الدرس في شرح فتح المجيد 92، ألقاها
يتناول هذا الفصل موضوع الغلو في قبور الصالحين وعلاقته بالشرك، موضحا كيف يتحول الغلو إلى عبادة أوثان من دون الله. يُشرح معنى الغلو ومظاهره وخطره في الوقوع في الشرك.
يشرح هذا الفصل حديث 'اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد' ويبين دلالته على تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من عبادة قبره، كما يتطرق إلى تعظيم القبور وعبادتها كفتنة تظهر على حساب السنة.
يتناول هذا الفصل تحذير عمر بن الخطاب من اتباع آثار الأنبياء والصلاة عندها، وقصة دفن دانيال وتعميه على الناس لئلا يفتتنوا به، موضحا خطورة الفتنة بالقبور والآثار.
يتناول هذا الفصل كراهة زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم بشكل بدعي، موضحا أن مالكا لم يكن يعرف ألفاظ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم عند التابعين، وكراهة قول "زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم".
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسىليما كثيرا. ثم أما بعد، فعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد واضحة، وعلاقته بالأبواب السابقة كعلاقة الأبواب السابقة، فإن فيه بيانا أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله جل وعلا. ففي الباب الأول بين أن من التغريض في من عبد الله عند قبر رجل صالح هذا من الغلو، وتقدم معنا في الباب الذي قبل هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين"، ثم الباب الذي بعده "باب ما جاء من التغريض في من عبد الله عند قبر رجل صالح"، فكيف إذا عبدوه؟ إن من مظاهر الغلو أن يعبد الإنسان ربه جل وعلا عند قبر رجل صالح، وهذا من مظاهر الغلو، وهذه وسيلة إلى الشرك، وهذا ما نص عليه وصرح به في هذا الباب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فروى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قال الشارح رحمه الله تعالى: هذا الحديث رواه مالك مرسلا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحديث، فرواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم به ولم يذكر عطاء، ورواه البزار عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. ورواه الإمام أحمد بسنده عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". حديث أبي هريرة الأخير هذا حديث حسن، حسنه العلامة الألباني والعلامة الوادعي. وأما حديث الباب فهو كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى وكما ذكر الشارح أن هذا الحديث رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى مرسلا، رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى مرسلا كما في الموطأ. قال مالك: أخبرنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وعطاء بن يسار تابعي، وما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسمى مرسلا، والمرسل من قسم الضعيف. لكن رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم به ولم يذكر عطاء، والراجح رواية مالك لأن مالكا أحفظ وأثبت من محمد بن عجلان. ورواه البزار عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد مرفوعا، أي ذكر الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عطاء بن يسار وهو أبو سعيد الخدري فصار مسندا، ولكن هذا المسند لا يصح، ذكر أو رواه البزار في مسنده وقال الهيثمي في المجمع: "وفيه عمر بن صهبان وقد أجمعوا على ضعفه". فالحاصل أن الحديث الصواب فيه الإرسال، الصواب فيه أنه مرسل عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، ولكن يشهد له حديث أبي هريرة الآخر، يشهد له حديث أبي هريرة الآخر، وبه يرتقي إلى الحسن، وبه يرتقي الحديث إلى الحسن. قوله: "ورواه مالك في الموطأ" هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة وأحد المتقنين للحديث. قال رحمه الله تعالى: قوله "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" قد استجاب الله دعاءه كما قال ابن القيم رحمه الله، فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران حتى غدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان. قال الشارح رحمه الله تعالى: ودل الحديث على أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لو عبد لكان وثنا، لكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابع التي عليها، وقد عظمت الفتنة بالقبور لتعظيمها وعبادتها كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "كيف أنتم إذا لبستكم الفتنة يهرم فيها الكبير وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس يتخذونها سنة، إذا غيرت قيل غيرت السنة". معنى هذا أن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: "أنتم الآن في عافية بسبب السنة وظهور السنة وتوافر أهل السنة"، قال: "كيف أنتم أي غدا إذا لبستكم فتن ووقعت بينكم فتن يهرم فيها الكبير وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس يتخذونها سنة، إذا غيرت قيل غيرت السنة". قال المؤلف رحمه الله تعالى: وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "ما ظهرت بدعة إلا على حساب سنة، ما ظهرت بدعة إلا على حساب موت سنة، إذا ظهرت بدعة ماتت سنة، وهكذا إذا قويت السنة وظهرت ضعف مقابلها البدعة". قال رحمه الله تعالى: ولخوف الفتنة لم يأمر عمر بتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن وضاح: سمعت عيسى بن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة. قال رحمه الله تعالى: وهذا الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه رواه ابن وضاح في كتابه البدع والنهي عنها وإسناده صحيح. قال المعرور بن سويد: صليت مع عمر بن الخطاب بطريق مكة صلاة الصبح، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: "إن يذهب هؤلاء فقيل يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم فهم يصلون فيه"، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها". قال رحمه الله تعالى: وفي مغازي ابن إسحاق من زيادات يونس بن بكير عن أبي خالد خالد بن دينار قال: حدثنا أبو العالية قال: لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال للفرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر، فجعل له كعبا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأه من العرب، قرأته مثل ما أقرأ القرآن، فقلت: يا أبي العالية ما كان فيه؟ قال: "شيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد"، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: "حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه فسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه"، قلت: وما يرجون منه؟ قال: "رجل يقال له دانيال"، قلت: "منذ كم قدتموه مات؟" قال: "منذ ثلاثمائة سنة"، قلت: "ما كان تغير منه شيء؟" قال: "لا إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض". قال رحمه الله تعالى: هذا الأثر رواه أبو العالية، وأبو العالية ثقة مشهور، والإسناد إليه صحيح كما قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبر دانيال لألا يفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لقالوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" في تحريم البناء على القبور وتحريم الصلاة عندها، وأن ذلك من الكبائر. قال الإمام مالك: كره أن يقول: "جرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم"، وعلل ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد". قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومالك قد أدرك التابعين وهو أعلم الناس بهذه المسألة، فدل ذلك على أنه لم يكن معروفا عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: إلى أنهم ذكروا في أسباب كراهته لأن يقول: "زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم" لأن هذا اللفظ قصار كثير من الناس يريد به زيارة بدعية ووقوفا عند القبر ودعاء ورغبة إليه في قضاء الحوائج ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس. وَهُذَا وَعَضَهُ وَإِلَهُ وَسُبْحَانَكَ اللَّهُ وَبِحَمْدِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ.