الدرس في شرح مسائل الجاهلية 37، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول موضوع تحريف كتاب الله من قبل أهل الكتاب، واستشهاد المؤلف بآية قرآنية تدين تحريفهم لكلام الله بعد فهمهم له. كما فسر معنى التحريف لفظيًا ومعنويًا.
التحريف نوعان: لفظي ومعنوي، وقد وقع أهل الكتاب في التحريف اللفظي بتغيير ألفاظ الأوامر الإلهية. التحريف المعنوي يتمثل في تغيير معنى اللفظ مع الإبقاء على ظاهره، مع ذكر أمثلة على ذلك.
يتحدث المقطع عن تحريف اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل، وتحريف بعض المسلمين لمعاني القرآن الكريم، مع ذكر أمثلة على ذلك مثل حذف أو تغيير كلمات في الآيات القرآنية لتوافق معتقداتهم البدعية.
يذكر أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أشار إلى فرقة تحرف القرآن بفهمه وفق معانيها الخاصة، ويعتبر هذا تحريفا. يدعو الله أن ينفع بما قيل ويجعلنا من أتباع أحسن القول.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادسة والعشرون: تحريفوا كتاب الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. هذه الفقرة، إخواني في الله، أخبر فيها المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق ببعض خصال أهل الجاهلية، والتي فيها مشابهة لمن كان قبلهم من أهل الكتاب. وفي قول المؤلف رحمه الله تعالى: تحريف كتاب الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، وهذه الفقرة أخذت من قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فهذه الآية أخبر ربنا جل وعلا عن هذه الخصلة الذميمة التي اتصف بها أهل الكتاب، ألا وهي التحريف. وقول المؤلف رحمه الله تعالى: تحريف كتاب الله، التحريف يقول علماء اللغة: من حرف يحرف تحريفًا، وحرف الشيء بمعنى أماله، فالإيمالة بمعنى التحريف أو الصرف، تصرف عن وجهه، تميله عن وجهه، فهذا معنى التحريف. وهنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: تحريف كتاب الله، أي أن التحريف وقع في كتاب الله جل وعلا، أي في كلام الله. وكيف يكون التحريف في الكلام؟ يكون تحريف الكلام بأن تخرج الكلام عن جهته، الكلام له جهة يسير عليها، فيأتي الآتي فيميل هذا الكلام عن جهته، يميله إلى جهة لا يتحملها، أو أنه يتحملها لكن بتعسف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: تحريف كتاب الله، وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن التحريف ينقسم إلى قسمين: إلى تحريف لفظي، وإلى تحريف معنوي. فالتحريف اللفظي هو بمعنى التغيير، تغيير الكلام، قلنا تحريف الكلام بمعنى تغيير الكلام، أي أنك تغير اللفظة إلى لفظة أخرى، بزيادة، بنقصان، حتى قد يكون التغيير بتغيير الحركة، يسمى تحريف الحركة، الحركة الإعرابية تتلاعب بها من كلمة إلى كلمة، هذا يسمى تحريف. وقد وقع ذلك من أهل الكتاب، أنهم يحرفون ألفاظ الأوامر التي أمرهم ربنا جل وعلا بها، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾، أمرهم ربنا جل وعلا بهذه الكلمة، وأن يدعون الله جل وعلا بأن يحط عنهم الذنوب، فماذا فعل أهل الكتاب؟ استبدلوا بحطة «حمطة»، أضافوا «نون» تلاعبًا، استهزاءً بأمر الله جل وعلا، وتحريفًا للكلم عن مواضعه. والتحريف الآخر هو التحريف المعنوي، ومفاد هذا النوع من أنواع التحريف هو إبقاء اللفظ على ظاهره، لكن يكون التغيير للمعنى، يكون التغيير للمعنى، فاللفظ هو اللفظ، لكن معنى هذا اللفظ يتلاعب به، فيقول: أن هذه اللفظة المراد منها كذا، فيكون في صرف وإيمالة عن المعنى المراد، هذا كذلك من التحريف المعنوي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: تحريف كتاب الله، هنا كتاب الله، لأن في قول ربنا جل وعلا: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، قال علماء: هنا كتاب الله يكون بمعنى اسم الجنس، كل كتاب لله منزل، سواء كان في التوراة، أو كان في الإنجيل، أو كان في القرآن. فإن هذه الكتب المنزلة قد تناولتها أيادي المحرفين، فحُرِّفت هذه الكتب المنزلة، اللهم إلا القرآن، قد سلَّمه ربنا جل وعلا من التحريف اللفظي، مع كثرة المحاولات. فالإنجيل قد تم التحريف فيها في ألفاظها، حُذفت أشياء من الإنجيل، أُضيفت أشياء إلى الإنجيل. وزيد على ذلك أن الأوامر التي فيها قد حُرِّفت المعاني، حرَّف الأحبار وحرَّف القسيسون والرهبان المعاني التي موجودة في الإنجيل. وهكذا قل بالنسبة للتوراة، فقد تلاعب بها الأحبار، حذفوا أشياء وأضافوا أشياء، وزيدوا كلمات وزيدوا أخبار، وهم كذلك تلاعبوا بمعانيها. أما القرآن، نعم جاءته الأهواء، وتلاعبوا بمعاني القرآن، هم أرادوا أن يحرِّفوا الألفاظ، لكن ما استطاعوا. حاول بعضهم من شدة حنقه وشدة بدعته التي استحكمت على قلبه، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن بعضهم ممن تأثر بالاعتزال أيما تأثر، دافع ونافع عن هذا المذهب البدعي، وأراد أن ينكر الأسماء والصفات، فكان يكتب هذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، تحريفًا للآية، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فحذف «السميع» لما فيها من إثبات السمع، وحذف «البصير» لما فيها من إثبات البصر. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: تحريف كتاب الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، من بعد ما عقلوه بمعنى من بعد ما فهموه، وهذا يردنا إلى الآية التي منها استنبط المؤلف رحمه الله تعالى هذه الخصلة. قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: يرجح أنهم اليهود، أنهم اليهود، لأن السياق في الآية يدل على أنهم المعنيون بهذا الوصف، كانوا يسمعون كلام الله، وهل سمعوا كلام الله جل وعلا مباشرة؟ يحتمل هذا، لأن هذه الآية في بني إسرائيل، يحتمل أن طوائف من بني إسرائيل من أتباع موسى قد يكون سمعوا كلام الله مباشرة، ثم حرفوه. والقول الصحيح أن اليهود والنصارى قد تلاعبوا بالألفاظ وتلاعبوا بالمعاني، هذا القول الصحيح. تلاعبوا بالألفاظ وتلاعبوا بالمعاني، ومن نظر في التوراة وفي الإنجيل في هذه الأزمان يرى هذا واضحًا. فالحاصل، إخواني في الله، أن هذا من خصال أهل الجاهلية، وهذا الأمر أصبح يستشري حتى في هذه الأمة، تجد أهل البدع يتلاعبون بشرع الله، كل من اعتقد بدعة من البدع حمل معاني القرآن على هذه البدع. وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مقدمة أصول التفسير، عندما ذكر الأسباب التي فيها الاختلاف في الاستدلال بالقرآن، ذكر هذه الفرقة، وهو أول فرقة، وهو قوم أخذوا ألفاظ القرآن وحملوها على معانيهم، هم أرادوها، وهذا التحريف بعينه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.