الدرس في التعليق على منظومة التائية 13، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح المحاضر أبيات منظومة الإلبيري التي توصي الابن بالاعتراف بالتقصير في حق الله وعدم الرضا بالعيوب، مبيناً أن الرضا بالمعايب عار عظيم. ويؤكد على وجوب مجاهدة النفس الأمارة بالسوء والنظر إلى من هو أعلى في الدين اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
ينصح بالنظر إلى من هو أدنى في الدنيا لشكر النعم، ويحذر من التسلي بعيوب الغير لأن الرضا بالمعايب يورث المقت ويسقط المكانة. وتوضح أن الطاعة تكسو صاحبها الدرر وتجعله محبوباً وقريباً من قلوب المؤمنين، بينما المعصية تبعد القريب وتُسقط الوجيه.
يبين المقطع أن الطاعة تجلب العزة والقرب والبركة، بينما المعصية تورث الذلة والبعد. ويحذر الشباب من الانخراط في ميادين الزور والفتن المزينة بأسماء براقة، مؤكداً أن النجاة باتباع الشرع لا بالهوى.
أعلن المحاضر انتهاء الجلسة الحالية والاكتفاء بما تم طرحه، مع تأجيل تتمة الموضوع إلى درس قادم. واختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال النظم الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى في منظومته التائية: أبا بكر كشفت أقل لعيبي وأكثره ومعظمه سترت فقل ما شئت فيّ من المخازي وضاعفها فإنك قد صدقت ومهما عبتني فلفرط علمي بباطنه كأنك قد مدحت فلا ترضَ المعايب فهو عار عظيم يورث المحبوب مقتاً ويهوي بالوجيه من الثرية ويبدله مكان الفوق تحت كما الطاعات تبدلك الدراري تجعلك القريب وإن بعدت وتمشر عنك في الدنيا جميلاً وتَلْقى البر فيها حيث شئت وتمشي في مناكبها عزيزاً وتجني الحمد فيما قد غرست وأنت الآن لم تعرف بعيب ولا دنست ثوبك مذن شئت ولا سابقت في ميدان زور ولا أوبعت فيه ولا خببت فإن لم تنأ عنه نشبت فيه ومن لك بالخلاص إذا نشبت تدنس ما تطهر منك حتى كأنك قبل ذلك ما طهرت صرت أسير ذنبك في وثاق وكيف لك الفكاك وقد أسرت فخف أبناء جنسك واخشَ منهم كما تخشى الضراغم والسباع وخالتهم وزايلهم حذاراً وكن كالسامري إذا لمست وإن جهلوا عليك فقل سلاماً لعلك سوف تسلم إن فعلت ومن لك بالسلامة في زمان تنال العصم إلا إن عصمت ولا تلبث بحي فيه ضيم يميت القلب إلا إن كبلت وغرب فالتغرب فيه خير وشرق إن برقك قد شرقت ذكر رحمه تعالى في هذه الأبيات هذه النصائح وهذه الوصايا العظيمة التي وجهها لابنه، معترفاً له في بدايتها بما كشف من عيوبه، وهذا من تواضعه رحمه الله تعالى؛ لأنه يدل على اعترافه بتقصيره وتفريطه في جنب الله جل وعلا، وهذه علامة خير إذا تحدث الإنسان مبيناً تقصيره وتفريطه في جنب الله في الموضع الذي يحتاج لذلك، وليس في كل وقت. مذموم أن يكثر الإنسان من ذكر التقصير والتفريط الذي هو واقع فيه، لكن في المقام الذي يستدعيه؛ لأن الإكثار من إظهار التقصير والتفريط ربما يوقع صاحبه في الرياء. لكن هو محتاج لمجاهدة نفسه، فإذا ظن الناس به خيراً خاف على نفسه، بيّن، قال: أنا مسكين، وماذا عساي أصنع؟ يعني ليس من باب كفران النعم، ولكن من باب الاحتقار للنفس هذه المغرورة التي تغتر بالثناء إذا أثني عليها، فتحتاج لمعالجة بتذكيرها بالتقصير والتفريط. وهذا دواء احتاجه الإنسان وهو أعلم بنفسه، وهو طبيب نفسه، لا يصف هذا الدواء له غيره، وإنما هو يعلم متى الحال الذي احتاج منه إلى أن يذكر تقصيره وتفريطه؛ لأنه يشعر بشيء من ربما العجب الذي دخل فيه أو غير ذلك. والدنيا دار مجاهدة، وخاصة مع هذه النفس الأمارة بالسوء، ومن يسلم من هذا؟ والموفق من وفقه الله، والعبرة بالخواتيم. نسأل الله جل وعلا أن يحسن خاتمتنا. فقال: «أبا بكر كشفت أقل عيبي». وأبو بكر كنية ابنه؛ لأنه ناداه هنا بالنداء «أبا بكر»، فدل على أن أبا بكر كنية لولده وليست اسماً له. وذكر في ذلك أنه كشف أقل عيبي، والكثير قد ستره؛ وذلك لأنه يعلم ما خفي، كما يقال: ما خفي أكثر مما ظهر. والمراد من ذلك ليس الافتخار بهذا، وإنما بيان التقصير والتفريط في جنب الله سبحانه وتعالى، معالجة لهذه النفس الأمارة بالسوء التي تقتر بزخرف في القول وبالثناء وغير ذلك. فجعل هذا من المدح له من ابنه؛ لأنه ستر معظم ما يعلم من نفسه أنه مقصر فيه ومفرط فيه. وما من أحد إلا ويقع في التقصير والتفريط فيما أمر به أو نهي عنه، ولكن نبهه على أنه لا يرضى بهذه المعايب. الرضى بالمعايب عار، وهذا حاصل عند جماعة من الناس: إذا أنكر عليه، أو إذا نصح أحداً... إذا نصح أحد أي شخص، فربما يقول له: أنت عندك كذا، وفيك كذا، وفيك كذا. نعم، ولو كان ذلك فيه، فأنت لا ترضَ تلك المعايب. ما دام أنه ينصحك، فاقبل، اقبل نصيحته، ولا ترضَ بالمعايب التي هو فيها، وتستدل بها على جملة تقصيرك وتفريطك. كما يقال: أنا أفضل من غيري، أنا أفضل من غيري. لأن الناس ينظرون في الدين بمنظار النظر إلى الأسفل، وفي الدنيا ينظرون إلى الأعلى. فيريد أفضل من غيره في بيته، سيارته، وزوجته، وهكذا من أمور الدنيا. لكن في أمور الدين لا يريد أن يكون أفضل من غيره، الكثير إنما ينظر في منظار يقول: الحمد لله أنا على خير، فلان ربما لا يحافظ على الجماعة، وفلان لا يطلب العلم، وفلان كذا، وأنا عندي كذا وعندي كذا. لا، بل عليك أن تنظر إلى من هو أفضل منك في أمر الدين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنظروا إلى من هو أسفل منكم، وانظروا إلى من هو أعلى منكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة. قال: انظر إلى من هو أعلى منه في الدين، في الاستقامة؛ فإن هذا يعينه على الثبات على الطاعة، وعلى الاستقامة، ويعينه على الإكثار، وعلى المسارعة، وعلى المسابقة؛ لأنه ينافس، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. لكن في أمر الدنيا فأنت انظر إلى من هو أدنى منك وأسفل منك، لماذا؟ لأنه يورث عندك القناعة، ويجعلك من الشاكرين لله جل وعلا؛ لأنك ترى غيرك قد ابتلي بابتلاءات أعظم مما هي عندك، ربما لا يجد بيتاً يسكنه، ربما مصاب بكذا وكذا من الأمراض، وأنت سليم وصحيح، وغير ذلك. فيوصيه بهذه الوصية، وهي نصيحة عامة للأمة: يعني الإنسان لا يرضى المعايب التي في غيره، ويتسلى بها، كما هو حال طائفة من الناس يتسلى بتقصير وتفريط غيره، أشد من تقصير وتفريطه، فيسلي نفسه: أنا أفضل، وأنا