شرح القيروانية 7

الدرس في شرح القيروانية 7، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في أسماء الله الحسنى ودلالتها

يبدأ الدرس بشرح بعض أسماء الله الحسنى مثل العالم والخبير والقدير، ويبين دلالتها على صفات الله تعالى مثل العلم والقدرة والتدبير. يوضح أن الله تعالى يعلم كل شيء ويدبر الأمور كلها.

تتمة الكلام عن أسماء الله الحسنى

يشرح المقطع أسماء الله الحسنى مثل القادر والسميع والبصير والعلي والكبير، ويبين معانيها ودلالاتها على قدرة الله وعلمه ورؤيته لكل شيء. يؤكد أن الله له القدرة المطلقة والعلم الشامل.

علو الله تعالى وصفاته

يشرح المقطع معنى علو الله تعالى بأنواعه الثلاثة: علو الذات وعلو القهر وعلو القدر، ويؤكد أن الله فوق عرشه بذاته وهو في كل مكان بعلمه. يبين موقف أهل السنة والجماعة من هذه الصفات.

خاتمة الدرس وأهمية العلم

يختتم الدرس بذكر أهمية العلم ويعد بمتابعة الدروس اللاحقة، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يشدد على أهمية استمرار التعلم والبحث في علوم الدين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم ومبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد وقفنا عند قول الشيخ العلامة ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: قال العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه، خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع من رسالته هذه الأسماء التي هي من أسماء الله جل وعلا. فالعالم: أهل العلم ذكره إسما من أسماء الله، وهو قد جاء مضافا: عالم الغيب والشهادة. فلذلك أقر أهل العلم من مثل قوله جل وعلا: ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ بأن الله جل وعلا هو العالم الذي له العلم المطلق. فعلمه سبحانه وتعالى محيط بكل شيء، كما قال سبحانه: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾. فالله جل وعلا يعلم كل شيء، علم ما كان من الأمور التي قد حدثت وانقضت، ويعلم ما يكون من الأمور الآن في ملكوته وما يجري، ويعلم جل وعلا ما سيكون في ملكوته سبحانه وتعالى، بل يعلم ما لم يكن لو أن كان كيف يكون، يعني حتى الأمور التي لم يقدر جل وعلا أنها تكون، لو قدر أنها تكون فهو يعلمها جل وعلا كيف تكون. وكما سيأتي معنا عند ذكر القدر وذكر مراتب القدر، ومنها مرتبة العلم التفصيلي في هذا. وهكذا اسمه جل وعلا الخبير، فالخبير من أسماء الله جل وعلا، والخبير بمعنى العلم، الخبير بمعنى العليم، إلا أن الخبير يتعلق بالعلم بالخفايا، خفايا الأمور. فلذلك الله جل وعلا قرن بين العليم والخبير: ﴿إن الله عليم خبير﴾، عليم خبير. فعليم بمعنى عليم بكل شيء، والخبير أيضا بمعنى العليم، لكن يختص بدقائق الأمور وخفايا الأمور، وإلا فهو بمعنى العليم. فهو إذا قيل: الخبير، فهو بمعنى العليم، لكن العليم الخبير، فالعليم بكل شيء، الخبير كذلك معنى العليم الذي علم كل شيء وعلم خفايا الأمور سبحانه وتعالى. والعليم يتضمن صفة العلم، والخبير يتضمن صفة الخبرة. فالله جل وعلا هو الخبير بمعنى صاحب الخبرة. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فاسأل به خبيرا﴾، يعني نفسه جل وعلا لأنه الخبير جل وعلا الذي له الخبرة، خبير بعباده وبما ينفعهم وما يصلحهم. وهذا قال جل وعلا: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾، فهو جل وعلا الذي خلق، ولذلك هو الخبير الذي يعلم ما يصلح العباد. أنت يا عبد الله لا تعلم الذي ينفعك مما يضرك، ربما تظن أمورا تنفعك وهي تضرك، وتظن أمورا تضرك وهي نافعة لك. لكن الخبير جل وعلا هو الذي يعلم ما ينفعك وما يصلح. فأمرك بطاعته لأنه يعلم أن طاعتك له تنفعك، نهاك عن المحرمات لأنها تضرك. ما نهى الله جل وعلا عن الخبائث وعن المحرمات إلا لأنها تضرك. بعض الناس ربما يظن أنه لماذا حرم الله جل وعلا عليه كذا، الخمر مثلا أو البيع المحرم أو كذا وكذا من المحرمات. ما حرمها الله جل وعلا إلا لعلمه أنها لا تنفعك. فما ينفعك أحله لك، وما يضرك نهاك عنه. أنت لا تدري بهذا، لست خبيرا. لكن الخبير جل وعلا هو الذي يعلم الذي ينفعك من الذي يضرك، فأحل لك ما ينفعك ونهاك عن ما يضرك. على سبيل المثال، ولله المثل الأعلى، إذا كان إنسان عنده خبرة مثلا بالطب أو عنده خبرة كذلك بالهندسة مثلا، فإذا نهاك مثلا الطبيب الخبير: لا تأكل كذا، ولا تشرب كذا، ولا تخرج في مكان كذا في الهواء، ولا تنام في وقت كذا. تسلم له ولا ما تسلم تسلم له، لماذا؟ تقول: منعني من أكل كذا، لماذا منعني من كذا؟ لماذا لا أخرج كذا؟ لا لماذا، سلمت لأنك تعلم أنه خبير عنده خبرة. فما منعك من هذه الأشياء إلا لمصلحتك. فكيف بالخبير جل وعلا الذي خلقك؟ فلذلك تيقن أنه ما منعك من شيء وأحل لك مما منعك من شيء وأحل لك شيئا إلا لما فيه نفعك ومصلحتك، لأنه سبحانه وتعالى الخبير الذي علم ظواهر الأمور وبواطنها. المدبر: ليس من أسماء الله، لكن التدبير فعله جل وعلا، فهو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعد. فالله جل وعلا الذي يدبر الأمور، لا مشارك له في تدبيره. وهذا من لوازم الإقرار بربوبية الله جل وعلا أن تعتقد أن الذي يدبر الأمور هو الله جل وعلا وحده، كما أنه الذي خلق وحده، والذي رزق وحده، والذي له الملك وحده، فهو كذلك الذي يدبر الأمر وحده. فلا مشارك، لا أولياء، ولا أقطاب، ولا شيء. أما الذين يعتقدون أن هناك مع الله جل وعلا من يدبر كالأقطاب كما هو عند التصوف، أو الأولياء، أو كما هو عند الروافض أن الأئمة إلى الثاني عشر يدبرون، فكل هذا شرك بالله مخرج من الملة. لا بد أن تقر بأن تدبير الأمور لله جل وعلا: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، ﴿ألا له الخلق والأمر﴾. والمعنى أن الخلق إنما له، الآية تفيد الحصر، حصر الخلق في الله جل وعلا وحصر الأمر في الله. ومعنى الأمر هنا التدبير: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، أي ألا له الخلق والتدبير، أي ليس لغيره، وإنما له جل وعلا، فهو الذي يدبر الأمور جل وعلا. هذا الملكوت يجري بتدبير الله جل وعلا، حركة الشمس، حركة الكواكب، حركة الريح، نزول المطر، حركة العباد، سقوط الأوراق، حركة البحار وما فيها، وكل ما يجري في ملكوت الله جل وعلا إنما يجري بتدبير الله سبحانه وتعالى، لا يخرج شيء عن تدبيره سبحانه وتعالى. كل يجري بتدبير الله جل وعلا. والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد، كالعرجون القديم. للشمس ينبغي أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون. فالليل والنهار يجري بتدبير الله، الشمس والقمر بتدبير الله، كل ما يجري بتدبير الله، لا يشارك سبحانه وتعالى أحد في التدبير. نعم، وكل الله جل وعلا ملائكة بأمور، وكلهم بقبض الأرواح، وكل منهم بكتابة الحسنات والسيئات، وكل منهم بنزول المطر، وكل منهم بالجبال، بالنار، وهكذا بالسؤال في القبر. وكلهم الله، لكن ليس معنى هذا أنهم