الدرس في كتاب الطهارة 16، ألقاها
يشرح هذا الفصل سنن الوضوء كما ذكرها الإمام ابن قدامة، وهي التسمية، غسل الكفين، المبالغة في المضمضة والاستنشاق، تخليل اللحية والأصابع، ومسح الأذنين. يُشدد على أن المبالغة في المضمضة والاستنشاق مستحبة إلا للصائم.
يستحب في الوضوء غسل الأعضاء ثلاث مرات، ويكره الزيادة على ذلك والإسراف في الماء. كما يستحب السواك عند تغير الفم وعند القيام من النوم وللصلاة، مع استثناءات للصائم بعد الزوال.
يتناول هذا الفصل استحباب السواك في مختلف الأوقات مثل عند تغير الفم، عند القيام من النوم، وعند الصلاة. كما يناقش آراء العلماء حول استحباب السواك للصائم بعد الزوال.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله: «قال: والمسنون التسمية، وغسل الكفين، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائمًا، وتخليل اللحية والأصابع، ومسح الأذنين، وغسل الميامن قبل المياسر، والغسل ثلاثًا ثلاثًا. وتكره الزيادة عليها، والإسراف في الماء». قوله رحمه الله تعالى: «والمسنون التسمية»، أي أن من سنن الوضوء التسمية في أول الوضوء، كما تقدم الكلام على ذلك في أوائل الكلام على باب الوضوء. ومر معنا أن القول الصواب أنها من سنن الوضوء، وأنها من المستحبات، أي البدء بالبسملة في الوضوء. قال رحمه الله تعالى: «وغسل الكفين»، كذلك في أول الوضوء، هو من مستحبات الوضوء أيضًا، وتقدم كذلك. قال: «والمبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائمًا». أما الاستنشاق، فلقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في حديث لقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». والحديث كما تقدم معنا، رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح. والشاهد منه: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». فالمبالغة في الاستنشاق مستحبة. قال: «وذلك خشية أن يدخل الماء إلى جوفه إذا كان صائمًا». فلذلك قال: «إلا أن تكون صائمًا»، أي فلا تبالغ. وهذا الأمر مستحب، ونقل بعضهم الإجماع على استحباب ذلك. قال رحمه الله تعالى: «وتخليل اللحية والأصابع». وتخليل اللحية: والمقصود بتخليل اللحية إدخال الأصابع مبللة إلى أصول اللحية مع عركها وتحريكها، فهذا مستحب. قوله رحمه الله تعالى: «والأصابع»، أي وتخليل الأصابع من سنن الوضوء. ويدل على هذا كذلك ما جاء في حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وخلل بين الأصابع». وقد تقدم معنا الكلام على تخليل الأصابع، وأنه قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا. قال: «ومسح الأذنين». ومسح الأذنين كما تقدم معنا الخلاف في ذلك، فمنهم من يرى أنها من واجبات الوضوء، ومنهم من يرى بأنها من مستحبات الوضوء. قال رحمه الله تعالى: «وغسل الميامن قبل المياسر». وهذا كذلك مستحب في الأعضاء التي تتكون من عضوين، ويستحب غسل كلا العضوين، أنه يبدأ باليمين ثم باليسار. يدل على ذلك أدلة، أولها ما جاء في صحيحي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعجبه التيمن في طهوره، أو قالت: في ترجله وتنعله وطهوره، وفي شأنه كله». قال: «والغسل ثلاثًا ثلاثًا»، أي يستحب ويسن للرجل وكذلك المرأة إذا توضأ أن يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، أن يغسل أعضاء الغسل ثلاثًا ثلاثًا، أي اليدين والوجه واليدين والرجلين. وأما الرأس فإنه لا يمسح إلا مرة واحدة. قال رحمه الله تعالى: «وتكره الزيادة عليها»، أي على الثلاث مرات، لما جاء في حديث عبد الله بن عمر بن العاص كذلك عند أبي داود وغيره بإسناد حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي فسأله عن كيفية الوضوء، فوصف له النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الوضوء، وبين له في ذلك الوضوء أنه غسل ثلاثًا، غسل وجهه ثلاثًا ويديه إلى المرفاقين ثلاثًا، ومسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاثًا. ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن زاد أو استزاد فقد ظلم أو قال: فقد اعتدى وظلم». قال رحمه الله تعالى: «والإسراف في الماء كذلك يكره». أي ينبغي للمتة في الماء، وأن يأخذ حاجته للوضوء، فلا يفعل كما يفعل كثير من الناس. قال رحمه الله تعالى: «ويسن السواك». ويسن السواك عند تغير الفم، وعند القيام من النوم، وعند الصلاة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». ويستحب في سائر الأوقات إلا للصائم بعد الزوال. قوله رحمه الله تعالى: «ويسن أن يستحب». والسواك هو الآلة التي تستخدم لتنظيف الأسنان والفم. هذه الآلة تسمى سواكًا، وسواء كانت هذه الآلة من عود الأراك أو كانت من أشجار أخرى أو من خشب أو كانت خرقة أو كانت أصبعًا، كل ما حصل فيه معنى التنظيف والتطهير للأسنان فإنه يسمى سواكًا. قال رحمه الله تعالى: «ويسن السواك للأدلة الكثيرة المتكاثرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك». أي في أنه كان يستاك ويأمر بالسواك، كان يستاك ويأمر أو يحث على السواك، فهذا يدل على استحباب السواك. قال: «ويزداد استحبابه يزداد استحباب السواك في مواطن، منها عند تغير الفم». وقوله رحمه الله تعالى: «عند تغير الفم»، إما بصفرة، أي بصفرة الأسنان، وإما بوجود رائحة، فالفم يتغير إما بوجود رائحة وإما بوجود كذلك اصفرار للأسنان. قال: «وعند القيام من النوم كذلك». كما ذكر العلماء رحمه الله تعالى من حيث المعنى، يحصل للإنسان كذلك شيء من التغير في رائحة الفم، فهذا دليل من حيث المعنى، فهو يدخل في عموم «مطهرة للفم». قال: «وعند الصلاة». هذا الموطن الثالث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». وهذا نص في المسألة. قال رحمه الله تعالى: «ويستحب في سائر الأوقات». ويستحب في سائر الأوقات إلا للصائم بعد الزوال. قوله: «ويستحب في سائر الأوقات»، أي ويستحب في كل الأوقات إلا للصائم بعد الزوال. قال: «من أين استفدنا أنه بمعنى كل؟ استفدنا بأنه بمعنى كل من قوله: «إلا للصائم»، فإن الاستثناء عند الأصوليين معيار العموم». فقوله: «إلا للصائم»، فدل على أن ما عدا هذا الوقت فإنه يستحب أن يستحب. قال: «فذهب جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى إلى عدم الاستحباب للسواك من بعد الزوال، أي من بعد زوال الظهر، وذهب بعضهم من بعد العصر، أنه لا يستحب من بعد العصر». لماذا استثنوا هذا أو هذين الموطنين؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال بخصوص الصائم: «لا خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». قالوا: «والسواك يغير هذا الريح، فينبغي أن لا يستاك من بعد الظهر، وبعضهم قال: من بعد العصر». قال: «والصواب في المسألة أنه يستحب مطلقًا للصائم ولغير صائم». فإن الحديث المذكور لا يعارض السواك، لأن الرائحة كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: رائحة فم الصائم إنما هي منبعثة من المعدة، ليس منبعثة من الفم. قال: «وأمر آخر، دليل آخر، ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وهو الحديث الذي بين أيدينا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالصلاة لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». فيدخل فيه صلاة الظهر وصلاة العصر في رمضان وفي غير رمضان». فالحديث يدل بعمومه على استحباب الاستياك مطلقًا، سواء كان في رمضان أو في غير رمضان، في جميع الأوقات، ولا سيما عند الصلوات. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.