الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 45، ألقاها
ناقش المقطع آراء العلماء حول تفضيل القراءة في المصحف على القراءة عن ظهر قلب، حيث تُفضل القراءة في المصحف لمن يزيد خشوعه بها. يُفضل القراءة في المصحف لاجتماع عبادة القراءة وعبادة النظر.
يتناول المقطع استحباب قراءة القرآن في جماعة، مستندًا إلى دلائل من السنة وأفعال السلف، حيث ترفع السكينة وتجلب الرحمة وتحف الملائكة المجتمعين على القراءة.
ناقش المقطع فضل الدراسة والقراءة مجتمعين، واستدل بآثار السلف، كما أشار إلى جواز القراءة الإدارية بالتناوب، واختتم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال النووي رحمه الله تعالى في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: «قال فصل في تفصيل قراءة في المصحف». وقوله رحمه الله تعالى: «فصل»؛ الفصل هو ما يميز أو يفرق به بين موضوعين أو بين شيئين. قال: «فصل في تفضيل القراءة في المصحف»، أي أن جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى ذهبوا إلى تفضيل قراءة القرآن من المصحف على قراءته عن ظهر قلب. قال رحمه الله تعالى: «أفضل من قراءته عن ظهر القلب؛ لأن النظر في المصحف عبادة؛ لأن النظر في المصحف عبادة مطلوبة، فتجتمع القراءة والنظر؛ أي تجتمع عبادتان: عبادة القراءة وعبادة النظر، فكان التفضيل من هذه الحيثية». قال: «قاله القاضي حسين من أصحابنا -أي من الشافعية- وأبو حامد الغزالي، وجماعات من السلف. ونقل الغزالي في الإحياء أن كثيرين من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقرؤون من المصحف، ويكرهون أن يخرج يوم ولا ينظرون في المصحف». وهذا يحتاج إلى نظر في ثبوت ذلك إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولا سيما أن كتاب الإحياء لا عناية لصاحبه فيه في الأحاديث فضلًا عن الآثار. قال رحمه الله تعالى: «ورُوي عن ابن أبي داود القراءة في المصحف عن كثيرين من السلف». قال النووي رحمه الله: «ولم أر فيه خلافًا؛ أي لم يرَ خلافًا في أفضلية القراءة من المصحف». قال رحمه الله: «ولو قيل إنه يختلف باختلاف الأشخاص؛ أي أن الأفضلية نسبية اعتبارية تختلف باختلاف الأشخاص، فتُختار القراءة في المصحف لمن استوى خشوعه وتدبره في حالتي القراءة في المصحف وعن ظهر قلب؛ إذا سوى خشوعه أو كان خشوعه أتم وأكمل إذا قرأ من المصحف». فهنا يقول النووي رحمه الله تعالى: «أن ذلك أفضل، وإن كانت قراءته من المصحف وعن ظهر قلب سواء؛ فالتفضيل كذلك بأن يقرأ من المصحف». قال: «وتُختار القراءة عن ظهر القلب لمن يكمل بذلك خشوعه وتدبره، ويزيد خشوعه وتدبره؛ لو قرأ من المصحف لكان هذا قولًا حسنًا». قال: «والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل؛ التفصيل على ما ذكره النووي رحمه الله تعالى أن يقال: بأن قارئ القرآن من حيث التدبر والخشوع لا يخلو من أحوال ثلاثة: الحالة الأولى أن يخشع وأن يتدبر إذا قرأ القرآن من المصحف، فهنا يقدم القراءة من المصحف. الحالة الثانية أن يكون ذلك إذا قرأ القرآن عن ظهر القلب، فيقدم القراءة عن ظهر القلب. وإذا استوى الأمران عنده، فالمختار أن يقدم القراءة من المصحف». وأيضًا من الأمور التي تُفضل فيها القراءة من المصحف أنها إلى جانب أنها عبادة تكون بالنظر، كما أنها تكون بالقراءة، كذلك يكون فيه مزيد إتقان، مزيد إتقان لحفظه؛ فإنه إذا أدام النظر في الكتاب قوي حفظه لكتاب الله تبارك وتعالى، ورسخ ذلك رسوخًا في صدره. لذا مما أُثر عن الإمام البخاري رحمه الله تعالى أنه سُئل عن الحفظ، ما هو الذي يعين على الحفظ؟ قال رحمه الله تعالى: «إدامة النظر في الكتاب». فالإنسان إذا داوم النظر في كتاب الله تبارك وتعالى واستمر في ذلك، فإن القرآن يكون أعظم رسوخًا في صدره، وربما فُتحت له من أبواب التدبر والتأمل والاستنباط من كتاب الله تبارك وتعالى ما لم يكن كذلك إذا قرأه من حفظ؛ لأن الغالب فيمن قرأ من حفظ أن يكون منشغلًا باستحضار الآيات، بخلاف ما إذا قرأها قراءة نظر؛ فإنه يكون مستحضرًا للألفاظ ومتأملًا كذلك في المعاني. قال رحمه الله تعالى: «فصل في استحباب قراءة الجماعة مجتمعين، وفضل القارئين من الجماعة والسامعين، وبيان فضيلة من جمعهم عليها وحرضهم وندبهم إليها». هذا باب طويل ذكره فيه النووي رحمه الله تعالى ثلاثة مباحث: الأول استحباب القراءة جماعة، أي في جماعة. والثاني فضل القراءة من الجماعة والسامعين. والأمر الثالث بيان فضيلة من جمعهم. قال رحمه الله: «اعلم أن قراءة الجماعة مجتمعين مستحبة؛ بالدلائل الظاهرة». الدلائل جمع دليل. قال: «وأفعال السلف والخلف المتظاهرة؛ فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنه قال: ﴿ما من قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده﴾». قال الترمذي: «حديث حسن صحيح»، أي رواه الترمذي وقال: «حديث حسن صحيح»، وهو كذلك في الصحيح في صحيح مسلم بنحوه. قالوا: «عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» رواه