يدبرون مع الله، لا، الذي يدبر الأمر هو الله، فالأمر أمره سبحانه وتعالى. إنما أمره إذا أراد شيئا يقول له: ﴿كن فيكون﴾. وهكذا جل وعلا هو القدير الذي له القدرة. فالله جل وعلا لا يعجزه شيء، لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، على كل شيء قدير، ولا يثقله شيء سبحانه وتعالى. خلق السماوات والأرض بقدرته، خلق الجن والإنس بقدرته، خلق كل هذا الملكوت بقدرته سبحانه وتعالى، لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات والأرض، لا يعجزه شيء، لماذا؟ لأنه جل وعلا الموصوف بالقدرة الكاملة التي لا نقص فيها. ولذلك كان أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: ﴿كن فيكون﴾. فكيف يعجزه شيء؟ كيف يعجزه من أمره بعد الكاف والنون؟ كيف يعجزه شيء من أمره بعد الكاف والنون؟ وبعض الناس يخطئ، يقول: أمره بين الكاف والنون، لا، ما هو بين الكاف والنون، الصحيح: بعد الكاف والنون، يعني بعد أن يقول: كن فيكون. فمعنى لا يعجزه شيء: أما إذا قلنا: من أمره، وهذا تقع لسان الوعاظ، ربما أو بعض أهل العلم: بين الكاف والنون، من أمره بين الكاف والنون، خطأ. وإنما: من أمره بعد الكاف والنون، لأنه بين الكاف والنون: إيش بين الكاف والنون؟ ها، الأمر ما هو بين الكاف والنون، الأمر بعد الكاف والنون: كن، بعد هذا الأمر، وهو: كن فيكون. فإذا: لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. السميع البصير: الله جل وعلا هو السميع الموصوف بالسمع الذي يليق به جل وعلا. المخلوق موصوف بالسمع، لكن سمع المخلوق قاصر، إنما يسمع ما عنده، أما ما ابتعد عنه وكان بعيدا لا يسمع، لا نسمع من في المدينة، ولا نسمع من يبعد عنا كذا وكذا من الأمتار والمسافة. لكن سمع الرحمن جل وعلا: سمع السميع وسع كل شيء، يسمع كل شيء جل وعلا، لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. وهذا قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، حين جاءت المجادلة إلى النبي عليه الصلاة والسلام تشتكي إلى النبي من زوجها: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها والله يسمع تحاوركما﴾، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "سبحان من وسع سمعه الأصوات". هذه المجادلة تخاطب النبي عليه الصلاة والسلام تشكو إلى النبي عليه الصلاة والسلام في الحجرة المجاورة لحجرة عائشة، عائشة كانت في الحجرة المجاورة، وهذه المجادلة عند الرسول عليه الصلاة والسلام في الحجرة الأخرى. والله جل وعلا قد سمع شكواها: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾. فقالت: "سبحان من وسع سمعه الأصوات". فلا يظن المخلوق أن سمع الله كسمع المخلوق، سمع الخالق كسمع مخلوق لا، سمع الخالق ليس كمنجه شيء. ولذلك يقال: الله جل وعلا هو السميع الموصوف بالسمع الذي يليق به سبحانه وتعالى. وهكذا جل وعلا هو البصير، والبصير من أسماء الله، والبصير بمعنى الذي له البصر، يبصر كل شيء جل وعلا، يبصر كل شيء سبحانه وتعالى. المخلوق بصير وموصوف بالبصر، لكن بصره ضعيف، إنما يبصر ما هو جانبه، لكن البصير جل وعلا موصوف بالبصر الذي لا يخفى عليه شيء، يرى ويبصر دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء. تخيلوا الآن نملة على صخرة ملساء في ليلة ظلماء، يرى الله جل وعلا ذلك ولا يخفى عليه. وهذا قال القائل رحمه الله تعالى: "يا من يرى نياط البعوض في عروقها والعظام في تلك والمخ في تلك العظام". ومن علي بتوبة تمحي