لا تكن في الفتن فراش نار أو ذباب طمع

الخطبة بعنوان لا تكن في الفتن فراش نار أو ذباب طمع، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٢ ذو القعدة ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الابتلاء والفتن

يشرح الشيخ أن الله يبتلي عباده لينظر كيف يعملون ويحذر من الفتن التي تظهر في آخر الزمان. الحرص على العلم النافع هو من أعظم أسباب النجاة منها.

سبل النجاة من الفتن والأمر بالمعروف

الحرص على اتباع العلم والهدى ونصائح العلماء هو السبيل للنجاة من الفتن، بينما العواطف وحدها لا تكفي. كما يُشدّد على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لنيل الخيرية.

دعاء بالغيث والإيمان في ختام الدرس

يتضمن المقطع الأخير دعاءً بالغيث والإيمان والعلم، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. الدعاء يشمل طلب الرحمة والمطر والرضوان من الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. يذكر ربنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه سبحانه وتعالى يبتلي عباده، يبتليهم بالخير ويبتليهم بالشر، يبتليهم بالسراء ويبتليهم بالضراء. ولله سبحانه وتعالى حكمة عظيمة فيما يبتلي به عباده. فإنه يبتلي عباده جل وعلا بالسراء فينظر: أشكرون أم يكفرون؟ ويبتلي سبحانه وتعالى بالضراء فينظر: أصبرون أم يكفرون؟ فإذا كان كذلك، كان حال المؤمن مع السراء الشكر، ومع الضراء الصبر. وليس ذلك إلا للمؤمن. كما قال صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». عباد الله، لقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من فتن تكون في آخر الزمان، فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ستكون فتن القائم فيها خير من القاعد، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي. من استشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به». عباد الله، إن من أعظم أسباب النجاة من، من أعظم أسباب النجاة من الفتن، الحرص على العلم النافع، علم الكتاب والسنة. فبالعلم الشرعي تقف المواقف الشرعية الصحيحة، فتسلم وتغنم. بينما غيرك يتخبط في ظلمات الجهل، وفي ظلمات الشهوة، وظلمات الشبهة، يدعوه دعاة السوء والضلال، ودواعي الفتن، فيكون من حطب تلك الفتن ونارها. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فبين ربنا جل وعلا أن من وفقه للعلم والهدى في هذا الدين، فهو الحي الحياة الحقيقية، وهو يمشي في نور يضيء لنفسه ويضيء لغيره. ومن حرم العلم والهداية من هذا الدين، فلا يزال يتخبط في ظلمات الجهل، وظلمات الشهوات، وظلمات الشبهات. وفي الحديث الصحيح: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالفتن التي تكون في آخر الزمان، ذكر من وصف ذلك الزمان أنه يكثر فيه الجهل، ويرفع فيه العلم. ففي الحديث الصحيح أيضًا: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». عباد الله، إن من أعظم أسباب النجاة من الفتن، الحرص على السماع لنصائح ووصايا العلماء الربانيين، الذين يدلون على الرب سبحانه وتعالى بعلمهم المأخوذ من الكتاب والسنة، ويدلون على الرب سبحانه وتعالى بأعمالهم وأخلاقهم ومواقفهم. فأمثال هؤلاء يُحرص على نصائحهم، ويُؤخذ بتوجيهاتهم. فإن الفتنة إذا أقبلت لم يعرفها الناس، وإنما عرفها العلماء. فإذا أدبرت عرفها كل أحد. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «إذا أقبلت الفتن لم يعرفها كل أحد، حتى إذا أدبرت قال: عرفها أهلها». ونحو هذا عن ابن المبارك والثوري وجماعة من السلف. عباد الله، إن مما يوقع الناس في الفتن، أن يغرر بدعاة السوء والضلال، وأن تجره الحماسات والعواطف، وأن يقيس الأمور بغير مقاييسها الشرعية. فليست العواطف معيار الصواب من الخطأ، ولا الكثرة معيار الصواب من الخطأ، ولكن العلم والهدى الذي أنزله الله سبحانه وتعالى. ففي الفتن يغتر الكثير من الناس بالحماسات والعواطف، فتجره تارة بدعوات شعوبية، ودعوات عنصرية، ودعوات تنسب إلى دين الله، ودين الله منها بريء. عباد الله، إن من الناس من يهلك مع الهالكين، ولو كانت نيته حسنة. فالنية الحسنة وحدها لا تكفي للسلامة في الدنيا والآخرة من عذاب الله وغضبه. ولكن الاستقامة الصحيحة على دين الله جل وعلا وشرعه هي التي تنجي الناس في الدنيا، وكذلك في الآخرة. عباد الله، إن مما يوقع الناس في الفتن، طمعه في شيء من الدنيا. فإن بعض الناس يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، ويظن أنه ينجو منها، وما يدري أنه يهلك مع الهالكين. روي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «إن من الناس من يكون في الفتن يذهب بدرهمين ويأتي بدرهمين، يعني أن الدراهم تسيره، تذهب به وترده». ففي الفتن الناس أصناف: منهم من هو حطب جهنم، يخرجه المال اليسير الحقير ويهلكه مع الهالكين. ومنهم من هو فراش نار وذباب طمع. كما قال عليه الصلاة والسلام: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا، فجعل الجنادب والجراد والفراش يقعن فيها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي». عباد الله، وإن الفتن يعظم أمرها ويزيد وزرها وخسارتها في الدنيا والآخرة إذا كانت فيها الدماء المعصومة، التي أمرها عظيم وشديد. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. فالحذر الحذر أن تعين على قتل أهل الإسلام بكلمة أو فعل، فتخسر الدنيا والآخرة. وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يسفك دمًا حرامًا. فإذا سفك دمًا حرامًا، ضاقت عليه». قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «قل أن يقتُل أحد نفسًا محرمة، أن تكون له خاتمة حسنة». فالحذر الحذر معاشر المسلمين أن تكون من هؤلاء الذين ينالون هذا الوزر العظيم، فيخسر الدنيا ويخسر الآخرة. عباد الله، إن مما يجب علينا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر بحسب استطاعتنا، وأن ننصح لكل مسلم بحسب استطاعتنا. ففي صحيح مسلم عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فخيرية هذه الأمة بالتواصي بالحق، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبهذا يرفع العذاب والعقاب عنا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. فلا يكفي أن تكون صالحًا في نفسك، بل ينبغي أن تجتهد وتحرص على إصلاح غيرك. نسأل الله جل وعلا أن يجنبنا ويجنب بلادنا هذه وسائر بلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم جنب بلادنا هذه وسائر بلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن يا رب العالمين. اللهم أصلح ولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا وللمسلمين، وأصلحنا وأصلح حوائج المسلمين. اللهم أغثنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا نافعًا غير ضار يا رب العالمين. اللهم أغثنا بغيث الإيمان، وأغثنا بغيث العلم والإيمان، وأغثنا بغيث السماء بالمطر والرضوان يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.