الدرس في شرح نواقض الإسلام 1، الدرس الأول:من ( اعلم أن نواقض الإسلام عشرة ... ومنه الذبح لغير الله كم يذبح للجن أو للقبر ). ألقاها
يتناول هذا الفصل أسباب الردة والكفر بأنواعها الأربعة: القول، الفعل، الاعتقاد، والشك، مع تقديم أمثلة على كل نوع. يُوضح أن هذه الأسباب تؤدي إلى الكفر والردة عن الإسلام.
يشرح هذا الفصل خطورة الشرك بالله، موضحًا أنه أعظم الذنوب ويسبب عدم مغفرة الله للمشرك وحرمانه من الجنة. يُبيّن أيضًا أن الشرك ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر وشرك أصغر.
يتناول هذا الفصل الفروق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، مبينًا أن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال ويوجب الخلود في النار، بينما الشرك الأصغر يحبط العمل الذي دخل فيه الرياء فقط. يُوضح أيضًا أحكام كل نوع من الشرك.
يُركز هذا الفصل على حكم صرف العبادة لغير الله، موضحًا أنه يعتبر شركًا بالله. يُبين أيضًا ضرورة إفراد الله بالعبادة وعدم دعاء غيره معه.
وحصول الردة والكفر أربعة. حصول الردة التي يقع فيها الإنسان أربعة: إما بالقول، وإما بالفعل، وإما بالاعتقاد، وإما بالشكل. القول والفعل والاعتقاد والشكل. فالقول: أن يتكلم بكلمة الكفر، يتكلم بكلمة الكفر، كسب الدين والرب، أو الاستهزاء بشيء من الدين. هذا من الكفر، ومنه كذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وسيأتي -بإذن الله- الكلام على هذه المسألة. ومثل ذلك، كذلك من الكفر بالقول: الاستغاثة بغير الله سبحانه وتعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله، كدعاء الأموات وطلب المدد والولد منهم، فهذا كذلك من الكفر. وبالفعل: أن يفعل شيئًا من الشرك، مثل الذبح لغير الله سبحانه وتعالى. فالذبح عبادة، قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. فإذا ذبح لغير الله، فقد وقع في الشرك الأكبر الذي يخرج من دائرة الإسلام؛ لأنه صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، ولو كان يصلي ويصوم ويحج ويتصدق، فلا ينفعه ذلك أمام هذا النواقض. وهكذا الاعتقاد: أن يعتقد أن الصلاة غير واجبة، يعتقد أن الصلاة غير واجبة، فهذا يكفر بسبب هذا الاعتقاد؛ إذا جحد وجوب الصلاة فإنه يكفر، ولو كان يصلي. لماذا؟ لأنه أنكر شيئًا مما هو معلوم من الدين بالضرورة، ووجوب الصلاة مما يعلمه المسلمون جميعًا، الكبار والصغار، ولا يعلم بجهله أحد. فإذا اعتقد ذلك فإنه يكفر، ولو صلى. أو اعتقد عدم وجوب الصيام فإنه يكفر، ولو صام. وهكذا في سائر الواجبات إذا اعتقد فيها الشك الذي يلزمه الدليل، فإنه يكفر بذلك. ومثل ذلك أيضًا اعتقاد: أن هناك من يتصرف في الكون مع الله سبحانه وتعالى، كما يعتقد غلاة الصوفية أن هناك أقطابًا وأوتادًا ونجباء يتصرفون في هذا الكون مع الله سبحانه وتعالى، فهذا كذلك من الكفر والردة. وهكذا إلى آخر ذلك من اعتقادات الفاسدة. والشك هو التردد، إذا تردد في وجود ما دل عليه القرآن والسنة وأجمعت عليه الأمة، فإنه كذلك يكفر، كأن يشك مثلًا: هل ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام حق أم لا؟ أو يشك في وجود الجنة والنار، تردد: هل هناك جنة فعلًا أو ما في جنة؟ هل هناك نار أو ليس هناك نار؟ وكذا يشك فيما دلت عليه الأدلة، فإنه يكفر بذلك. فهذه الأربعة هي أصول الردة: القول قول الكفر والشرك، وفعل كذلك الفعل فعل الكفر والشرك، واعتقاد الكفر والشرك، وهكذا الشك والتردد فيما دلت عليه الأدلة وأجمعت عليه الأمة. فهذا قلنا: إن هذه النواقض يجب على المسلم أن يعرفها وأن يهتم بها حتى يجتنبها. قال رحمه الله: «اعلم أن نواقض الإسلام عشرة. الناقض الأول: الشرك في عبادة الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر». ذكر رحمه الله في أول هذه النواقض الشرك في عبادة الله تعالى. والشرك هو صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. فالشرك -كما قلنا- إذا دخل في العبادة أفسدها، وهو كالحدث إذا أصاب الإنسان ذهب طهارته. وهكذا الشرك إذا دخل في العبادة فإنه يفسدها ويزيل هذه العبادة. والعبادة هي التذلل والقضوع الاختياري لله سبحانه وتعالى. التذلل والقضوع الاختياري لله سبحانه وتعالى. وقلنا: القضوع الاختياري؛ لإخراج القضوع الاضطراري، وهو الذي يكون من الكافر؛ فالكافر وإن كفر بالله سبحانه وتعالى فهو عبد من عباد الله داخل في عبودية الله سبحانه وتعالى اضطرارًا؛ كما قال جل وعلا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. العبودية الاختيارية هي من نصيب المؤمن الذي انقاد لطاعة الله سبحانه وتعالى وآمن بالله عز وجل. وفي معناها التفصيلي -كما قال شيخ الإسلام رحمه الله-: العبادة هي «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة». اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. هذا معنى العبادة. اسم جامع يجمع كل ما يحبه الله ويرضاه من أقوال: كقراءة قرآن، وتسبيح، وتهليل، وتكبير، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، إلى آخر ذلك. أو أفعال: من سجود وركوع، وصلاة وصيام، وجهاد، وحج، وإلى آخر ذلك. الظاهرة: مثل الصلاة، ومثل الحج، ومثل الصدقة. والباطنة: ما كان من أعمال القلوب: من الخوف، والرهبة، والخشية، والإنابة، والتوكل، إلى آخر ذلك. فإذا علمنا أنها عبادة، فلا يجوز صرفها لغير الله سبحانه وتعالى؛ لأن العبادة لا تقبل إلا بشرطين: الإخلاص والمتابعة. لابد أن تكون العبادة خالصة لله سبحانه وتعالى؛ كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. فإذا فقد هذا الشرط -وهو شرط الإخلاص- وقع العبد في الشرك. والشرط الثاني: المتابعة؛ لابد أن تكون هذه العبادة مما شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». أي: مردود على صاحبه، غير مقبول منه. وفي رواية مسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». ليس عليه أمرنا؛ أي: ليس عليه ديننا، لم يأت به النبي عليه الصلاة والسلام، فهو مردود على صاحبه، غير مقبول منه. فهذه هي العبادة التي لا تكون عبادة لله سبحانه وتعالى إلا بهذه الشروط: بالإخلاص والمتابعة. فإذا دخل الشرك في العبادة، فإنه يفسد هذه العبادة. وذكر المؤلف رحمه الله قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا من مظاهر الشرك، ومن مفاسد الشرك: أن الشرك سبب لعدم مغفرة الله سبحانه وتعالى. إن الله لا يغفر أن يشرك به؛ أي: إذا مات الإنسان على الشرك، فإن الله سبحانه وتعالى لا يغفر له. ويغفر ما دون الشرك؛ إذا وقع في شيء من المعاصي وكبائر الذنوب دون الشرك، فإنه يكون تحت مشيئة الله: إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. أما المشرك فليس له مغفرة. وهذا يدل على عظم ذنب الشرك؛ فهو يعتبر من أعظم الذنوب على الإطلاق. أعظم ذنب عصي الله سبحانه وتعالى به هو الشرك بالله سبحانه وتعالى. فالشرك أعظم من