الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 33، ألقاها
من نام عن ورده من الليل يمكنه قضاؤه في النهار ويكتب له أجره كاملاً، وهذا يدل على فضل الله وثواب النية الصالحة. نية الخير تعين صاحبها وتثمر ثمارها في الدنيا والآخرة.
قيام الليل عمل صالح عظيم، ويُعتبر فواته مصيبة، لذا يجب مجاهدة النفس على أدائه. من فاته ورده يمكنه قضاؤه ويكتب له الأجر بإذن الله.
الهداية والتوفيق يأتيان من الله لمن يجاهد في سبيله، ويُطلب من الله العون على طاعته وتجنب سخطه. يُنهى بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: فصل في من نام عن ورده، أي من كان عنده ورد من الليل، صلاة يصليه في الليل، قراءة يقرأها من القرآن في الليل. فما حكم من نام عن ورده؟ قال: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنه قرأه من الليل» رواه مسلم. وهذا فيه، كما هو ظاهر، فضيلة من كان له عمل في الليل مثل هذا العمل، أي كان يقرأ حزبا من القرآن، يجعل له حزبا من القرآن في الليل يقرأه، فنام عليه ليلة، فإنه إن نام عليه في تلك الليلة، إن أصبح فقرأ ذلك الحزب ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنه قرأه من الليل. وهذا من فضل الله جل وعلا على عباده، وهذا كذلك من ثمار النية الصالحة، ومن ثمار نية الخير. فإن الإنسان إذا نوى خيرا وبات على ذلك الخير، كتب له أجر تلك النية، وإن لم يعمل بما نوى، أي حصى له مانع منعه من العمل بما نوى، فإنه يكتب له أجر ذلك، أجر تلك النية الصالحة الحسنة. كما في هذا الحديث: «كتب له كأنه قرأه من الليل»، وهو إنما نام من الليل، ولكن لما كانت عادته كذلك، وكان حزبه كذلك، وكان حريصا على أداء هذه العبادة في الليل، وإنما غلبه النوم فنام عنه، فقرأ ما أراد قراءتهم في النهار، فإنه يكتب له أجر ذلك. وهذا كذلك الحديث الآخر الذي في الصحيح، من حديث ابن عباس، وجاء بنحوه من حديث أبي هريرة، أن الله تبارك وتعالى قال -كما في الحديث القدسي- قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، فمن هم بحسنة فعملها، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعين حسنة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالشاهد من هذا أن نية الخير معينة لصاحبها، وثمارها يجدها العبد في دنياه وفي آخراه. ثم ها هنا كذلك مسألة، وهي أن من كان عنده ورد، من كان عنده حزب يقرأه من الليل أو من النهار، فإنه ينبغي له أن يداوم على ذلك الخير، فإن نام عنه في الليل، فلا يفوتنه عليه بالنهار، فإن فعل ذلك أجزأه ذلك، وكتب له أجر تلك الليلة بإذن الله رب العالمين جل وعلا. كذلك من كان عنده من كان يقوم من الليل، كان يقوم من الليل فيقرأ ما يقرأ من القرآن في أثناء صلاة الليل، فإذا نام ليلة عن صلاة الليل وما قام إلا في الفجر، فإنه يصليها كذلك في النهار، في الصباح يصليها في الصباح، ويصليها مثنى مثنى، يصليها مثنى مثنى، ولا يؤتر. فإن فعل ذلك أيضا أجزأه، وكتب له بإذن الله جل وعلا أجر تلك الليلة التي بات ينوي قيامها. وهذا من فضل الله جل وعلا وعطائه. قال رحمه الله تعالى: وعن سليمان بن يسار قال: أبو أسيد، قال أبو أسيد -وهو صحابي جليل من فضلاء صحابة رضي الله عنهم جميعا- قال: نمت البارحة عن وردي حتى أصبحتم. قال: فلما أصبحتم اجترجعتم، أي قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون». وهذه الكلمة وهذه العبارة يؤتى بها عند المصائب، الذين والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: «إنا لله وإنا إليه راجعون». لكن أنظر إلى حال صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، كان الرجل منهم إذا فوت ورده من الليل اعتبر ذلك مصيبة عليه، فقال كما سمعتم: قال فلما أصبحت استرجعتم. وكان وردي سورة البقرة، قال: فرأيت في المنام كأن بقرة تنطحني. رأيت في المنام كأن بقرة تنطحني. وهذا كما ترون من حرص هؤلاء، ومن إعانة الله جل وعلا لهؤلاء على الاستمرار في الخير، إذ أنه يتألم ويتحصر أن فاته قيام الليل والقراءة في الليل. فكيف بحال كثير منا في هذه الأزمنة المتأخرة؟ رب رجل لا يحافظ على الصلوات المكتوبات، فضلا عن قيام الليل، فضلا عن بقية النوافل. إنا لله وإنا إليه راجعون. قال رحمه الله تعالى: رواه ابن أبي داود، قال: وروى ابن أبي الدنيا عن بعض حفاظ القرآن أنه نام ليلة عن حزبه، فرأى في المنام، فرأى في منامه كأن قائلا يقول له: عجبت من قسم ومن صحة، ومن فتى النام إلى الفجر والموت لا تؤمن خطفاتهم في ظلم الليل إذا يسر. أي رأى هذا الحافظ من حفاظ القرآن قائلا يقول هذه الأبيات: عجبت من قسم وصحة، ومن صحة أي كيف إنسان قد آتاه الله جل وعلا قوة وصحة، ثم هو فتى أيضا نام إلى الفجر، أي لا يقوم من الليل، وهو من حفاظ القرآن، وهو من حفاظ القرآن. ثم قال: والموت لا تؤمن خطفاتهم، الموت من يستطيع أن يؤخره؟ يأتيك في الليل، يأتيك في النهار، يأتيك في حين غفلة، في حين عدم استعداد. من يستطيع أن يمنع الموت إذا نزل به؟ قال: والموت لا تؤمن خطفاتهم في ظلم الليل إذا يسر، أي إذا جاء وسر وأنت نائم، وأنت من حفاظ القرآن. كأنه يقول: هذه مصيبة عليه. وفيه معنى من معاني التهيئ للوقي الله جل وعلا، بأن الإنسان إذا استحضر هذه المعاني، ولا سيما من كان من حفاظ القرآن، فإنه يشق عليه ذلك، ولا سيما مع سلامة القلب وقوة اليقين والإيمان. تجد من الناس من يجاهد نفسه غاية المجاهدة على الحرص على فعل الطاعات. روى عن أيوب بن أبي تميم السختياني رحمه الله تعالى، أحد أئمة التابعين رحمه الله، يقول: جاهدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، يجاهد نفسه على قيام الليل عشرين سنة مجاهدة. قال: وطاوعتني عشرين سنة. يعني الأمر يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى مجاهدة، إلى مجاهدة. لا يحتاج إلى ملل. إنسان تكون عنده نشاط يوم، اليوم الثاني فتور، اليوم الثاني فتر أو أسبوع ثم فتور. لا ينبغي له أن يتق الله عز وجل وأن يجاهد نفسه. والله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. والموفق من وفقه الله تبارك وتعالى، ويسر له أسباب الهداية وسلوك أبواب الخير. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا جميعا على طاعته، وأن يجنبنا أسباب سخطه، إنه قريب مجيب. صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.