أفضل. لا، لا تسلي نفسك، لا تسلي نفسك بعيوب غيرك وبمعايب غيرك. لا، لكن انظر أنت إلى نفسك، وجاهد نفسك، وجاهد، وسابق، وسارع. لأن الرضى بالمعايب قال: يورث المحبوب مقتاً، يعني يجعله مبغوضاً، يمقته الناس. فلما كان على طاعة، وعلى استقامة، وعلى خير، صار محبوباً عند الناس؛ لأن الناس يحبون الرجل الصالح، الرجل الخير الذي يرونه في ميادين الخير مسابقاً مسارعاً، ولا يعلمون عنه إلا كل خير، فيحبونه. لكن إذا رجع القهقرى، وصار من أهل العصيان وأهل الذنوب، فإن الناس يبغضونه، يبغضه الناس ولا يحبونه. وإنما يوقعه في هذا هو الرضى بالمعايب التي عليها الناس، فأورثته هذا العقاب العاجل في الدنيا، فصار الناس يبغضونه بعد أن كان محبوباً. وأيضاً من عواقب هذا: أنه يهوي بالوجيه من الثرية، يسقطه ويهوي به. قد كان وجيهاً، وقد كان شريفاً، قد كان ذا مكانه عند الناس، كانت له المنزلة، وكان له الثناء الحسن في قلوب الناس، وكان في علو وحسن وغير ذلك. لكن لما انتكس حاله وصار من أهل المعاصي، هوى إلى السفل. قد كان عاليا كعلو الثرية، الذي هو نجم من أعلى النجوم، نجم الثرية، وبجهة الشام، كما أن سهيلاً في جهة اليمن. ولذلك يذكرون في هذا يقولون: «أيها الناكح الثريا سهيلاً، أمر الله كيف يلتقيان؟ هي شامية إذا ما استقلت، وسهيل إذا ما استقل يماني». يضربونه مثلاً فيمن يريد أن يوفق بين أمرين أو بين اثنين، وذلك من البعيد ومن المحال، أن يجتمع هذا مع هذا. فهذا في جهة، وهذه في جهة، فكيف تنكح الثريا سهيلاً؟ وهذا إذا استقل شامي، وسهيل إذا استقل يماني. فالثريا نجم من النجوم العالية، وكان يستدل به السلف على زهو الثمار، إذا زهت الثمار كانوا يستدلون على زهو الثمار، يعني وقد حان جواز بيعها، بطلوع نجم الثريا. سئل جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: متى يزهو؟ قال: إذا طلع الثريا. إذا طلع الثريا فهو نجم له لمعان، وله ظهور أكثر من غيره، مع علوه، هو أعلى النجوم وأبعد النجوم بالنسبة لنا، إلا أنه مع هذا أظهر هذه النجوم، وألمع هذه النجوم، وأبهى هذه النجوم. فالناظم رحمه الله تعالى هنا يمثل من كان على طاعة بهذا العلو الذي هو عليه، كعلو هذا النجم العالي، وليس فقط العلو، بل العلو مع النظارة، والعلو مع البهاء، والعلو مع المكانة واللمعان. وهكذا هم أهل الطاعة. ولكن إذا غيروا وانتكسوا هووا، فإن المعاصي تهوي بالوجيه من الثريا، ويبدله مكان الفوق تحت. بعد أن كان على علو وعلى فوقية، صار تحت، وصار على سفل. قال: «كما الطاعات تبدلك الدراري، وتجعلك القريب وإن بعدت». يعني الطاعات تبدل الإنسان الدراري، لأن الطاعات حسنات ودرر عظيمة يتحلى بها صاحب الطاعة. صاحب الطاعة عليه درر، وإن كانت لا تشاهد، لكن لها ظهور على ملامحه، على وجهه، وعلى لسانه، وعلى أخلاقه. كل هذا من آثار الطاعة. إنسان الطائع تظهر آثار هذه الطاعة على جوارحه، فتجد النور على وجهه، وتجد كذلك الكلام الطيب الذي يخرج من لسانه، وهكذا في معاملته، وهكذا في مجادلته، حتى إذا جادل، حتى مع الخصم، كل ذلك من آثار الطاعة التي تعطي الشخصية هذه الدراري وهذه