فتاوى ابن باز في العقيدة 2

الدرس في فتاوى ابن باز في العقيدة 2، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الفرق بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع عند ابن باز

يبين الشيخ ابن باز أن التوسل المشروع يتم بعبادة الله ومحبته واتباع شريعته والتوسل بأسمائه وصفاته والأعمال الصالحة، بينما يعد التوسل بجاه النبي أو ذات الأنبياء والصالحين بدعة ووسيلة للشرك، مستدلاً بتوسل الصحابة بدعاء العباس لا بقبر النبي.

قصة أهل الغار وشفاعة النبي في ميزان التوسل

يسرد المقطع قصة أهل الغار الثلاثة الذين نجاهم الله بتوسلهم بصالح أعمالهم، مؤكداً أن التوسل المشروع يكون بأسماء الله والأعمال الصالحة فقط، وأن شفاعة النبي ثابتة يوم القيامة حصراً ولم يتوسل به الصحابة بعد وفاته.

أنواع التوسل المشروع والممنوع تفصيلاً في الدعاء

يفصل المقطع أنواع التوسل المشروع كالتوسل بأسماء الله الحسنى والأعمال الصالحة والإيمان ودعاء الحي الصالح مع الأدلة، محذراً من التوسل بجاه النبي أو الأموات أو طلب الشفاعة منهم لكونه شركاً لم يفعله السلف.