مسلم وأبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم». الشاهد منه: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله»؛ ففيه دلالة واضحة على أفضلية وعلى فضيلة قراءة القرآن في جماعة المجتمعين. قال رحمه الله تعالى: «وعن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يومًا على حلقة من أصحابه، فقال: «ما يجلسكم؟» قالوا: «جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده لما هدانا للإسلام ومن علينا به». فقال لهم: «أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة» رواه مسلم والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: «حديث حسن». قال: «والأحاديث في هذا كثيرة». وهذا الحديث كذلك يدل على ذلك؛ قال: «ما يجلسكم؟» قالوا: «جلسنا نذكر الله تعالى»؛ جلسوا جماعة يجلسون مجتمعين يذكرون الله تبارك وتعالى، فكان ذلك سببًا لأن يذكرهم الله تبارك وتعالى، بل ويباهي بهم الملائكة. قال: «وروى الدارمي بإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كانت له نورًا»». قال ابن عباس: «وروي مرفوعًا عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه ولا يصح». والشاهد من: «من استمع إلى آية من كتاب الله»؛ ففيه دلالة على أن الجماعة إذا حضروا يتدارسون كتاب الله جل وعلا، فكان بعضهم يقرأ وبعضهم يستمع؛ أن السامع أو أن المستمع للقرآن يؤجر على ذلك. لذا قال ابن عباس: «من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كانت له نورًا». قال رحمه الله تعالى: «وروى ابن أبي داود -صاحب كتاب المصاحف- أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان يدرس القرآن مع نفر يقرؤون جميعًا». قال: «وروى ابن أبي داود فضل الدراسة مجتمعين عن جماعات من أفاضل السلف والخلف، وقضاة المتقدمين». وعن حسان بن عطية والأوزاعي أنهما قالا: «أول من أحدث الدراسة بجامع دمشق هشام بن إسماعيل في قدومه على عبد الملك بن مروان». وهذا فيه إشارة إلى أن هؤلاء كأنهم يقولون بأن هذا القول لم يكن معروفًا عند السابقين. قال: «وأما ما روى ابن أبي داود عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب أنه أنكر هذه الدراسة، وقال: «ما رأيت ولا سمعت؛ يعني ما رأيت أحدًا فعلها -ما رأيت أحدًا فعل- أي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «وعن ابن وهب قال: قلت لمالك: أرأيت القوم يجتمعون فيقرؤون سورة واحدة حتى يختموها؟ فأنكر ذلك وعابه، وقال: «ليس هكذا كان يصنع الناس؛ إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضهم -أي يعرض القرآن-». ومعنى كلام مالك رحمه الله تعالى: أن ما كان عليه أهل المدينة أنهم إذا اجتمعوا على قارئ كانوا يعرضون عليه قراءتهم، لا أنهم يقرؤون القرآن الأول ثم الثاني ثم الثالث وهكذا على سورة الواحدة وأكثر. قال النووي رحمه الله: «فهذا الإنكار منهما مخالف لما عليه السلف والخلف ولما يقتضيه الدليل؛ فهو متروك، والاعتماد على ما تقدم من استحبابها؛ لكن للقراءة في حال الاجتماع شروط قدمناها ينبغي أن يعتنى بها والله أعلم». كما تقدم في دروس مضت: أن يكون في سكينة وقار، استحضار أدب إلى غير ذلك. قالوا: «أما فضيلة من يجمعهم على القراءة؛ ففيها نصوص كثيرة». وقوله تعالى: ﴿الدال على الخير كفاعله﴾. وقوله صلى الله عليه وسلم -الحيث الأول رواه مسلم- من حديث أبي مسعود. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من حمر النعم»، وهذا جاء في الصحيح من حديث سهل، وبنحو من حديث علي. قالوا: «الأحاديث فيه كثيرة». وقد قال الله عز وجل: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾؛ ولا شك في عظم أجر الساعي في ذلك. بمعنى أن من سعى في تجميع الناس في حلقات يقرؤون كتاب الله جل وعلا؛ هذا له أجر عظيم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله». ويقول: «من دل على هدى كان له مثل أجور من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾؛ ففضل من جمع الناس لأجل تعلم كتاب الله تبارك وتعالى، لأجل تلاوة كتاب الله تبارك وتعالى، لأجل تعلم العلم النافع الذي هو مقتضى العمل الصالح؛ هذا أجره على الله تبارك وتعالى. قال النووي رحمه الله: «فصل في الإدارة بالقرآن؛ قال: وهي أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عشرًا أو جزءًا أو غير ذلك، ثم يسكت ويقرأ الآخر من حيث انتهى الأول، ثم يقرأ الآخر». وهذا جائز. وقد سئل مالك رحمه الله تعالى عنه، فقال: «لا بأس به والله أعلم». وهذا يفعله كثير من المسلمين في مساجدهم؛ يعني تجد ثلاثة، أربعة، خمسة يجتمعون، فيقرأ أحدهم مثلًا -كما ذكر- عشر المصحف، أو يقرأ مثلًا صفحة، صفحتين، فمن حيث وقف يواصل الآخر، من حيث وقف يواصل الآخر حتى ينتهي ذلك المجلس. فمثل هذا كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: «لا بأس به والله تعالى أعلم». وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.