الدرس في شرح فتح المجيد 62، ألقاها
يناقش ظاهرة التبرك بالأحجار والأشجار والأماكن المحددة وتأثير الشيطان في تزيين هذه الممارسات للناس. يشرح آراء أبي شامة في كتابه البدع والحوادث حول هذه الظاهرة.
يتناول تحذير أبي شامة وابن القيم من التبرك بالأشجار والأحجار والقبور واعتباره شركًا بالله. يوضح كيف يزين الشيطان هذه الممارسات ويعتبرها من الشرك الأكبر.
يتناول التحذير من الوقوع في الشرك والتشبه بأهل الجاهلية، ويشير إلى أهمية اعتبار المعاني في الأحكام الشرعية وليس الأسماء فقط. يحذر من قياس غير النبي صلى الله عليه وسلم عليه في أمور التبرك.
يؤكد على أن الواقع هو خير دليل على صحة ما سبق، ويعبر عن تواضع المتحدث واعترافه بعظمة الله تعالى. ينهي بذكر أدعية للتقرب من الله والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بأبي شامة في كتاب البدع والحوادث: ومن هذا القسم أيضًا ما قد عمل ابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة، تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك. ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من عيون وشجر وحائط وحجر. وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة، كعوينة الحمى خارج باب تومى، والعمود المخلق داخل باب الصغير، وشجرة الملعون خارج باب النصر، في نفس قارعة الطريق. تهلك الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث. قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بأبي شامة، إمام من أئمة السنة رحمه الله تعالى، وهو مشهور عند العلماء بأبي شامة. ومن أشهر كتبه كتاب «الباعث على إنكار البدع والحوادث»، وهو من الكتب العظيمة التي ينبغي لطالب العلم الاعتناء بها؛ لما فيها من بيان كثير من البدع والمخالفات. قال في كتاب البدع والحوادث: ومن هذا القسم -أي من قسم التبرك بالأحجار والأجسام ونحوها- ما قد عمل ابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة. وهذا يدلنا على أن ما يفعله هؤلاء الذين يعتكفون طلبًا للبركة من هذه الأحجار أو الأشجار أو القبور ونحوها إنما هو من عمل الشيطان، ومن تزيين الشيطان. الشيطان يزين لهم الباطل، ويزخرف لهم الباطل، يجعله بأحسن ما يكون. وهذا التزيين سبب لارتماء كثير من الناس في هذا الباطل. قال: ما قد عم الإبتلاء به من تزيين الشيطان للعامة، تخليق الحيطان والعمد. ومع تخليقها -أي تلبيتها- بوضع أكسية عليها، أشبه ما يكون بوضعها على الحرم، ولكنها مصغرة. ولعل بعضنا قد رأى ما يفعله عباد القبور على قبور من يزعمون أنهم أولياء، من تلكم الأكسية الفاخرة، وتلك الأعمدة التي في أطرافها نوع مما الله أعلم ما هو، من ذهب أو نحاس. المهم أنهم يعملون على تلك القبور أكسية فاخرة، وكذلك أعمدة فاخرة. ثم ترى بعد ذلك ما ترى من الشرك والعياذ بالله. قال: وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه. أي يحافظون على تلك السرج وتلك الأكسية، بل ويحافظون على زيارتها والعكوف عندها، في فترات زمنية معروفة معلومة. قال: مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك. يقول أبو شامة رحمه الله: وهذا حال كثير منهم؛ لأن كثيرًا من عباد القبور مبنى دينهم على الرؤى، وقل ما تكون الرؤى الشيطانية؛ لأن هذا من قبيل عمل الشيطان، وليس هو من قبيل الحق والخير والسنة. قال: ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها. إذن أول شيء يبنونه ويغطونه بأكسية، ويعملون عليه سرجًا، ثم الشيطان يتدرج بهم شيئًا فشيئًا، حتى يصل بهم الأمر إلى أن يسألوا تلك الصخرة أو تلك القبة أو تلك الشجرة أن ترزقهم، وأن تمدهم بأنواع من المدد، وأن تدفع عنهم الضر. فتصير هذه الشجرة أو تلك الحجرة أو تلك القبة كأنها الله رب العالمين، يطلب ويعبد ويستغاث به وينذر له، بل ويتضرع وينكسر الإنسان بين يدي تلك الشجرة انكسارًا عظيمًا. قال: وهي من عيون وشجر وحائط وحجر. هذا هو حقيقة هذه الأشياء، من عيون أي كانت من عيون المياه، يقول عيون مباركة، أو كانت من شجر أو حائط أو حجر أو نحو ذلك، يتقربون إلى هذه الأشياء، والشيطان يزين لهؤلاء الناس ما لا يخطر بالبال. قال: وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة، كعوينة الحمى خارج باب تومى، والعمود المخلق داخل باب الصغير، وشجرة الملعون خارج باب النصر، في نفس قارعة الطريق. قال: كيف الشجرة الملعونة؟ هم يتبركون بها. الجواب: هو سماها الشجرة الملعونة؛ وإلا عندهم فهي الشجرة المباركة عندهم. سماها ماذا؟ الشجرة المباركة. وأما أبو شامة رحمه الله تعالى فيقول: الشجرة الملعونة؛ لما يفعله الناس عندها من أنواع الشرك والعبادة لغير الله جل وعلا. قال: فما أشبهها بذات أنواط الواردة بالحديث. وذلك لأن الناس يطلبون منها البركة، يتبركون بها، ويرتمسون منها البركة. وهذا من الشرك بالله عز وجل، وهو من أعظم الشرك بالله جل وعلا؛ لما يصحب تلك الأعمال من هؤلاء من هذا المعتقد، من التعظيم والعكوف وطلب جلب النفع منها أو دفع الضر منها. وهذا لا يكون إلا لله جل وعلا، ولا يكون إلا من الله جل وعلا، فهو من الشرك الأكبر الصريح. قال ابن القيم رحمه الله تعالى نحو ما ذكره أبو شامة، ثم قال: فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت. ويقولون: إن هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه العين تقبل النذر -أي تقبل العبادة- من دون الله؛ فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له. قال الشارح رحمه الله: وفي الجملة من الفوائد: أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك. ولا يغتر بالعوام والطغام. ولا يستبعد كون الشرك بالله يقع في هذه الأمة. قال: فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك حسنًا وطلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بيّن لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل: «اجعل لنا إلها كما لهم آلهة». فكيف لا يقفى على من هو دونهم في العلم والفضل بأضعاف مضاعفة، مع غلبة الجهل وبعد العهد بآثار النبوة؟ بل خفي عليهم عظائم الشرك في الإلهية والربوبية، فأكثروا فعله واتخذوه قربة. قال: ومنها أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء. ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم طلبهم كطلب بني إسرائيل، ولم يرتفع إلى كونهم سموها ذات أنواط. وهذه قاعدة من قواعد الشريعة المهمة: أن العبرة بالمسميات والمعاني، وليس العبرة بالأسماء. قال: فالمشرك وإن سماه شركه ما سماه، كمن يسمي دعاء الأموات والذبح لها والنذر ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة، فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه. وقس على ذلك. قال: قوله: «لتركبن السنن من كان قبلكم» -ضم الموحدة وضم السين- أي طرقهم ومناهجهم. وقد يجوز فتح السين على الإفراد، أي طريقهم. وهذا خبر صحيح، والواقع من كثير من هذه الأمة يشهد له. قال: المراد الموافقة في المخالفة والمعاصي، وليس المراد الموافقة في الكفر. فالغالب في الناس أنهم على هذا الشكل، لا سيما من كان من أهل الإيمان، تجده يوافق هؤلاء في المخالفة في هذه الأبواب، ولا يريدون -لا من قريب ولا من بعيد- أن يوافقونهم في الكفر بالله عز وجل، ولكن يوافقونهم في مخالفة الأمر، وكذلك يوافقونهم في المعاصي. قال: وفيه علم من أعلام النبوة؛ من حيث أنه وقع كما أخبر صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث النهي عن التشبه بأهل الجاهلية وأهل الكتاب فيما كانوا يفعلونه، إلا ما دل الدليل على أنه من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. قال: وفيه التنبيه على مسائل القبر. أما من ربك فواضح. وأما من نبيك فمن إخباره بأنباء الغيب. وأما ما دينك فمن قولهم: «اجعل لنا إلها» إلى آخره. قال: وعما ادعاه بعض المتأخرين من أنه يجوز التبرك بآثار الصالحين، فممنوع من وجوه. منها أن السابقين الأولين من الصحابة ومن بعدهم لم يكونوا يفعلون ذلك مع غير النبي صلى الله عليه وسلم، لا في حياته ولا بعد موته. ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. قال: فلا يجوز أن يقاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الأمة. وللنبي صلى الله عليه وسلم في حال الحياة خصائص كثيرة لا يصلح أن يشاركه فيها غيره. قال: ومنها أن المنع عن ذلك سدًا لذريعة الشرك؛ كما لا يخفى. إن كان هؤلاء يقولون: يجوز إن لم يكن بتعبد، فإن غيرهم لا يأتون ولا يعرفون هذا الأمر. والواقع خير شاهد. والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.