خاتمة بالدعاء للعالم والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بدعاء للعالم بالجزاء الحسن والجنة الواسعة والنفع بعلمه، ويسأل الله الرزق بالعلم النافع والعمل الصالح، مختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا سؤال وجه لشيخ العلم عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، يقول السائل فيه: يخلط بعض الناس بين التوسل بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومحبته وطاعته، والتوسل بذاته وجاهه، كما يقع الخلط بين التوسل بدعائه عليه الصلاة والسلام في حياته، وسؤاله الدعاء بعد مماته. قد ترتب على هذا الخلط التباس المشروع من ذلك بالممنوع منه، فهل من تفصيل يزيل اللبس في هذا الباب، ويرد به على أصحاب الأهواء الذين يلبسون على المسلمين في هذه المسائل؟ فأجاب رحمه الله: قال: أشك أن كثيرا من الناس لا يفرقون بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع، سبب الجهل قلة من ينبههم ويرشدهم إلى الحق. ومعلوم أن بينهما فرقا عظيما. فالتوسل المشروع هو الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، وخلق من أجله الثقلين، وهو عبادته سبحانه، ومحبته، ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومحبة جميع الرسل المؤمنين، والإيمان به وبكل ما أخبر الله به ورسوله من البعث والنشور والجنة والنار، وسائر ما أخبر الله به ورسوله. فهذا كله من الوسيلة الشرعية لدخول الجنة والنجاة من النار، والسعادة في الدنيا والآخرة. ومن ذلك: دعاؤه سبحانه، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، ومحبته، والإيمان به، وبجميع الأعمال الصالحة التي شرعها لعباده، وجعلها وسيلة إلى مرضاته، والفوز بجنته وكرامته، والفوز أيضا بتفريج الكروب وتيسير الأمور في الدنيا والآخرة. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾، وقال عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية. وهو العلم والهدى والفرقان، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ومن التوسل المشروع: التوسل إلى الله سبحانه بمحبة نبيه صلى الله عليه وسلم والإيمان به واتباع شريعته، لأن هذه الأمور من أعظم الأعمال الصالحة، ومن أفضل القربات. أما التوسل بجاهه صلى الله عليه وسلم، أو بذاته، أو بحقه، أو بجاه غيره من الأنبياء والصالحين، أو ذواتهم، أو حقهم: فمن البدع التي لا أصل لها، بل من وسائل الشرك. لأن الصحابة رضوان الله عليهم، وهم أعلم الناس بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبحقه، لم يفعلوا ذلك. ولو كان خيرا لسبقوا إليه. ولما أجدبوا في عهد عمر رضي الله تعالى عنه، لم يذهبوا إلى قبره صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يتوسلوا به، ولم يدعوا عنده، بل استسقى عمر رضي الله عنه بعم النبي صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب، أي بدعائه. فقال رضي الله عنه وهو على المنبر: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا»، فيسقون. رواه البخاري في صحيحه. ثم أمر رضي الله عنه العباس أن يدعو، فدعا، وأمن المسلمون على دعائه، فسقاهم الله عز وجل. وقصة أهل الغار مشهورة ومثبتة في الصحيحين، خلاصتها: أن ثلاثة ممن كان قبلنا آواهم المبيت والمطر إلى غار، فدخلوا فيه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، ولم يستطيعوا دفعها. فقالوا فيما بينهم: لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فدعوه سبحانه واستغاثوا به، وتوسل أحدهم ببر والديه، والثاني بعفته عن الزنا بعد القدرة، والثالث بأدائه الأمانة، فأزاح الله عنهم الصخرة وخرجوا. وهذه القصة من الدلائل العظيمة على أن الأعمال الصالحة من أعظم الأسباب في تفريج الكروب، والخروج من المضائق، والعافية من شرور الدنيا والآخرة. وأما التوسل بجاه فلان، أو بحق فلان، أو بذاته: فهذا من البدع المنكرة، ومن وسائل الشرك. وأما دعاء الميت والاستغاثة به: فذلك من الشرك الأكبر. والصحابة رضي الله عنهم كانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم، وأن يستغيث لهم إذا أجدبوا، ويشفع في كل ما ينفعهم، حين كان حيا بينهم. فلما توفي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يسألوه شيئا بعد وفاته، ولم يأتوا إلى قبره يسألونه الشفاعة أو غيرها، لأنهم يعلمون أن ذلك لا يجوز بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم. وإنما يجوز ذلك في حياته صلى الله عليه وسلم قبل موته، ويوم القيامة حين يتوجه إليه المؤمنون ليشفع لهم، ليقضي الله بينهم، وليدخلهم الجنة. بعدما يأتون آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فيعتذرون عن الشفاعة، كل واحد يقول: نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري. فإذا أتوا عيسى عليه الصلاة والسلام اعتذر إليهم، وأرشدهم إلى أن يأتوا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، فيأتونه فيقول: «أنا لها، أنا لها»، لأن الله سبحانه قد وعده ذلك. فيذهب ويخر ساجدا بين يدي الله عز وجل، ويحمده بمحامد كثيرة، ولا يزال ساجدا حتى يقال له: «ارفع رأسك، قل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع». وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وهو حديث الشفاعة المشهور. وهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله سبحانه في قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾. صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان، وجعلنا الله من أهل شفاعته، إنه سميع قريب. فخلاصة هذا الجواب: أنه بين رحمه الله تعالى التوسل المشروع، والتوسل الممنوع، الذي منه بدعي، ومنه شركي. لأن هذا الأمر قد اختلط والتبس على طوائف من الناس، وأهل البدع لبسوا على الناس، فأجازوا لهم التوسل الذي هو من النوع الممنوع، وقالوا: هذا من الجائز، وهو ليس كذلك، بل هو إما بدعي وإما شركي. وقد بين رحمه الله تعالى أن التوسل المشروع هو التوسل بأسماء الله وصفاته، والإيمان به جل وعلا، وبما جاء في كتابه وعلى لسان الرسول عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة». متفق عليه. وفي المسند عن ابن مسعود في دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي» إلى آخر الدعاء. ومن التوسل المشروع: التوسل بالأعمال الصالحة. ذكر هنا حديث أصحاب الغار الذين توسلوا بأعمالهم الصالحة: الأول ببر والديه، والثاني بعفة عن الزنى وقد قدر على ذلك، والثالث بأمانته في تثميره مال ذلك الرجل حتى جاء بعد وقت فاستاقه كله. وكذلك التوسل بالإيمان. قال الله جل وعلا في كتابه على لسان أهل الإيمان: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. وفي موضع آخر قال جل وعلا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. فهذا توسل بالإيمان بالله جل وعلا. والتوسل كذلك بالعمل الصالح الذي أعظمه الإيمان بالله جل وعلا وبأسمائه وصفاته. وهذا هو التوسل المشروع. التوسل بمحبة النبي عليه الصلاة والسلام، بمحبة آل البيت، بمحبة الصالحين، كل ذلك من الأعمال الصالحة. فالتوسل بالأعمال الصالحة قد دلت عليه الأدلة. وهذا التوسل بدعاء الحي الصالح: عمر هنا استسقى بالعباس، فدعا العباس. فهذا توسل بدعاء الحي الصالح. وقد كان يأتوا النبي عليه الصلاة والسلام في حال حياته فيطلبون منه أن يدعو الله جل وعلا أن يغيثهم، كما في حديث أنس الصحيح، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، التي دلت على أن من أنواع التوسل المشروع: التوسل بدعاء الحي الصالح الحاضر القادر. وأما التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، أو بجاه فلان، وبحق فلان، وبحق السائلين: فكل ذلك من التوسل الممنوع، الذي هو من وسائل الشرك. ولا حديث الواردة في مثل هذا: مكذوبة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها ما هو ضعيف جدا لا تقوم به الحجة. الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما كانوا يتوسلون بجاه النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بحق السائلين. ولا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام بعد موته، كما فعل عمر، وإنما يتوسلوا بدعاء العباس. فدعاء العباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا وقعت وقائع كذلك لحياة السلف، استسقى فيها أولياء أمور المسلمين بالصالحين ممن يظن إجابة دعائهم من الله سبحانه وتعالى. وأما التوسل الشركي: فهو دعاء الأموات، وطلب الشفاعة منهم، والاستغاثة بهم. وهذا ما كان عليه الكفار من التوسل بآلهتهم والصالحين الذين ظنوا فيهم الصلاح: كلات والعزة كلات، الذي كان رجلا صالحا. وكما قال جل وعلا عنهم في كتابه الكريم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وقال جل وعلا عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾. فمن وقع في مثل هذا وقع في الشرك الذي وقع فيه كفار قريش. فبين الرحمن جل وعلا بهذا الجواب الشافي الكافي الفرق بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع. جزاه الله خيرا، وأسكنه فسيحة جناته، ونفعنا الله جل وعلا بعلمه، ورزقنا جل وعلا العلم النافع والعمل الصالح. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.