الدرس في شرح الفرائد البهية 33، القاعدة الثامنة:حريم الشيء بمنزلته. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القاعدة الثامنة تنص على أن حريم الشيء بمنزلته، واستدلالها من حديث النعمان بن بشير. هذه القاعدة تشير إلى أن ما يحيط بالشيء يأخذ حكمه.
حريم الواجب يعتبر واجبًا، وحريم الحرام يعتبر حرامًا، مع تقديم أمثلة مثل غض البصر وعدم الخلوة بالمرأة الأجنبية. الوسائل لها أحكام المقاصد.
حريم المسجد يتبع أحكام المسجد، واختلاف العلماء في تحديده. كما ناقش المقطع حكم الرحبة في المسجد وتفاصيل فقهية متعلقة بها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الناظم رحمه الله تعالى: القاعدة الثامنة حريم الشيء بمنزلته، قال: وللحريم يحكم ما قد جعل له حريمًا حسب ما تأصل وأصلها الحلال بين إلى آخره من الحديث اتصل، ويدخل الحريم في المحتم جزمًا، وفي المكروه والمحرم، وكل ما حرم فالحريم له دومًا حكمه التحريم، إلا حريم دبر الزوجة ما يكون ما بين أليتيها فعلم، والملك في الحريم للمعمور لمالك المعمور في المشهور، ثم حريم المسجد اجعل حكمه، قال: ثم حريم المسجد اجعل حكمه كحكمه فيما له من حرمه. قلت: وقال غيرك ابن حجر لم يكُ كالمسجد وهو المعتبر، كذاك في الرحبة الخلف نقل، كذاك في الرحبة الخلف نقل، وهي التي تبنى له إذ تتصل، وعدها منه إليه يذهب فيما حكى الجمهور وهو المذهب. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه القاعدة الثامنة من القواعد الكلية الجزئية، وهي كذلك عند الكثير من أهل العلم، ليست من القواعد الكلية حسبما أن تكون قاعدة أو دون ذلك. ومعنى القاعدة: حريم الشيء بمنزلته، أي ما يحيط بالحرمة، وهو يختلف، فالمراد بالحريم ها هنا حدود حرمته التي يلحقه حكم أصلها. فحريم الشيء بمنزلته يعني حدود الشيء بمنزلة الشيء، فإن كان واجبًا فواجب، أو حرامًا فحرام، أو مكروهًا فمكروه، أو حلالًا فحلال. ثم قال: وللحريم حكم ما قد جعل له حريمًا حسب ما تأصل، هذا هو لفظ هذا معنى لفظ القاعدة بالنظم، يعني: للحريم حكم ما قد جعل له حريمًا حسب ما تأصل، يعني لهذا الحدود الذي هو حول الأصل حكمه حكم أصله؛ لأن له من الحرمة ما لحرمة أصله. وقوله: حسب ما تأصل، أي بحسب أصله، كما تقدم حرمة الواجب واجب، وحريم الحرام حرام، وحريم المكروه مكروه، وهكذا. ثم قال: وأصلها الحلال بين وأصلها الحلال بين إلى آخره من الحديث اتصل، يعني دليل هذه القاعدة، فالأصل هنا المراد به الدليل حديث الحلال بين إلى آخره، يعني حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات...» والشاهد منه: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه». ويدل عليه كذلك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم من حرمة لكل شيء، فجعل حرمة الشجرة طول أغصانها، كما هو معلوم في مسائل الفقه، وجعل للبئر حرمة، وجعل لما بين الجيران حرمة، على تفاصيل كثيرة تذكر في كتاب البيوع في مسائل حريم كل شيء. فقال: ويدخل الحريم في المحتم جزمًا، وفي المكروه والمحرم، ومراده المحتم الواجب، يعني: يدخل حكم الحريم في حكم الواجب. ومثلوا له بأمثلة، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا من حريم الواجب، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهو بمعنى هذا الحريم. وهكذا كذلك قوله: ويدخل الحريم في المحتمي جزمًا، أي الواجب. وفي المكروه والمحرم كذلك، في المكروه وفي المحرم، فقربانك من حدود أخيك المسلم مما يوقعك في الخصومة، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتقاء ذلك: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه». ومعناه: ابتعد عن الحمى لا ترعى غنمك في موضع الحمى، وهكذا كذلك المحرم فحرمة وحريم المحرم محرم، ولكن هذا يقيد كما سيأتي إن شاء الله بالدليل، فإذا دل الدليل أن حرمة المحرم محرم فنعم، وإن كان لا فلا. هذا بالنسبة للمكان، أما بالنسبة لما يوصل ويفضي إليه فهذا صحيح، فما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب، مثل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فقال: وكل ما حرم فالحريم له دومًا حكمه التحريم، يعني: كل ما جاء حكمه أنه حرام فحريمه له دائمًا حكم ذلك الحرام، يبقى هذه القاعدة الصحيحة بشرط أن يثبت أنه حريم له. فإذا ثبت أنه حريم له فنعم، كل ما يفضي إلى الحرام فهو حرام، وكل ما لا يتم الحرام إلا بتركه فتركه واجب. حرم الله الزنا وحرم كل ما يفضي إلى الزنا، من ذلك النظر إلى المرأة الأجنبية، ونظر المرأة للرجل