القتل، وأعظم من الزنا، وأعظم من السرقة، وأعظم من أكل الربا، إلى آخر ذلك من المحرمات. فالشرك بالله سبحانه وتعالى أعظم منها. وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. هذا كذلك أيضًا من مظاهر الشرك بالله سبحانه وتعالى: أن المشرك حرم الله جل وعلا عليه الجنة، فالجنة عليه حرام، وأن مأواه ومصيره إلى النار. قال: «ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر». يعني: من الشرك الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر؛ لأن الذبح عبادة. قال سبحانه وتعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من ذبح لغير الله». فإذا ذبح العبد لغير الله سبحانه وتعالى، كان يذبح للجن -كما يفعل كثير من جهال المسلمين- يذهب إذا بنى بيتًا يأتي بالذبيحة أو يذبحها على سطح البيت، يذبحها للجن حتى يطرد الجن -كما يزعم- أو يذبح ما يفعله البعض عند دخول عروسين البيت، تذبح الذبيحة تحت أقدامهما حتى تطرد الجن. أو غير ذلك من ذلك من الذبح للجن. أو يذهب إلى بعض المشعوذين والسحرة، فيأمرهم بأن يذبحوا ذبيحة في المكان الفلاني، ولا يرصدوا الله عليها. فكل هذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى. أو كذلك الذبح للقبر: يذبح للقبر، والفلاني يأتي إذا زار هذا الولي ويذبح له. فهذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى. هذا نوع من أنواع الشرك. وكل عبادة -كما قلنا- صرفت لغير الله سبحانه وتعالى، فهذا يعتبر من الشرك. وينبغي أن نعلم أن الشرك ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر. فالشرك الأكبر هو ما دل الدليل على أنه من الشرك، وأنه يخرج من الملة. مثل ما قلنا: الذبح لغير الله سبحانه وتعالى، والاستغاثة بغير الله فيما يقدر عليه إلا الله، والنذر لغير الله عز وجل، والسجود لغير الله، واعتقاد النفع والضر في غير الله سبحانه وتعالى، إلى آخر ذلك. هذا من الشرك الأكبر، سواء كان بقول أو فعل أو اعتقاد. والقسم الثاني هو الشرك الأصغر: وهو ما دل الدليل على أنه شرك، أو ما جاء في الشرع إطلاق لفظ الشرك عليه، ودل الدليل أنه لا يخرج من الملة. هذا الشرك الأصغر وهو أنواع: منه ما يكون بالقول، ومنه ما يكون بالفعل. فمنه ما يكون بالقول: مثل شرك اللسان، ما يقع من كلام العبد، مثل الحلف بغير الله تعظيمًا، وقول الإنسان: «ما شاء الله وشئت»، «لولا الله وفلان». هذا من الشرك الأصغر؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». هذا من الشرك الأصغر: التشريك في الألفاظ. والواجب على المسلم أن يقول: «ما شاء الله وحده»، أو «ما شاء الله ثم شئت». تاتي بثم التي تدل على التراخي. وهكذا يسير الرياء: يسير الرياء. وقلنا: يسير الرياء؛ لأنه إذا كانت أعمال الإنسان كلها رياء، فإنه يكفر ويكون حاله كحال المنافقين، الذين أعمالهم كلها رياء: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يراؤون الناس وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهذا هو حال أهل النفاق، يراؤون في جميع أعمالهم. فإذا كان حال الإنسان كذلك، فهو منافق، ليس بمؤمن. لكن المؤمن قد يقع في شيء من الرياء اليسير، يكون يصلي لله سبحانه وتعالى، ثم يدخله الشيطان فيزين صلاته من أجل أن ينظر إليه أحد، هذا من الشرك الأصغر. هذا من الشرك الأصغر. يحبط عليه ما دخل في عبادته من الرياء. فإذا علمنا أن الشرك على قسمين: أكبر وأصغر، وبين الشرك الأكبر