بها ما كان مني في الزمان الأول. يعني يرى سبحانه وتعالى العروق، عروق البعوضة، ومجرى الطعام فيها، مجاري الطعام في البعوضة، لا تخفى على الله جل وعلا، بل مخ البعوضة ودم البعوضة الذي يجري في عروق لا يخفى. والمعنى أن الله جل وعلا لا يخفى عليه سبحانه وتعالى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فالله جل وعلا هو البصير الموصوف بالبصر المطلق الذي يرى جل وعلا به كل شيء، فلا يخفى عليه شيء، فهو سبحانه وتعالى البصير. هذه الأسماء تجعل العبد على خوف وعلى مراقبة جل وعلا، إذا علم أن الله جل وعلا هو العليم بأعماله وبما يعمل، والسميع كذلك لأقواله وما يأتي به على لسانه، وهكذا البصير لكل أعماله. فهذا يجعله يراقب الله جل وعلا في أعماله وفي أقواله، لأن أعماله يراها الله جل وعلا البصير، ويعلمها، أقواله كذلك يسمعها الله سبحانه وتعالى، سواء كان قالها في السر أو في العلن. فلا تظن أنك إذا أسررت بالكلام لم يسمعك الله. وذلك جاء في صحيح البخاري وصحيح الإمام مسلم، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إن ثلاثة قرشيين وثقفيا -وفي الحديث أو ثقفيين أو ثقفيين وقرشي- جلسوا يتحدثون، فقال بعضهم لبعض: هل إذا تكلمنا سمعنا الله؟ فقال بعضهم: إذا رفعنا أصواتنا سمعنا الله، وإذا لم نرفعها لم يسمعنا الله". فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿ما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم﴾. فهذه الآية نزلت تحذيرا من هذا، كيف إذا رفعت صوتك سمعك، وإذا لم ترفع لم يسمعك، لا، الله جل وعلا يسمع السر والنجوى، ويعلم السر والنجوى سبحانه وتعالى. فلذلك عليك أن تراقب الله جل وعلا السميع البصير. قل: ذلك السميع والبصير، هذان الإسمان ذكرا معا في مواضع من كتاب الله جل وعلا، وفي آية محكمة في باب الأسماء والصفات، وهي قوله جل وعلا: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. وقال جل وعلا: ﴿إن الله كان سميعا بصيرا﴾. فقرن الله جل وعلا بين هذين الإسمين: السميع والبصير. وسمع الله، بصر الله، يليق به، وسمع المخلوق ضعيف يليق به، وبصره يليق به. فنقول: الله السميع على ما يليق بالخالق، وله بصر، وليس كمثله شيء جل وعلا. قال العلي الكبير، كذلك من أسماء الله: العلي والكبير، العلي أي الذي له وصف العلو المطلق. فالله جل وعلا هو العلي، ومن أسمائه: المتعالي، المتعالي الكبير، المتعال. فإذا من أسمائه: العلي والمتعال، وهذا الإسمان دلان على وصفه جل وعلا بالعلو. وعلو الله جل وعلا علو مطلق، والعلو على نوعين: علو عام، وعلو خاص. العلو العام هو علو الله جل وعلا على سائر مخلوقاته، على سائر مخلوقاته. والعلو الخاص هو العلو على العرش، كما قال عز وجل: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. الآن عندنا هذه المخلوقات، ومنها السماوات والأرض، قد يظن بعض الناس أن هذه السماوات هي أعلى شيء، لا، العرش أعلى منها، العرش أعلى من السماوات، والعرش هو آخر مخلوق، العرش أعلى مخلوق، أعلى المخلوقات، العرش أعلى المخلوقات. فليس هناك مخلوق فوق العرش، العرش أعلى المخلوقات. هذا العرش ربنا جل وعلا استوى عليه: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، استوى استواء يليق بجلاله سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى هو القاهر فوق عباده، قهرهم بعلوه سبحانه وتعالى، وبعظمته جل وعلا. فإذا الله جل وعلا في العلو. وذلك قال جل وعلا: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمر أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف﴾، أأمنتم من في السماء؟ أي بمعنى في العلو، أي في العلو. إما أن نقول: في السماء، فالسماء بمعنى العلو، فيكون في العلو. أو نقول: فيه بمعنى على، ويكون معنى: آمنتم من في السماء، أي من على السماء، أي من على السماء، أي الذي عليها، لأنه جل وعلا على هذه السماوات والأرض سبحانه وتعالى، بل على العرش، أي أنه فوقه جل وعلا. فالله جل وعلا له وصف الفوقية على سائر المخلوقات، وله العلو سبحانه وتعالى، وله علو القدر كذلك، وعلو الذات، علو الذات، وعلو القدر، وعلو الوصف، علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات. أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الأنواع الثلاثة لله جل وعلا: علو الذات، أي أنه بذاته في العلو، أي أنه استوى على العلو الخاص. وعلو القهر، أي أنه جل وعلا القاهر فوق عباده، قهرهم سبحانه وتعالى. وهكذا علو القدر، أي بأن له الوصف الذي لا وصف بعده، له الكمال في ذلك، كمال الأوصاف، كمال أوصاف الجمال، وأوصاف الجلال، والعظمة. أما المخالفون منها البدع وغيرهم، فلا يثبتون علو الذات لله جل وعلا، وأنه على العرش استوى، وإنما يقولون: إما يقولون: في كل مكان، وإما يقولون: لا مكان، إلى آخر ذلك. قال رحمه الله: الكبير، والكبير اسم من أسماء الله جل وعلا، والوصف الذي يتضمن هذا الاسم والصفة هي الكبر. فالكبر صفة من صفات الله جل وعلا. أما المخلوق فلا يوصف بالكبر، لا يجوز له أن يتكبر، لأن الكبر للكبير. أنت لست بكبير حتى تتكبر، أنت صغير مخلوق ضعيف. الله جل وعلا هو الكبير الموصوف بالكبر جل وعلا. ولذلك حذر الله جل وعلا عباده من أن ينازعوه في هذه الأوصاف، فقال جل وعلا: «العز ردائي، العز إزاري، والكبرياء ردائي، من نازعني فيهما عذبته». فيحذر الإنسان من الكبر، الكبر إنما هو من أوصاف الله سبحانه وتعالى، فلا تتكبر. ولذلك لعن الله جل وعلا المتكبرين والمتجبرين، كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر جبار، يطبع الله جل وعلا على قلوبهم. ويخسف بالمتكبرين، قارون لما تكبر خسف الله به الأرض. وما من أحد تكبر إلا وعاقبه الله. ذلك الرجل الذي خسف في الأرض، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة في الأرض، لأنه خرج في حلة عجبته فتكبر، فخسف الله به إلى يوم القيامة يتجلجل في الأرض. صلى الله عليه وسلم. فالله جل وعلا هو الكبير الموصوف بوصف الكبر جل وعلا. قال رحمه الله: وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه. الله جل وعلا فوق عرشه، يعني استوى على عرش مجيد، العرش موصوف بأوصاف، ومنها أنه مجيد، كما قال جل وعلا: ﴿ذو العرش المجيد﴾ في سورة البروج: ﴿ذو العرش المجيد﴾، على قراءة الجر وصف للعرش، وعلى قراءة الرفع: ذو العرش المجيد اسم من أسماء الله: ذو العرش، أي صاحب العرش المجيد، أي الله. وهنا يريد على قراءة الجر: ذو العرش المجيد، فوق عرشه المجيد. فلما جره هنا علمنا أنه أراد الوصف الذي يوصف به العرش، وهو أنه مجيد. فالله جل وعلا فوق عرشه المجيد بذاته. السلف قالوا: بذاته، للرد على أهل البدع حين لم يثبتوا أن الله جل وعلا استوى على العرش هو جل وعلا، وإنما قالوا: مجاز، وليس حقيقة، ليس حقيقة أنه استوى على العرش بذاته. فقال السلف: بذاته، للرد على هؤلاء الجهمية وغيرهم ممن لا يثبت علوه جل وعلا على عرشه بذاته. وأكثر ممن