الدرس في أداء الحقوق 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتفاوت حقوق المسلمين حسب درجة تمسكهم بدين الله، فكلما كان المسلم أقرب إلى الله زادت حقوقه. يُشدد على أهمية التفصيل في هذه المسألة لتجنب الإفراط أو التفريط.
الهجر في الإسلام له ضوابط حتى لا يتحول إلى ضرر، يجب أن يكون التأديب كافيا ومقتصرا على رؤوس المبتدعة والداعين إلى الضلال. ينبغي التمييز بين الداعية وغير الداعية عند تطبيق الهجر.
الدرس ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُقر بعلم الله تعالى وأفضليته.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمواصلة إخواني في الله فيما يتعلق بدروس مضت وخلت، فتتعلق بمعرفة القواعد الهامة التي تبصرنا في معرفة حقوق المسلمين بعضهم لبعض. ولسنا نحن بصدد ذكر هذه الحقوق، وإنما ذكر قواعد تحكم بها هذه الحقوق. وقاعدة الأخيرة التي مرت معنا وهي معرفة أن الرابطة التي تربط بين المسلمين، ومنها تؤتي هذه الرابطة أكلها، وهي أن نعلم أن ربنا جل وعلا جعل رابطة الأقوى هي الرابطة الإيمانية بين المسلمين جميعا، فالمسلمون أخوة في دين الله سبحانه وتعالى، كما في قوله تعالى ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾. والقاعدة الثالثة والرابعة والخامسة في هذا الباب قاعدة مهمة كذلك، الناس غفلوا عنها إما جهلا وإما قصدا. فهذه القاعدة تدور على معرفة أن الحقوق التي تؤدى للمسلمين هي ليست متساوية. نعم، نحن نذكره في كلماتنا العامة بأن ينبغي المسلم أن يعطي إخوانه المسلمين حقوقهم كاملة مكملة، هذا الأصل. لكن هناك تفصيل، فنجد أن أدلة شرعية دلت على أن بعضا من المسلمين لا يستحقون أن تعطى حقوقهم كاملة، بل لا بد أن تنقص. والناس في هذه المسألة على طرفين نقيض، فمن الناس من عنده إفراط في هذا الباب، فيعطي لكل أحد حقوقه الكاملة، يعطي لكل من عاشره حقه الكامل، بغض النظر سواء كان عابدا صالحا أو كان فاجرا ماجنا. وبالمقابل، هناك تفريط من الناس، من فرط في حقوق المسلمين، فلا يعطي للناس حقوقهم، بل بالعكس، هضم حقوق الناس، وتعدى عليها، كما نرى من كثير من أحوال المسلمين للأسف، أنهم يعتدون بعضهم على بعض، متناسين هذه الحقوق. والدليل العام والخاص دل على عظم هذه الحقوق، وخاصة ما يتعلق بالدماء والأموال والأعراض، ولها مزية خاصة، وأنه يجب أن تحفظ، قال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا». فهذه الأحاديث تدل على وجوب حفظ هذه الحقوق وجوبا، ولا تنتهك، وأن أي انتقاص منها فإن صاحبه في إثم عظيم في دنيا أو في أخرى. ولسنا نحن في هذا المجال في ذكر هذه العواقب الوخيمة، لكن أردنا أن نبين في هذه المقدمة أن نعلم أن الناس إزاء حقوق المسلمين هم على طرفين نقيض. فمن الناس من يعطي الحقوق كما يزعم كاملا لكل أحد، ومن الناس من يتعدى على حقوق المسلمين. والصحيح في هذا الباب التفصيل، وهي أن المسلم يتحصل على حقوقه كاملة وذلك على قدر تمسكه بدين الله جل وعلا، وعلى قدر قربه من الله سبحانه وتعالى. وكلما كان العبد المسلم على هذه الحال من إقبال على الله جل وعلا، فوجب على المسلمين أن يؤدوا إليه حقه في كل شيء. وأما إن اتضح من هذا المسلم المجاوزات والمخالفات وانتهاك الحرمات والابتعاد عن دين الله جل وعلا، فإن حقوقه تنقص، ولا تؤتى كاملة، ولا تعطى له كاملة. ويدلنا على ذلك ما ذكره العلماء بباب الهجر، هذا الباب إخواني في الله، من تأمل فيه هو عبارة عن نقصان لحق المسلمين. رجل الأصل أنك تعطيه حقه كاملا، لكن لما وقع في مخالفات، وقع في موبقات، ماذا أجمع العلماء على أنك تهجره من الهجران، أنك لا تكلمه ولا تجالسه، وأنك لا تصاحبه ولا تماشيه، بل ولا تعوده إذا مرض. هذا المعنى أنك أنقصت حقه. لماذا أنقص من حق هذا المسلم؟ هو مسلم نزيل في سلك الإسلام، لماذا أنقص من حقه؟ على قدر بعده عن ربه سبحانه وتعالى. بهذا نعلم إخواني في الله أن حقوق المسلمين الأصل أنها تؤدى كاملة مكملة، إلا إذا وجد من هذا العبد التقصير في دين الله جل وعلا، فإنه حينها ينقص من حقه. والدليل على ذلك إجماع العلماء على هجر المبتدع، وعلى هجر أصحاب الموبقات العظام والبدع الطوام. ندخل في موضوع له علاقة بهذا الموضوع، وخاصة أننا تطرقنا إلى موضوع الهجر. وهذا الموضوع إخواني في الله تقع فيه ملابسات لابد أن توضح. موضوع الهجر لا يمكن أحد أن يلغيه، لا يمكن أحد أن يحذف هذا الباب من الشريعة، بل هو دين وهي ديانة يتقرب بها العبد إلى ربه جل وعلا بأن يهجر من لا خير فيه. والأدلة الكتاب والسنة وإجماع السلف دائرة على مشروعية الهجر، لكن ينبغي الانضباط ببعض الضوابط إخواني في الله. فمن الضوابط الذي ينبغي أن نفهمها إخواني في الله في باب الهجر أن الهجر إنما شرع للتأديب، كما يقول العلماء. وهذا من أعظم مهام الهجر، أنه يجعل للتأديب، شرع لكي يجعل هذا المخالف ينزجر. إذا ما نزجر بالنصيحة، منزجر بالموعظة، منزجر بالترغيب والترهيب، حينها لا محالة من الهجر. فإن وجد أن الهجر مثل في تأديبه وتأديب غيره، يتخذ هذا الأسلوب، فهو أسلوب للتأديب. إذن إذا علمنا أنه يحقق الغرض من الهجر هو التأديب، فإذن إذا وجد أن هذا الشخص قد أدب، إذن لا بقاء للهجر بعدها. هذا أمر، والأمر آخر، إذا وجد أن هذا التأديب يحصل بفرد أو باثنين أو بثلاثة، إذن يكفي هؤلاء، ولا داعي أن يقحم جميع الأفراد في هذا الباب. الدليل على ذلك ما جاء في الصحيح في قصة ذاك الرجل الذي قتل نفسه، فأراد الناس أن يصلوا عليه، وطلب من نبينا أن يصلي عليه، قال عليه الصلاة والسلام بعدما ترك الصلاة: «صلوا على صاحبكم». فإذا وجد أن مخالفا من المخالفين، وكان التأديب من جهة معينة كافية، يكفي هؤلاء، والبقية تبقى على حقها، تؤدي حق المسلم حقه كاملا موفى. إن كان التأديب يحصل، أما إذا كان التأديب لا يحصل إلا بمجموع الناس، فهذا أمر آخر. الأمر الثاني إخواني في الله أن نعلم أن مجال الهجر أمره ضيق، أمره ضيق جدا. ولك أن تعرف ضيق هذا الباب من خلال سيرة عليه الصلاة والسلام، فنبينا هو الذي شرع الهجر، لكن لو ترى في خلال سلوكه واتخاذ لهذه الطريقة التأديبية، نجد أنه ما فعلها إلا لقلة من الناس. ولو أحد راجع إلى سنته ورجع إلى سيرته، لعلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام ما طبق الهجر إلا في ثلاثة، وهم الذين خلفوا، طبق النبي عليه الصلاة والسلام نظام الهجر عليهم. مع أن قد وجد مخالفون من قبل ومن بعد، لكن ما هجرهم نبينا. فبهذا نعلم أن الهجر نطاقه ضيق لمصلحة عظيمة. أما ولأمر كذا، وليس لكل أمر كما نرى الآن، البلاء والتهمة والحكم بالهجر أصبح يعني يأخذ بالعشرات، بالمئات، يهجر فلان بمن معه، يهجر فلان بمن معه ومن حوله هم أتباعه، فأصبح المئات والمئات يهجرون. ونحن في زمن غربة، ونحن في زمن كربة، ونحن في زمن قلة، ونحن في زمن استضعاف، إذا ما بقي من يبقى المسلم إلا ترك هؤلاء كلهم. كم هم العصاة في هذا الأزمان؟ كم هم المخالفون في هذا الأزمان؟ كثر، بل هم الغالب في الشعب، هم الغالب في الأمة، المخالفة هم الغالبة وهم الكثرة وهم الغلبة. إذا هجر هؤلاء وهؤلاء، من سيعيش في الدنيا؟ لابد أن نراعي، بل كان سلفنا الصالح في أزمان من كان مخالفا لهم، ومع ذلك كان يعاشرون الكل، يعاشرون الكل، فما يتخذون نظام الهجر إلا في نطاق ضيق، اقتداء بنبينا عليه الصلاة والسلام. أما ما نسمعه من بعض الإرشادات والتوجيهات يهجر تلك الفرقة ويهجر ذاك الرجل، وقد يكون أخطاؤه ليست أخطاء داعي لهجره، كما نرى من بعض معاشرة المسلمين بعضهم لبعض، لربما تكون أمورا شخصية، أمور نفسية، مصالح دنيوية على متاع زائل، على أغراض شخصية، أو على متاع الفقهية، على متاع اجتهادية يقع عليها هجر وهجران وعداء وبغضاء، هذا لا يتأتى. ما ينبغي إخواني في الله أن يكون هذا المجال أن المجال الهجر يقحم في هذه المضامين، وإنما الهجر مجاله ضيق في وقته وفي استخدامه وفي استعماله كذلك. إخواني في الله، مما يؤكد عليه في باب الهجر أنه ننظر في حال سلفنا في تطبيقهم لهذا النظام، عندما نطبقه، هل طبق لكل أحد وعلى كل أحد؟ على الصغير والكبير، وعلى الرأس وغير الرأس؟ وإنما كان هجرهم على الرؤوس، هجرهم على الرؤوس. ومن نظر إلى سيرة سلفنا الصالح، لا رأيت تلكم المقالات الكثيرة عنهم أنهم كانوا يصرحون بهجر ذا وهجر ذا. وهذا كلمة «ذا» لو أنك نقشت ونبشت عن سيرته، لعلمت أنه رأس، أنه رأس في البدعة، من أمثال بشر المريسي، و«جهن بن صفوان»، و«الجعد بن درهم»، وغيرهم من رؤوس المبتدعة من الجهمية والمعتزلة، و«واصل بن عطاء»، وغيرها. أو لا تجد أن الرؤوس ومن كان داعية، داعية سخر وقته وسخر علمه للتضييق وللتشويه وللتشهير بأهل السنة، وبالتضييق معالم دين، هذا كذلك يناله هجر أهل السنة له. إذن نلاحظ أن نظام الهجر إخواني في الله ضيق حتى في تطبيقه، ضيق حتى في تطبيقه. أما الآن إخواني في الله، نجعل الهجر يشمل الجميع، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعالم والجاهل، والداعية وغير الداعية. ما كان أهل السنة بل حتى في رواية الأحاديث يفصلون بين الداعية وبين غير الداعية. ومن ينظر إلى بعض الصحاح، البخاري ومسلم، يرى أن أهل السنة من كان يروي عن بعض المخالفين من هم من أهل البدع، معنى الرواية عنهم أنهم يجلسون في مجالسهم ويحدثون عنهم. وكانوا يفرقون لابد من التفريق، من التفريق في المجالسة والمحاكاة والتسميع والتشهير به والتحذير منه والهجر، لابد من التمييز بين هذا وبين ذاك. أما ما نرى في هذا الأزمان من عموم البلاء، تجد أن أصبح الهجر ليس فقط ينصب على المخالف، بل ينصب على المخالف ومن يماشي المخالف، ومن يبيع لهذا المخالف، ولمن يشتري من هذا المخالف، حتى أصبح كل من له مساس بهذا المخالف يهجر. حتى يهجر يعني هذا إخواني الفوضى العلمية الذي ليست لها حظ من النظر، وليس لها دليل من الشرع. وما كان هذا عليه فعل سلفنا الصالح، صحيح أن السلف كان يشهد نكيرهم على رؤوس المبتدعة، من خبث حاله، من خبث نيته وخبث سريرته وطويته، هذا الذي يشتد عليه النكير، أنه إذا رجل إمعة، إمعة ليس له في زمام، ليس له في حلبة مناظرة، ليس له عنده علم شرعي ينفع، ويجادل اللهم إلا يتابع. فهذه إخواني في الله مسائل الهجر مسائل كثيرة، لكن ينبغي التنبه لها، التنبه لهذه المسائل. وقد تكلم العلماء في المطولات في كتب المعتقد حول ما يتعلق بمسائل الهجر، ومن هذا الذي يهجر؟ وكيف تطبيقه؟ أن لا يكون مسألة عبارة عن مسائل شخصية، من أحببته وقربته، ومن تركته وهجرته، الأمر ليس شخصيا يا عبد الله، بل الأمر تعبدي، الأمر تعبدي يقوم لله ولدين الله ولذات الله سبحانه وتعالى، لا لذواتنا ولأشخاصنا، ولا إلى آرائنا، ولا إلى أذواقنا. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.