حديث سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم أمر مهم فدعا به فرج الله عنه؟ دعاء ذي النون». وهذا الحديث صحيح لغيره، حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى؛ لأن في سند الحاكم هذا محمد بن مهاجر القرشي، وهو ضعيف، لكن متن هذا الحديث صحيح يشهد له ما تقدم في الأسانيد السابقة، يشهد لهذا، وإلا فهذا الحديث بهذا السند فيه ضعف. فإذا هو صحيح لغيره، وفيه ما تقدم في الحكاية السابقة، وهو أن العبد إذا وقع في أمر شديد، وقع في كرب أو محنة أو مصيبة، ودعا بهذا الدعاء -دعاء ذي النون عليه السلام- إلا فرج الله جل وعلا عنه؛ وذلك أن هذا الدعاء من الأدعية العظيمة التي هي من مضان إجابة الدعاء. قال رحمه الله تعالى: وفيه أيضًا -أي في المستدرك- عنه -يعني سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «هل أدلكم على اسم الله الأعظم؟ دعاء يونس». فقال رجل: «يا رسول الله، هل كان ليونس خاصة؟» فقال: «ألا تسمع قوله تعالى: ﴿فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾؟ فأيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة، فمات في مرضه ذلك أعطي أجر شهيد، وإن برئ برئ مغفورًا له». والحديث هذا موضوع، لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ ففي سنده عمر بن بكر السكسكي، وهو متروك كما في التقريب. وقال الذهبي فيه: وابن عدي: واهٍ، وحديثه شبه موضوعة. فالحديث بهذا السند موضوع، ولكن ما جاء في معناه قد ثبت، لحديث السابقة، وهي أن العبد المسلم إذا دعا بدعاء يونس عليه السلام فرج الله عنه، لكن التقييد الوارد في هذا الحديث -يعني أنه دعا أربعين مرة فمات في مرضه أعطي أجر شهيد- هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم». وهذا أيضًا من الأدعية العظيمة، أدعية الكرب وأدعية الشدة. إذا وقع الإنسان في كرب ووقع في شدة ووقع في هم ووقع في بلاء، فعليه أن يحرص على هذا الدعاء؛ فهذا دعاء خاص من أدعية الكرب؛ لأن الإنسان تمر به في يومه وليلته أمور يكفي فيها أنه يدعو بأي دعاء، يدعو فيها بأي دعاء، لكن تمر به لحظات وتمر به كذلك ساعات تكون عليه شديدة، يكون فيها على كرب عظيم، ليس على أمر سهل يكفي معه وتجعله: «اللهم غفرانك، اللهم سبحانك، اللهم فرج عني، الله المستعان»، تقع تمر بالإنسان في يومه بعض الأشياء يكفي معه يقول: «الله المستعان»، يحصر شيء يقول: «الله المستعان»، ويكفيه. ويقول مثلًا: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، لكن قد تأتي لحظات يقع في شدة يقع في كرب يقع في كرب، فهو يحتاج إلى أن يأتي بدعاء يناسب دفع هذه الشدة، يناسب دفع هذه الشدة. وهذا من الأدب في الدعاء، أن يتأدب العبد في دعائه مع الله عز وجل، لا يأتي بدعاء عظيم هو من أدعية الهم والكرب في شيء يسير، هذا ليس من الأدب. يشاك بشوكة مثلًا، يشاك بشوكة، فيأتي بدعاء إنما يناسب إذا وقع في شدة، إذا وقع في شدة. وأما إذا شيك بشوكة يكفي يقول: «الحمد لله، اللهم أجرني على هذا»، أو: «الله المستعان»، يكفي: «الحمد لله»؛ لأنه إذا استخدم هذا الدعاء العظيم -دعاء الكرب-: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم»، فإذا وقع في شدة ماذا سيأتي بعد ذلك؟ ماذا سيأتي بعد ذلك بدعاء؟ إذا جعل هذا الدعاء إنما لشوكة نعم أصيب بها طيب، وفي الشدة ماذا سيأتي بدعاء؟ استخدم هذا الدعاء العظيم في أمر سهل يسير يكفي معه أن يأتي بدعاء يناسب. فمن الأدب في الدعاء أن يكون الدعاء مناسبًا، أن يكون الدعاء مناسبًا للمصيبة. المصيبة يعني الشوكة ليست لك مصيبة عظيمة، يقع في شدة يعني يجد حيوان مفترس سيفترسه، هل مثل شوكة شاك بها؟ لا. فأوقات تكون فيها شدة تكون فيها هم وكرب شديد، أما الهم اليسير نعم، فمن الأدب في الدعاء أن يأتي بالدعاء بدعاء يناسب هذا، فيضع الدعاء في محله، فيضع الدعاء في محله. فهذا الدعاء مثلًا -دعاء الكرب، دعاء الهم- ما هو دعاء يعني إذا أصيب إنسان بشوكة أو مثلًا فات عليه أمر يسير سهل، لا. وإنما هذا دعاء الكرب، دعاء الهم الذي يحتاج معه العبد لأن يأتي مثل هذا الدعاء العظيم. فهذا الدعاء دعاء عظيم ومن مضان إجابة الدعاء، إذا وقعت يا عبد الله في كربة وفي هم ادع الله عز وجل بهذا الدعاء العظيم الذي أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: وفي مسند الإمام أحمد من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل بي كرب أن أقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله، تبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين». وهذا أيضًا حديث صحيح، ودعاء ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، صححه جماعة من أهل العلم. وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام علم علي بن أبي طالب -وهو تعليم للأمة كلها- وهو تعليم للأمة كلها؛ إذا علم النبي عليه الصلاة والسلام صحابيًا فليس معناه أنه خاص ويقتصر هذا التعليم بذلك الصحابي، وإنما تعليمه عليه الصلاة والسلام لصحابي فهو تعليم للأمة، وأنه عليها أن تحرص على أن تتعلم هذا الدعاء وتحفظه، تحفظه، تحفظه هذا الدعاء. وبعض الناس ربما يتهاون في أمر حفظ الدعاء، في أمر حفظ الدعاء، تجده مثلًا يحفظ من الأشعار ويحفظ من الأغاني ويحفظ من الأبيات، وهذه لا تنفعك يا عبد الله إذا وقعت في شدة ولا في مصيبة، إيش تقادم ما تنفع، دندنة، إيش تنفع دندنة؟ دندنة عند الكرب نعم، كيف تحرص على حفظ يا دعوات تقع في كرب وفي شدة؟ طيب تحتاج إلى أن تدعو الله عز وجل، تأتي بدعاء الكرب، كيف تأتي بدعاء الكرب؟ في الجوال عندك، خلص شغله، تفتح الجوال وتدور على دعاء الكرب، احتجت إلى أن تأتي به بلسانك بقلب خاشع مفتقر لله عز وجل. فالدعوات أمر مهم جدًا، أمرها مهم عظيم، إنسان بحاجة إلى هذه الدعوات في يومه وليلته، هي كالأدوية التي يتعاطاها. كم في هذه الدنيا في اليوم والليلة في الأربع وعشرين ساعة من مصايب وهموم واحزان؟ كيف الإنسان يعني يمر عليها وينجو منها إلا بمثلي حفظ هذه الأدعية؟ يأتي هم، يأتي كربة، يأتي مصيبة، فالحمد لله أتى بالدعاء: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العزيز»، لا إله... أفتح هذا، أبعد الهم وأبعد الحزن من القلب، هانة المصير، كيف تقع في الكرب والكرب والهم وإشتفعت؟ تدندن ما يزيدك إلا: «اللهم وغم وكربة». فلذلك يحرص العبد على تعلم هذه الأدعية، تنام حين تنام: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، تحفظ هذا الدعاء تسلم من شرور ربما عقرب تأتي تريد أن تلدغك وأنت قد رقيت نفسك بكلمات يسيرات: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». بعض الناس يعجز عن حفظ حتى هذا الدعاء، سبحان الله، وما نقول أنه مسكين ما عنده حافظة، لا. تعال تكلم مع الأبيات فإذا عنده حافظة، لكن هو حريص على ما لا ينفعه وترك ما ينفعه. فإذا نحن بحاجة إلى أن إذا أوينا كل ليلة إلى فراشنا نقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»؛ لأن إذا قلنا ذلك لم يضرنا شيء، وإذا نزلت منزلا كذلك، خرجت في نزهة، خرجت في واد، خرجت في كذا... تحتاج تجلس هناك من المخلوقات شريرة، كيف تجعل عذاها؟ «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، وأجلس. تريد تنام، تريد كذا... كأنك جعلت على نفسك حصنًا، حصنت نفسك بحصن. فالحمد لله كلمات يسيرات تنجو منها من شرور هذه الأشياء التي فيها شر، وخلق الله جل وعلا فيها الشر. وانتهى الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، صلى الله عليه وسلم، وبارك على عبده ورسوله النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.