ذكر هذا: علماء المالكية، ردا على هؤلاء، ومنهم ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله هنا، وهكذا غيره من المالكية، كالباقلاني، والقرطبي، وابن عبدالبر، والطليطلي، وغيرهم. قالوا: بذاته، للرد على هؤلاء الجهمية لما قالوا: مجاز، فصرحوا بقولهم: بذاته، ردا عليهم. كما أنه جل وعلا فوق عرشه بذاته، هو في كل مكان بعلمه. فالله جل وعلا علمه في كل مكان، قول أهل السلف، قول الله جل وعلا: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، أي أنه معكم أينما كنتم بعلمه، معية العلم، معية العلم. فالله جل وعلا مع خلقه بعلمه، وهو في السماء على العرش استوى. ومع هذا، علمه في كل مكان، كما قال بعض السلف، كابن المبارك وغيره، قالوا: هو في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخفى عليه شيء جل وعلا. وشيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى في الواسطية ضرب مثلا بالقمر، قال: القمر في السماء، ومع هذا، ومع المسافر إذا سافر نقول: سرنا والقمر معنا، إذا سرنا نقول: نسير والقمر معنا. إيش معنا؟ هل معنا بمعنى أنه اختلط بنا؟ لا، معنا بمعنى مصاحب لنا. ومعنى: هو في العلو، ولله المثل الأعلى، الله معنا، وهو في علوه سبحانه وتعالى، لكن معنا مصاحب لنا، لأنه مطلع علينا، عليم بنا، سميع بأقوالنا، هذا معنا. إن الله معنا. وهكذا قلنا: سرنا والقمر معنا، ليس معنا أن القمر معنا اختلط بالله، القمر في علو، لكن معنا يعني مصاحب لنا، لأننا نراه مهما ذهبنا فوقنا مصاحب لنا. ولله المثل الأعلى، هو على عرشه، وفي العلو، وهو معنا، لماذا؟ لأنه مصاحب لنا جل وعلا بعلمه، يرانا ويسمع أقوالنا ومصاحب لنا، لأن المعية في لغة العرب تطلق على مطلق المصاحبة، على مطلق المصاحب. ثم قد يراد بهذه المعية: معية الذوات، قد يراد بها معية أوصاف. مثلا إذا قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، كونوا مع الصادقين، من هم الصادقون؟ المراد بهم: الصحابة، والله جل وعلا يقول: كونوا مع الصادقين، كيف نكون معهم؟ هل نختلط بهم؟ كونوا معهم، هم قد ماتوا، لكن كونوا معهم بماذا؟ مصاحبين لما كانوا عليه: الخير والاعتقاد. وهكذا: كن مع الله، إذا قال لك شخص: كن مع الله، إيش معناه؟ كن مع الله اختلط به؟ لا، كن مع الله يعني كن ملتزما لأمره، كن مؤديا للفرائض، تاركا للمحرمات. في المعية في لغة العرب تطلق على مطلق المصاحب، ثم قد يراد بها: معية ذوات، أو معية أوصاف. إذا قلنا مثلا: الماعز مع اللبن، هذه معية إيش؟ ذوات: ماعز مع لبن. إذا قلنا: المرأة مع زوجها، إذا كانت زوجته في اليمن، وهو في السعودية، زيد مثلا في السعودية، زوجته في اليمن، إذا قلنا: زيد مع زوجته، إيش نريد؟ ها، هل نريد أنه مختلط بها؟ لا، معه بمعنى إيش؟ في عصمته، ها، صاحبه، لا، في عصمته. واضح، فإذا قد يراد بها: معية ذوات، قد يراد بها: معية أوصاف. وهكذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، ليست معية ذوات، لأن ذاته جل وعلا في السماء، وإنما المراد به: معية إيش؟ أوصاف، أي أنه بعلمه سبحانه وتعالى معكم، وبسمعه، نعم، يسمع أقوالكم، ويعلم أحوالكم، ويرى كذلك كل شيء، وكل ما تعملون. فلذلك قالوا: وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه. تعالى نقف هنا عند قول الناظم: وفي كل مكان بعلمه، لنواصل بعده إن شاء الله في الدرس اللاحق، صلى الله وسلم وبرك على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.