الأجنبي، فأمر بغض البصر، وعفى عما لا يملكه الإنسان من نظر الفجاءة، كما قال لعلي: «إنما لك النظرة الأولى، والثانية ليست لك». ومثل ذلك الخلوة بالمرأة الأجنبية: «ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما»، ومثل سفر المرأة من دون محرم، وقس على ذلك أشياء كثيرة حماية لعدم الوقوع في هذه المعصية والجريمة والفاحشة. فحريم الحرام حرام، وهكذا قل كذلك فيما هو بمعنى، فالوسائل لها أحكام المقاصد، وليست الغاية تبرر الوسيلة، فرق بين القاعدتين. الوسائل لها أحكام المقاصد، ما يتوصل به إلى الواجب فالوسيلة إليه واجبة، وما يتوصل به إلى الحرام فالوسيلة إليه حرام، وهكذا قل في غيره من الأحكام الخمسة. وليست الغاية تبرر الوسيلة، غايتك حسنة لا يكفي بأن تستعمل أي وسيلة بحجة أن نيتك وغايتك حسنة، فلابد أن تكون الوسيلة كذلك حسنة. وهذه قاعدة شيطانية يلبس بها بعض أهل الجهل وأهل السوء بسوء قصد أو بجهل وغفلة، فيستخدم هذه القاعدة في الوقوع في الحرام فيحللون ما حرم الله. ثم قال رحمه الله: إلا حريم دبر الزوجة ما يكون ما بين أليتيها فعلم، يعني: محرم على الرجل أن يأتي المرأة من مؤخرتها، ولا يعني ذلك حرمة الاستمتاع بين الإليتين والفخذين، وهذا على أصل الإباحة، لكن إذا كان سيؤدي ويفضي إلى الحرام فهو حرام كما تقدم. ثم قال: والملك في الحريم للمعمور لمالك المعمور في المشهور، كذلك فيما يتعلق بالملك، فإذا كان له ملك في موضع، وسواء أكان أراد بذلك شيئًا حسيًا أو معنويًا، فإن كان أصله حلالًا فحريمه حلال، وإن كان حرامًا فحريمه حرام. ومعنى الحريم أي حدوده، ولكن هذا يعلم بالدليل، إذا أردنا به الشيء الحسي فالشرع جعل لكل شيء حسي حريم على ما هو مذكور تفصيله في كتب الفقه. ثم قال: ثم حريم المسجد اجعل حكمه كحكمه فيما له من حرمة، يعني: اجعل حكم حريم المسجد كحكم المسجد. وللمسجد أحكام، من هذه الأحكام وهناك أحكام متفق عليها وأحكام مختلف فيها، فمن المتفق عليها أنه يجب أن يحافظ على طهارتها، فلا يجوز إلقاء النجاسة فيها، ومن هذه المتفق عليها لا يجوز البيع والشراء فيها، ومن هذه الأحكام المتفق عليها لا يجوز إن شاد الضال فيها، وغير ذلك مما دلت عليه الأدلة واتفق عليه العلماء. وهناك مسائل مختلف فيها مثل دخول الجنب والحائض وتحية المسجد ونحو ذلك مما فيه خلاف. فيقول: حريم المسجد حكمه كحكم المسجد، لكن ما هو حريم المسجد؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أن الحريم للمسجد هو ما يسجد فيه، فحكمه حكمه. فمثلاً مسجدنا هذا هو المسجد الأصل، وهذا الضاحي حريم المسجد، الضاحي حريم المسجد، فإن كان الضاحي مما يصلى فيه أحيانًا فله حكم المسجد، وهذه مسألة خلافية. والصحيح من أقوال أهل العلم أنه ما يشمله معنى السجود، فالمسجد سمي مسجدًا لأنه يسجد فيه، فالمكتبة مثلاً ليس من حريم المسجد، فليس لها أحكام المسجد على الصحيح من أقوال أهل العلم، والمسألة فيها خلاف. والضاحي الذي يصلى فيه من حريم المسجد؛ لأنه يصلى فيه، فله حكم المسجد، والحوش الذي لا يصلى فيه إن كان للمسجد سور فهو ليس من حريم المسجد. فإذًا لابد أن نعرف الضابط في حريم كل شيء، وبعض هذه الضوابط دلت عليها أدلة صحيحة، وبعضها ضعيفة في محل اجتهاد، وبعضها ليس فيها ضابط أصلاً فلا حريم له، إذن هي ثلاثة أقسام. ثم قال رحمه الله: قلت: وقال غيره كابن حجر لم يكن كالمسجد وهو المعتبر، يعني: هذه مسألة اختلف فيها كما سمعنا، فخالف ابن حجر، فقال: حريم المسجد لا يكون كالمسجد، وهو المعتبر. والصحيح في هذا التفصيل كما تقدم، قال: كذاك في الرحبة الخلف نقل، وهي التي تبنى له إذ تتصل. رحبة المسجد مثل الضاحي، لكن الرحبة في الغالب لا يصلى فيها، مثل رحبة مسجد قباء أو رحبة مسجد ذي الحليفة لمن ذهب إلى هناك. تعرفون الرحبة قبل أن تدخل إلى المسجد، بينما كان الوضوء والمسجد أرض مبلطة فيها بعض الأشجار، هذا رحبة المسجد، فمثل هذه الرحبة كما ذكر فيه خلاف، وهي تبنى له فتتصل، واختلف فيها. والصحيح ما تقدم، إن كانت الرحبة مما يصلى فيها فحكم المسجد، وإن كان مما لا يصلى فيها فليس لها حكم المسجد. ثم قال رحمه الله: وعدها منه إليه يذهب فيما حكى الجمهور وهو المذهب، يعني: قول أكثر الشافعية والمتن وصاحب الأصل من الشافعية، عد ذلك أنه منه، يعني: أن الرحبة من المسجد، فله حكم المسجد. والصحيح في هذا كما تقدم التفصيل، فإن كان مما يسجد فيه ويصلى فله حكم المسجد، وإن كان مما لا يسجد فيه ولا يصلى فليس له حكم المسجد. نكتفي اليوم بهذا، والحمد لله رب العالمين.