والشرك الأصغر فروق. منها: أن الشرك الأكبر إذا مات صاحبه عليه، فإنه لا يدخل الجنة، ومأواه النار؛ كما قال الله سبحانه وتعالى في الآية التي عندنا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. فهذه النسبة للمشرك الشرك الأكبر، فهو يعتبر كافرًا، ومصيره إلى النار، خالدًا مخلدًا فيها. بخلاف الشرك الأصغر: إذا مات عليه العبد، فإنه إذا عوقب ودخل النار، فإنه لا يخلد فيها؛ فإنه لا يخلد فيها. وكذلك استدل أهل العلم على أن الشرك الأصغر صاحبه لابد أن يعاقب؛ استدلوا بالآية التي عندنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. إن الله لا يغفر أن يشرك به؛ هنا «أن» مصدرية، و«يشرك» فعل مضارع منصوب بأن، و«أن» المصدرية وما دخلت عليه في تأويل مصدر، تقديره: إشراكًا. وإشراكًا نكرة، وهي في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم. ومعنى ذلك: أن يدخل في ذلك الشرك الأكبر والشرك الأصغر. إن الله لا يغفر إشراكًا به؛ إذن صاحب الشرك الأصغر كذلك ليس له مغفرة إذا مات عليه؛ لابد أن يعاقب. لكن هل يخلد في النار؟ الجواب: لا. لا يخلد في النار؛ لا يخلد إلا المشرك الشرك الأكبر. كذلك أيضًا من الفروق: أن صاحب الشرك الأكبر جميع أعماله تحبط؛ كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وكما قال سبحانه مخاطبًا النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فهذا صاحب الشرك الأكبر تحبط عليه جميع الأعمال، ولو كان عنده صلاة وصيام وزكاة وحج، إلى آخر ذلك من الأعمال. لكنه أشرك بالله سبحانه وتعالى؛ فهذه الأعمال كلها تذهب هباء منثورًا. وأما صاحب الشرك الأصغر، فإنه لا يذهب من عمله إلا ما دخله الرياء؛ لا يذهب من عمله إلا ما دخله الشرك. فإذا رأى مثلًا في الصلاة، هذه الصلاة تحبط عليه. لكن بقية الأعمال لا تحبط. لا يحبط في الشرك الأصغر إلا ما وقع فيه الشرك. وكذلك أيضًا من الفروق: أن صاحب الشرك الأكبر يعتبر حلال الدم والمال؛ لأنه كافر، والكافر حلال الدم والمال. أما صاحب الشرك الأصغر فهو معصوم الدم والمال؛ لأنه مسلم، لم يخرج من دائرة الإسلام. فهذه من أهم الفروق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. وينبغي أن نعلم هنا: أن الشرك ليس فقط بعبادة الأصنام -كما قد يعتقد البعض- ويزين ذلك دعاة الصوفية، يجعلون الشرك خاصًا بعبادة الأصنام فقط. هذا الذي أنزل الله سبحانه وتعالى لأجله القرآن، وأرسل الرسل. فهذا قول باطل. فالشرك يكون بعبادة الأصنام، وبعبادة القبور والأضرحة، وبالتقرب إلى الأولياء والصالحين. كل ذلك يعتبر من الشرك بالله سبحانه وتعالى. والنبي عليه الصلاة والسلام أرسل لما أرسل إلى أقوام كانت عباداتهم مختلفة. ما كان كلهم يعبدون الأصنام. منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الأشجار، ومنهم من يعبد الأحجار، ومنهم من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد الصالحين، ومنهم من يعبد الملائكة. ومع ذلك أمر عليه الصلاة والسلام بقتلهم جميعًا، وأمر كذلك بأن يدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده. فكل عبادة تصرف لغير الله سبحانه وتعالى -كائنة ما كانت- فإنه يعتبر من الشرك بالله؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. لا تدعو مع الله أحدًا؛ أي: أحد من جن أو إنس أو ملك أو نبي أو ولي أو غير ذلك. لا تدعو مع الله سبحانه وتعالى أحدًا؛ بل تدعو الله عز وجل وحده.