الحلل. «وتجعلك القريب وإن بعدت». وهذا أيضاً من ثمار الطاعات: تجعل البعيد قريباً. تجعل البعيد قريباً. الآن العلماء بيننا وبينهم مسافات، ربما أحدهم في الهند، والآخر في الطرف الآخر من الأرض، وآخر في الطرف الآخر، لكن العلماء على الحق وعلى الكتاب والسنة نراهم قريبين منا، والله، لأننا نراهم أقرب منا حتى من بعض إخواننا، ومن بعض من يساكنون في بيت واحد. مع أنه يساكنك في بيت واحد، وما بينك وبينه إلا خطوات، لكن تراه بعيداً، تراه بعيداً، وترى العالم الذي ربما يكون في الشرق أو الغرب قريباً منك. ترى هل الطاعة كذلك قريبين منك؟ لماذا؟ لأن الطاعة أورثت هذا القرب. الطاعات تورث هذا القرب وهذا التحاب. فأنت ترى أخاك قريباً منك، ولو كان في بريطانيا، أو في فرنسا، أو في أمريكا، أو في كذا وكذا وكذا. وربما هناك من يساكنك، أو من هو قريب منك، بينك وبينه بعض الأمتار وبعض المسافات القليلة، لكنك تراه بعيداً، لما هو عليه من التقصير والتفريط والمعاصي وغير ذلك. وإنما الولي والبراء لله، وفي الله، والقرب والبعد: القرب بحسب القرب من الطاعة، والبعد بحسب البعد من الطاعة. فمن كان قريباً من الطاعة فهو قريب لك، ومن كان بعيداً فهو بعيد عنك. وهكذا كل ذلك من ثمار هذه الطاعة: تجعل البعيد قريباً. ومن ثمار المعاصي: تجعل القريب بعيداً. كما أن الطاعة تجعل البعيد قريباً، المعاصي تجعل القريب بعيداً. «وتنشر عنك في الدنيا جميلاً، وتلقى البر فيها حيث شئت». يعني من الثناء الحسن في قلوب الناس، والذكر الجميل، وهذا من عاجل بشر المؤمن، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. «وتمشي في مناكبها عزيزاً، وتجني الحمد فيما قد غرست». صاحب الطاعة عزيز، يمشي في مناكب الأرض، وهو على عزه، وهو على قناعة، وهو على عفة. بخلاف الجاهل... وهكذا الطائع الذي على طاعة يكون عزيزاً، عزيزاً باستقامته، عزيزاً بإيمانه، بطاعته، وعنده القناعة. بخلاف العاصي، ما يستحي العاصي، دليل عليه ذل المعصية. وهذا مصداق ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري». ذلته والصغار، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري. فمن خالف أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام كان عليه من الذل، كان عليه من الصغار، عقوبات عاجلة في هذه الدنيا. فالطائع عزيز، طائع على عزة وعلى عفة، والعاصي ذليل. وهذا مشاهد، واضح، بين، ظاهر. فمن كان على طاعة كان عزيزاً، يمشي في مناقب الأرض، وهو على عزة وقناعة، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم، لا يسألون الناس إلحافاً. «قال: أنت الآن لم تعرف بعيب، ولا دنست ثوبك مذن شئت». يعني أنت الآن صغير، صغير في ريعان شبابك، وفي بداية عمرك، لم تدنس، لم تدنس بعيوب، ولم تعرف هذه العيوب، ولا دنست ثوبك مذن شئت. فكانه يقول: حافظ على ذلك، فكن على هذا، واجتهد، وعليك أن تنشأ في عبادة الله سبحانه وتعالى. فمن السبعة الذين ظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: شاب نشأ في عبادة ربه سبحانه وتعالى. «وقال: ولا سبقت في ميدان الزور، ولا أوضعت فيه، ولا