شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 5

الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 5، الدرس الخامس:من(النية شرط لسائر العملبها*الصلاح والفساد للعمل ...فلا بد فيه من نية التقرب إلى الله في هذا والله أعلم ). ألقاها

أهمية النية في الأعمال وصلاحها

النية تحدد صلاح أو فساد العمل، حيث تميز بين العادة والعبادة وبين أنواع العبادات المختلفة. النية الصالحة تجعل العمل صالحاً والنية الفاسدة تجعله فاسداً.

دور النية في تمييز العبادات والمباحات

النية تميز العبادة عن العادة وتميز العبادات بعضها عن بعض، والإخلاص هو قصد وجه الله تعالى بالعمل. النية والإخلاص ضروريان لقبول العبادات.

النية في العبادات والترك وحصول الثواب

النية شرط لصحة العبادات وحصول الثواب، بينما لا تشترط النية في الترك لكنها شرط لحصول الثواب على هذه الأفعال. هناك فرق بين صحة الفعل وحصول الثواب عليه.

التفريغ النصي الكامل

بقى -رحمه الله- النية شرطا لسائر العمل بها الصلاح والفساد للعمل. بقى -رحمه الله- هذه القاعدة أنفع القواعد وأجلها، تدخل في جميع أبواب العلم، وهذه القاعدة هي إحدى القواعد الكبرى، إحدى قواعد الخمس الكبرى، وهي التي يعبر عنها العلماء بقولهم: الأمور بمقاصدها، الأمور بمقاصدها. ودليل هذه القاعدة حديث عمر في الصحيحين: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فتحمل الأمور والأفعال التي يفعلها الإنسان على قصده ونيته، فإن قصد خيرا فخير، إن قصد شرا فشر، فكما قال -رحمه الله-: النية شرط لسائر العمل، فيها الصلاح والفساد للعمل، فجميع الأعمال تحتاج إلى نية، «إنما الأعمال بالنيات» يعني: إنما صحة الأعمال بالنيات، إذن فالنية شرط لسائر الأعمال، فيصلح العمل بالنية، ويفسد كذلك أيضا بالنية الفاسدة، فإذا صلحت النية صلح العمل، وإذا فسدت النية فسد العمل، كالصلاة مثلا، إذا صلى إنسان ونوى بهذه الصلاة التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ونوى الأجر والثواب، فهذا مجور وعمله صالح، وآخر صلى رياء وسمعة، صلى رياء، فهذا آثم وعمله مردود، والسبب هو فساد النية. قال -رحمه الله-: فصلاح الأعمال البدنية والدينية -يعني الأعمال الدينية، أعمال القلوب وأعمال الجوارح- إنما هو بالنية، أعمال القلوب كالخوف والرجاء والرغبة والرهبة والخشية والإنابة إلى آخر ذلك من أعمال القلوب، وأعمال الجوارح كالصلاة والزكاة والحج والصيام وغير ذلك، قالوا: فساد هذه الأعمال بفساد النية، فإذا صلحت النية صلحت الأقوال والأعمال، وإذا فسدت النية فسدت الأقوال والأعمال، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، يعني: صلاح الأعمال بالنيات، «وإنما لكل امرئ ما نوى» أي: لكل امرئ ما نوى في قلبه، فيكون له من العمل بقدر نيته. قالوا: النية لها مرتبتان، إحداهما: تمييز العادة عن العبادة، وذلك أن الصوم مثلا هو ترك الطعام والشراب ونحوهما، ولكن تارة يتركه الإنسان عادة من غير نية التقرب إلى الله في هذا الترك، وتارة يكون عبادة، فلابد من التمييز بينهما، إذن هذه المرتبة الأولى التي تستعمل فيها النية تمييز العبادة عن العادة، فالصوم عبادة وهو عبارة عن ترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا تركها الإنسان عادة -ترك الأكل والشراب مثلا- ما عنده رغبة في الطعام والشراب، وقد يتركه عبادة، ما الذي يميز ذلك؟ أن هذا الترك عبادة أو أنه عادة؟ النية، إذا نوى بذلك التقرب إلى الله فهو عبادة، إذا لم تكن عنده هذه النية فهو عادة، مع أنه فعل واحد، لكن تميزه النية، تميز العادة من العبادة، إنسان يغتسل، وقد يكون الغسل عادة تبرد، وقد يكون عبادة لزالة جنابة مثلا، فما الذي يميز أن هذا الغسل عادة أو عبادة؟ النية، النية تميز العادة من العبادة، إذا النية هنا تستعمل في التمييز، التمييز بين العادة والعبادة. قال: الثانية: تمييز العبادات بعضها من بعض، فبعضها فرض عين، وبعضها فرض كفاية، وبعضها راتبة أو وتر، وبعضها سنن مطلقة، فلابد من التمييز -يعني لابد من تمييز هذه العبادة عن غيرها- وما الذي يميز العبادات بعضها من بعض؟ النية، إنسان يصلي ركعتين، هل هاتان الركعتان فرض أو سنة؟ الذي يميز النية، تميز هاتان الركعتان، هي مثلا ركعتا الفجر أو ركعتا السنة، وهكذا الإنسان يصلي مثلا ركعتين، هل هما فرض كدحية المسجد مثلا -على الصحيح أنها واجب- أو أنها ركعتا وضوء وهو مستحب؟ تميز ذلك النية، وهكذا في سائر الأعمال والعبادات يتميز بعضها عن بعض بالنية، إذن فالنية لها مرتبتان: تميز العبادة عن العادة، تميز العبادات بعضها من بعض. قال: من مراتب النية الإخلاص، وهو قدر زائد على مجرد نية العمل، فلابد من نية نفس العمل والمعمول له، وهذا هو الإخلاص، وهو أن يقصد بعمله وجه الله، لا يريد غيره -يعني هذا هو نية المعمول له- فالنية تكون لنفس العمل، وتكون للمعمول له، لنفس العمل هي التي يتكلم فيها الفقهاء، والمعمول له هي التي بمعنى الإخلاص، ويتكلم عليها أصحاب العقيدة، فلابد من نية في نفس العمل والمعمول له، تكون عندك نية في فعل العمل، وعندك نية في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى في هذا العمل. وهل النية هي الإخلاص؟ الجواب: لا، الإخلاص شيء زائد عن نية العمل، شيء زائد عن نية، مثلا إنسان كان لا يصلي أو يتكاسل في الصلاة، فجاء عنده ضيوف، فقام وصلى مع هؤلاء الضيوف، صلى لأجل هؤلاء الضيوف، الآن هل عنده نية للصلاة؟ الجواب: نعم، نية موجودة ونوى الصلاة، لكن هل عنده إخلاص؟ الجواب: لا، فوجدت النية ولم يوجد الإخلاص، فالإخلاص شيء زائد على النية. قال: فمن أمثلة هذه القاعدة العبادات كلها، كالصلاة فرضها ونفلها، والزكاة والصوم والاعتكاف والحج والعمرة، فرض كل ذلك ونفله، والأضاحي والهدي والنذور والكفارات والجهاد والعتق والتسبيح -يعني أن هذه الأعمال كلها تحتاج إلى النية- الصلاة فرضها ونفلها يحتاج إلى النية حتى تصح وتقبل، والزكاة كذلك يحتاج إلى نية، وكذا الصوم يحتاج إلى نية حتى يتميز هذا الصوم أنه لله ولغيره، والاعتكاف يحتاج إلى نية، قد يحتاج إلى نية، لكن ما عنده مادنية الاعتكاف والتفرغ للطاعة والعبادة، يعتكف لأجل اللعب أو القيل والقال، هذا ما يثاب على اعتكافه، وهكذا الحج والعمرة يحتاج إلى نية الفرض والنفل، وهكذا الأضاحي التي يضحي بها الإنسان تحتاج إلى نية، تكون عنده نية الأضحية، وهكذا أيضا ينوي أن تكون لله سبحانه وتعالى، ما تكون فخرا، قال: خلان ضحى بكبش أو بكبشين لا تحتاج إلى نية، وهكذا الهدي، وهكذا النذور والكفارات كذلك تحتاج إلى نية، الجهاد يحتاج إلى نية، والعتق يحتاج إلى نية، فيثاب على عتقه، والتدبير وهو نوع من أنواع العتق، ومسمى بعتق المدبر، العبد المدبر الذي يدبر -أي يؤخر عتقه- على موت سيده، يبقى له تدبير. قال: ويقال: بل يسري هذا إلى سائر المباحات إذا نوى بها التقوي على طاعة الله والتوصل إليها، كالأكل والشرب والنوم، وكسب المال والنكاح والوطء فيه وفي الأمة، إذا قصد به العفاف أو تحصيل الولد الصالح أو تكثير الأمة -يعني يقول: كذلك الأمور المباحة إذا حصلت فيها النية أثيب عليها الإنسان، صار له الثواب على فعله مع أنه مباحة، ليس فيها أمر ولا نهي من الشرع- كالأكل والشرب، الأكل والشرب مباحة، لكن نوى بأكله وشربه التقوي على الطاعة، هذا يؤجر، يؤجر على أكله وشربه، هو مباحة، النوم مباحة، فإذا نوى بهذا النوم التقوي على الطاعة، حتى يستيقظ مبكرا للفجر أو لقيام الليل، يؤجر على نومه، يؤجر على نومه وهو نائم، يؤجر على هذا النوم بالنية، كسب المال مباحة، اكتسب المال من وجوه الحلال، فإذا كان عنده نية في كسب هذا المال حتى يعف نفسه وحتى يعف أهله وأولاده، أجر على اكتسابه للمال، ومباحة، وكذا أيضا النكاح، يتزوج وينوي بذلك العفاف وتحصين فرجه نحو ذلك، فيؤجر على ذلك، كما قال -رحمه الله-: إذا قصد به العفاف، حتى مجامعته لأهله يؤجر عليها، إذا قصد به العفاف، كما قال: «وفي بضع أحدكم صدقة»، أو كذلك يقصد تحصيل الولد الصالح، فيؤجر حتى على شهوته، أو كذلك يقصد تكثير الأمة، أن هذا مما رغب فيه النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». قال: وهنا معنى ينبغي التنبه له، وذلك أن الذي يخاطب به العبد نوعان: أمر مقصود فعله، وأمر مقصود تركه، قال: فأما المأمور به فلابد فيه من النية، فهي شرط في صحته وحصول الثواب به، كالصلاة ونحوها، وأما ما يقصد تركه -كإزالة النجاسة من الثوب والبدن والبقعة، وكأداء الديون الواجبة- أما إبراء الذمة من النجاسة والديون فلا يشترط لها نية إبراء الذمة، ولو لم ينو، وأما حصول الثواب عليها فلابد فيه من نية التقرب إلى الله في هذا. والله أعلم -يعني يقول -رحمه الله-: هناك فرق بين نية المأمور به -يعني ما أمر بفعله- وبين النية في الترك، فيقول: ما كان من المأمور به فلابد فيه من النية، لابد فيه من النية، كما ذكر -رحمه الله- من العبادات والطاعات، فلا تصح إلا بالنية، ولا يثاب عليها إلا بالنية، وأما الترك -ما كان من باب الترك- كإزالة النجاسة في الثوب أو البدن أو البقعة، فهذه لا تحتاج إلى نية، إنسان في ثوبه نجاسة فوضع هذا الثوب مثلا على الحبل، وأمطرت السماء على هذا الثوب وتطهر، هل نقول هنا: ما يجزئ؟ لأنه ما نوى هو ما نوى تطهيره، لكن تطهر بهذا الماء، هل يجزئه؟ الجواب: نعم، لأن هذا من باب الترك، وباب الترك لا يشترط فيها النية، لا تحتاج إلى النية، وهكذا كذلك إذا تطهر مثلا مكان كان فيه نجاسة، ثم تطهر بلا نية، إما عن طريق الشمس مثلا فأزالت عين النجاسة، أو صب عليه ماء من غير قصد، تطهر، فإنه يجزئ، يصبح طاهرا، فلا يشترط في باب الترك النية. قال: وهكذا أداء الديون، أداء الديون الواجبة لا يشترط لها النية، إنسان عليه دين فطالبه صاحب الدين، فأعطاه إياه من غير نية، لم ينو، هل يصح؟ الجواب: نعم، يصح، لا يشترط في أداء الديون النية، أو هكذا رد مغصوب، شيء أصابه فرده، فإنه يجزئ ولو بلا نية، فلا يحتاج بذلك نية، أو هكذا أيضا إعطاء الغريم كذلك يصح بلا نية، هذه الأمور لا تحتاج إلى نية، وهكذا أيضا ذكر أهل العلم مما لا يحتاج إلى نية النفقات الواجبة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، فإنها لا تحتاج إلى نية، كنفقة الزوجة والأولاد والمماليك ونحوهم، فهذه تصح بلا نية، يسأل: ينفق على أولاده وعلى أهله، فيصح ذلك ويجزئه، لكن هل يثاب على هذه النفقة؟ الجواب: أنه لا يثاب إلا بالنية، لا يثاب إلا بالنية، فرق بين الفعل وصحة الفعل، وبين حصول الثواب عليه، فحصول الثواب لا يكون إلا بالنية، وهذه قاعدة من فروع هذه القاعدة، وهي قولهم: لا ثواب إلا بالنية، أي: لا يثاب الإنسان على عمل إلا بالنية، فإذا أنفق ونوى عنده نية في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذه النفقة، أجر عليها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والنفقة ينفقها الرجل على أهله يحتسبها فهي له صدقة»، انظروا: بشرط الاحتساب، يحتسبها، عنده نية الاحتساب، فهذا يثاب، أما بلا نية فلا يثاب عليها، مع أنها تجزئ، مع أنها تجزئ وتصح منه. طيب هذا ما يتعلق بهذه القاعدة -والله تعالى أعلم-.

شاركنا على