خببت». كذلك لم تسابق في ميادين الزور، ميادين الفتن، وميدان شهود الزور، من الباطل أو اللغو الذي لا ينفع. فأنت بحمد الله بعيد. هذه أماكن حصل فيها زور، حصل فيها اختلاط الأمور، وحصل فيها كذا وكذا، فأنت غير موجود في هذه الميادين. هذه الميادين التي تجتمع فيها المجامع الكثيرة، نعم، بزعم الثورة، وبزعم كذا، وبزعم كذا، أنت غير موجود في هذه الميادين. هذه الميادين لا خير فيها، ميادين فتن، والعياذ بالله، يجتمع عليها الناس. لو كانت من شرعنا ومن دين لبينه النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه الميادين ميادين زور، وإن سميت بما سمي، بكذا وكذا وكذا، من أعداء الإسلام يزينون الباطل، ويسمون الشيء بغير اسمه. الإسلام يعالج المشاكل، ويعالج الفتن، ويعالج كل شيء بطرق شرعية، وعن طريق أهل العلم، ما هو عن طريق الفوضى، وعن طريق الرؤوس الجهال، وغير ذلك. فالإنسان يبتعد عن ميادين الزور. قبل أن تجلس أو أن تمكث في مكان، اسأل نفسك أولاً: هل مكوثك في هذا المكان فيه مرضاة رب العالمين أم لا؟ شهودك في هذا المكان هل في مرضاة الله أم لا؟ في هذا الميدان، ميدان كرة، أو ميدان خمسين، أو تسعين، أو غير ذلك من هذه الميادين، هل في مرضاة الله أم لا؟ فإذا كان في مرضاة الله فكن أول الناس، فكن أول الناس، والله لو نعلم أن هذا فيه رضاة رب العالمين لسبقنا غيرنا، والله. لكن الأمر دين، الأمر دين، والأمر إنما هو عن طريق الشرع، لا بالهوى، ولا بالعواطف، ولا بالحماسات، ولا بآراء الشرق والغرب، وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: «تدنس ما طهر منك حتى طاب، فإن لم تنأ عنه نشبت فيه، ومن لك بالخلاص إذا نشبت». يعني لسان حال: إذا أدخل نفسه في هذه المتاهات، وفي هذه الفتن، كيف يخرج منها؟ وناس الآن يتمنون الخلاص، ممن تورط، والله، إن من الناس من تورط في أمور صاردة، يخلص منها ما استطاع. ربما يكون أقرب الناس إليه سيعتدي عليه، لماذا؟ بأنه علم أنه لا فائدة، وشعر من حال نفسه أن هذه الطريق التي يسير عليها لا توصله إلى ما يريد. ربما ظن في أول أمره أن هذا يوصله إلى مرضاة ربه، أو أنه يوفقه في كذا وكذا، لكن أثبتت له الأيام، وأثبتت له الشهور، أن هذه الطريق ليست الطريق الصحيح. لكن الراجع يرجع الآن فينظر، فإذا خلفه من هو خلفه، ما يستطيع كيف يرجع، وكيف يخلص. وربما صار على ما هو عليه وهو يريد الخلاص، والشيطان يقول له: أن لك ذلك، مع أنه إذا صدق مع الله يجعل الله جل وعلا مخرجاً. لكن الشيطان يقول له: ما تستطيع أن تخلص، ما تستطيع أن تترك هذا. وكل هذا من شؤم الذنوب والمعاصي، والإصرار عليها، وعدم الأخذ بالنصائح والوصايا من أول الأمر. فربما الإنسان يتعلق، ويتعلق، ويتعلق، فإذا وصل في مكان تعسر عليه الرجوع، تعسر عليه الشيطان، وشياطين الإنس، ممن ربما يعتدون عليه، أو يتوعدونه إذا ترك ما هو عليه، بأن يفعل فيه كذا وكذا وكذا. والأمور واضحة، وحتى للعوام، فضل عن طلبة العلم، ولا تحتاج تحتاج تفصيل. لعلا نكتفي بهذا، ونكمل ما تبقى في درس لاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.