الدرس في كتاب الصيام 6، ألقاها
الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وهو عبادة مستحبة. يصح الاعتكاف من الرجال والنساء بشرط أمن الفتنة.
الاعتكاف يصح في مسجد تقام فيه الجماعة، والأفضل أن يكون في مسجد جامع. يمكن للمعتكف أن يفي بنذره في مسجد آخر مثله في الأحكام.
يجب على المعتكف أن يلزم المسجد ولا يخرج إلا لحاجة، ويستحب له الاشتغال بالقرّب. الجماع يعتبر من أكبر مبطلات الاعتكاف.
يختتم الكتاب بالصلاة على النبي وآله وصحابته، ويشكر الله على إتمام كتاب الصيام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الصيام منه، قال رحمه الله: باب الاعتكاف. والاعتكاف معناه لزوم المكان، وفي الشرع عرفه الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى بقوله: وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى فيه. فالاعتكاف لزوم مخصوص، أي شرعًا، لزوم مخصوص، وهو أن يكون في المسجد، وأن يكون ذلك الاحتباس، وذلك البقاء، وذلك اللزوم للمسجد بقصد طاعة لله تبارك وتعالى، فهو عبادة، فهو عبادة من العبادات. قال رحمه الله: لزوم المسجد، أي البقاء فيه، أي أن يلتزم، وأن ينزِم الإنسان نفسه بالبقاء في المسجد بقصد التعبد لله تبارك وتعالى في المسجد بذلك البقاء. وقوله رحمه الله تعالى: لزوم المسجد، يدخل فيه معنى الاعتكاف، وهو أن المعتكف يتحقق اعتكافه بأن يبقى في المسجد مدة. واختلف الناس رحمهم الله تعالى، أي العلماء رحمهم الله تعالى، في مقدار هذه المدة التي إذا بقيها الإنسان في المسجد بقصد التقرب لله تبارك وتعالى سمي معتكفًا. فمن قائل: أن أقلها عشرة أيام، ومن قائل: أن أقلها يومًا وليلة، أو يوم أو ليلة، ومن قائل: بأن أقلها أقل ما يصدق عليه مسمى البقاء واللزوم لذلك المسجد، أي ولو ساعة. وهذا هو الأقرب؛ لعدم وجود الدليل الدال على اشتراط زمن معين لا يصح بدونه الاعتكاف. هذا أمر، والأمر الثاني: لما ثبت عن يعلى بن أمية رضي الله عنه وأرضاه، كما في مصنف ابن أبي شيبة وغيره، أنه قال: إني لأمر بالمسجد، أو قال: إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أريد إلا الاعتكاف. فدل ذلك على أن الاعتكاف عند السلف يصدق على المكث والبقاء في المسجد ولو لساعة. لذا قال من قال من العلماء: إنه لا وقت محدد شرعًا لأقل مدة الاعتكاف، بل كل ما يصدق عليه مسمى الاعتكاف والبقاء واللزوم، فإنه معتكف، وذلك العمل يسمى اعتكافًا. والصحيح كما تقدم، بقي ما هي أعلى مدة للاعتكاف؟ أي هل الاعتكاف له مدة محدودة بيوم، يومين، أسبوع، أسبوعين، شهر، شهرين؟ الجواب: كذلك لا مدة له، لا مدة له محصورة في الابتداء، ولا مدة له محصورة في الانتهاء، هذا هو الصحيح من أقوى العلماء. وقوله رحمه الله تعالى: لزوم المسجد، سيأتي معنا ما هو المسجد والمقصود به. وقوله رحمه الله تعالى: لطاعة الله تعالى فيه، فيه أن الغرض والقصد والهدف من الاعتكاف هو التقرب إلى الله والتقرب إلى الله تبارك وتعالى، فهو عبادة، الاعتكاف عبادة من عبادات التي ينبغي للإنسان أن يتقرب إلى الله جل وعلا فيها، وأن يحسن العمل فيها، فتكون قربًا خالصًا لله رب العالمين جل وعلا، موافقة لهدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى فيه، أي في ذلك المسجد. قال: وهو سنة، أي سنة مؤكدة، ليس بواجب. الأصل في الاعتكاف أنه من السنن المؤكدة، ليس بواجب؛ لعدم الدليل على وجوبه، وهو سنة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في رمضان، ولاسيما في العشر الأخيرة منها، وكان يأمر كذلك، أو كان أصحابه كذلك، وأزواجه يعتكفون معه، فدل ذلك على سنيته، أي سنية الاعتكاف، وأن عبادة الاعتكاف من العبادات المستحبة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وفعلها الصحابة، وفعلها كذلك التابعون لهم، وصالحون في كل زمن ومكان، فهي من السنن المستحبة. قال: إلا أن يكون نذرًا، فيلزم الوفاء به. هذه مسألة، وهي أن الأصل في الاعتكاف أنه سنة من السنن، لكن لو أن إنسان نذر أن يعتكف، قال: لله علي نذر أن أعتكف في المسجد يومًا، ليلة، يومًا، أو عن يومين، ثلاثة أيام، التزم بنذر، ما حكم الوفاء به؟ الجواب: أن الوفاء به واجب؛ لأنه من نذر الطاعة، ونذر الطاعة الأصل فيه أن الإنسان إذا نذر طاعة، أنه يجب عليه أن يوفي بنذره. لما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه». الشاهد: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، أمر واجب بأن يوفي بنذره في نذره، فيكون الاعتكاف بالنسبة للنذر واجبًا، لا بأصل الشرع، ولكن بالنذر يكون واجبًا. قال رحمه الله تعالى: ويصح من المرأة في كل مسجد غير مسجد بيتها. أي ويصح الاعتكاف من المرأة كذلك، فالاعتكاف كما أنه سنة للرجال، هو كذلك سنة للنساء إن أمن عليهن الفتنة. ولا سيما في هذه الأزمان المتأخرة التي كثرت فيها الفتن، فالحاصل أن المرأة الأصل في المرأة أن عبادتها في بيتها أفضل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر النساء: «صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في مسجد قومها، وصلاتها في مسجد قومها خير لها من صلاتها في مسجد...» إلى آخر ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بمعنى. فالنبي صلى الله عليه وسلم فضل صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في المسجد النبوي، والمسجد النبوي كما تعلمون الأجر فيه يتضاعف إلى أضعاف قدرت بألف حسنة، ومع هذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة المرأة في بيتها أفضل»، فدل هذا الحديث على أن عبادات المرأة كلما كانت في بيتها وفي سترها، فإن العبادات تكون أفضل. لكن بقي الاعتكاف، هل يشرع للنساء أن يعتكفن؟ الجواب: نعم، لكن بشرط أمن الفتنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لأمر الفتنة: «إن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان»، فهي عرض للفتن والعياذ بالله، فتحتاج إلى صيانة وحرص وحفظ. وبالنسبة لمشروعيته: أن نس�اء النبي صلى الله عليه وسلم كنا يعتكفن معه في المسجد، فاعتكافهن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على مشروعية الاعتكاف. قال رحمه الله: ويصح من المرأة في كل مسجد غير مسجد بيتها. أي أن المرأة إذا كان لها في بيتها مسجد، وهذا كان عادة العرب الأول، بل إلى قريب في بعض القبائل، كانوا يجعلون في بيوتهم مساجد، ما نسميه نحن اليوم بمصليات، يكون مصلى صغير للبيت لآل البيت يصلون فيه، الرجل وآل بيته. فمثل هذا كما ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: أن المرأة يصح منها أن تصلي في كل مسجد إلا مسجد بيتها؛ لماذا؟ لأنه لا تقام فيه الجماعة، والعلماء رحمهم الله تعالى اشترطوا في الاعتكاف أن يكون في مسجد جماعة، وهذا ليس بمسجد جماعة. قال رحمه الله: ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تقام فيه جماعة. الرجل إذا أراد الاعتكاف، لا بد أن يكون اعتكافه في مسجد جماعة؛ لما تقدم، ولا تباشروا هن وأنتم عاكفون في المساجد. قالوا: لأن مسجد الجماعة لا يحتاج فيه المعتكف إلى الخروج وتكرار الخروج الذي يخل بمعنى الاعتكاف. يعني الإنسان لو كان في مسجد غير جماعة، فمثلًا جاء صلاة الفجر خرج إلى مسجد الجماعة صلى مع الناس، جاء، وصلاة الظهر خرج إلى مسجد الجماعة، وهكذا في جميع الصلوات، يكون تكرار خروجه ينافي معنى الحبس واللزوم للمسجد والبقاء في المسجد والمكوث في المسجد. قالوا: ففيه معنى من معاني منافاة الاعتكاف؛ لأجل هذا اشترط العلماء رحمهم الله تعالى، أو كثير من العلماء، للمعتكف أن يكون معتكفًا في مسجد جامع؛ لأجل ماذا؟ لأجل أن لا يتكرر الخروج لغير حاجة. قال رحمه الله تعالى: قالوا: واعتكاف في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل. وبعضهم اشترط ذلك، بعضهم اشترط أن يكون في مسجد جامع، أي يجمع فيه، في مسجد جامع يجمع فيه أن يصلي به أو يصلي فيه الجمعة. قالوا: لماذا؟ قالوا: لأنه لا يحتاج إلى الخروج من المسجد لأجل صلاة الجمعة. وجمهر الفقهاء رحمهم الله تعالى لا يشترطون ذلك، بل يقولون: يكفي في ذلك أن يكون مسجد جماعة؛ لأن الخروج في الجمعة مرة واحدة في الأسبوع لا يؤثر، ولا يخدش في اعتكاف، بخلاف التكرار إذا لم يكن في مسجد جامع. ولكنه أفضل، أي الأفضل إذا كان إنسان يستطيع أن يعتكف في مسجد جامع، أو في مسجد جماعة يصلي في مسجد، أو يعتكف في مسجد، ماذا؟ جامع، تقام فيه الجمعة؛ لأجل أن لا يحتاج إلى الخروج لغير حاجة. قال رحمه الله تعالى: ومن نظر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد، فله فعل ذلك في غيره، إلا المساجد الثلاثة. فإذا نظر ذلك في المسجد الحرام، لازمه، وإن نظر الاعتكاف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام، وإن نظر أن يعتكف في المسجد الأقصى، فله فعله في أيهما أحب. هذه مسألة من المسائل ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى ها هنا في باب الاعتكاف، وتذكر كذلك في أبواب النذر، وهي: إذا نظر الإنسان فعل طاعة في مكان، يعني كما ذكر ها هنا في مسجد، هل يلزمه أن يؤدي تلك الطاعة في ذلك المسجد أم لا؟ واضحة، جماعة، أم لا؟ يعني نظر إنسان أن يعتكف في مسجد، فهل له أن يعتكف في مسجد آخر؟ نذر أن يصلي ركعتين في مسجد، فهل له أن يصلي في مسجد آخر؟ هذه مسألة ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى. ومعظمهم ألزم كل من نظر نذرًا معينًا أن يقضي أو أن يفعل ذلك النذر في المكان الذي عينه. ومن أهل العلم النظر إلى معنى آخر، وهو معنى ماذا؟ معنى الطاعة، «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، قالوا: فإذا كان كذلك، فينظر إلى المعنى. فإذا كان نذر في مسجد، وهل له أن يفي بنذر في مسجد الآخر مثله أم لا؟ فالإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى يقول: من نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد، فله فعل ذلك في غيره، أي إذا كان مثله في الأحكام، واضح، جماعة، إذا كان مثله في الأحكام. يعني مثلًا المسجد جماعة، ومسجد آخر جماعة، هل له أن يفعل الركعتين هنا؟ هل له أن اعتكف في المسجد الآخر؟ يقول إمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: له ذلك؛ لماذا؟ لأن المعنى يحصل، ما هو المعنى؟ «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، يحصل بماذا؟ بوفاء النذر في المسجد الأول، أو في المسجد ماذا؟ الآخر. ولا سيما إذا لم يكن لأحدهما ميزة على الآخر، واضح هذا الأمر أم لا؟ النظر إلى المعنى. مع أن الأولى والأفضل أن يقيم أو أن يفي بنذره في المكان الذي نظر أن يفعل العبادة فيه أولًا؛ لخلوصه، لخروجه من الخلاف، وثانيًا كذلك: أنه قد يكون في ذلك الاعتكاف أو في ذلك اللفظ للنظر شيء من التعيين، شيء من التعيين. فالحاصل: أنه إذا فعلوا في المكان المحدد كان أفضل، وإن فعلوا في المكان الآخر، وكان القصد الطاعة والعبادة، ليس التعيين، فالأمر في ذلك واسع؛ كما ذكر ذلك الإمام ابن قدامة رحمه الله. بقي لو أن إنسانًا نظر أن يعتكف في مسجد جامع، أو في مسجد جمعة تقام فيه جمعة، فهل له أن يغير نية الاعتكاف إلى مسجد آخر تقام فيه الجمعة؟ واضح. نظر في مسجد لا تقام فيه الجمعة، تقام فيه جماعة، هل له أن يغير إلى مسجد آخر تقام فيه الجمعة؟ الجواب: ما هو؟ نعم؛ لماذا؟ لأنه تغير نذر إلى الأفضل، واضح، تغير نذر لماذا؟ إلى الأفضل، إذا كان المساوي جائزًا، فالأفضل من باب أولى، واضح. جماعة: الإنسان رجل قال: نذرت لله عز وجل أن أعتكف في المسجد الفلاني تقام فيه الجماعة، ولا تقام فيه الجمعة، جاء يسأل قبل أن يدخل في النذر: هل لي أن أفي بنذري في المسجد الآخر الذي تقام فيه الجمعة؟ فالجواب ماذا؟ نعم؛ لماذا؟ لأنه مثل وزيادة، واضح؛ لأن الغرض من الاعتكاف ما هو؟ طاعة الله، ليس تعيين ذلك المكان، ولا ذلك المسجد. طيب لو كان العكس، واضح، جماعة، لو كان العكس: نذر أن يعتكف في مسجد تقام فيه الجمعة، فيقول: هل لي أن أصلي أو أن أفي بنذري في مسجد لا تقام فيه الجمعة، ولكن تقام فيه الجماعة؟ فمثل هذا الآن ظهر أنه لا يصح منه ذلك؛ لأنه ليس مثله، ولا أفضل منه. يدل عليه ما سيأتي معنا في المسألة الآتية، وهي: من نظر أن يعتكف في المسجد الحرام، رجل نظر أن يعتكف في المسجد الحرام، هل يجوز له أن يعتكف في المسجد النبوي؟ ها، جماعة، لا، لازمه أن يفي بنذره؛ لماذا؟ لأنه أفضل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في غيره». لكن لو أن إنسان نظر أن يعتكف في المسجد النبوي، فهل له أن يفي بنذره في المسجد الحرام؟ العكس، واضح، جماعة، إنسان نظر أن يعتكف في المسجد النبوي، فهل له أن يفي بنذره بأن يعتكف في المسجد الحرام؟ الجواب: ما هو؟ الجواب: نعم؛ لماذا؟ لأنه أفضل، والعبادة فيه ماذا؟ أعظم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من نذر أن يطيع الله ماذا؟ فليطعه»، فيتحصل الطاعة بأتم ما يكون، واضح. لو أن إنسان نظر أن يعتكف في المسجد الأقصى، فهل له أن يفي بنذره بأن يعتكف في المسجد النبوي؟ الجواب: نعم، ومن باب أولى في المسجد الحرام. يدل على هذا ما رواه الإمام أبو داود رحمه الله تعالى بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: إن رجلًا قام يوم الفتح، أي يوم فتح مكة، فقال: يا رسول الله، إني نذرت نذرًا لله أن الله تبارك وتعالى إذا فتح عليك مكة أن أصلي ركعتين في المسجد الأقصى. قال: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أو في نذرك؟ أو قال: صلي ها هنا»، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صلي ها هنا»، أين؟ في المسجد الحرام. فقال: يا رسول الله، إني نذرت أن أصلي ركعتين في المسجد الأقصى. قال: فكرر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «صلي ها هنا». فقال رجل مرة ثالثة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «شأنك إذا». الشاهد: ما هو؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ماذا؟ «صليها هنا»، فدل على أن من نذر أن يعتكف أو أن يفعل عبادة في مكان، فله أن يفعل تلك العبادة في مكان أفضل منه أو مثله. قال رحمه الله تعالى: قال: وإن نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى، فله فعل في أيهما أحب، أي في المسجد الأقصى، في المسجد النبوي، في المسجد الحرام. قال: ويستحب للمعتكف الاشتغال بالقرّب، واجتناب ما لا يعنيه من قول وفعل، ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك. أي الأصل في المعتكف أن يبتعد عما لا ينفعه، بل هذا هو الأصل في المسلم. يعني كما جاء في الحديث الذي يحسنه بعض أهل العلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ما لا يعنيه، وكذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، هذا هو الأصل في المؤمن: يقل خيرًا أو يصمت. فإذا كان معتكفًا، فمن باب أولى. قال: ويستحب للمعتكف الاشتغال بالقرّب، أي بتلاوة القرآن، بالأذكار، بالتسبيح والتهليل، والصلاة، إلى غير ذلك من القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه جل وعلا. قال: واجتناب ما لا يعنيه من قول وفعل، ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك. لو أن إنسان إن شغل بالكلام، بالقيل والقال، ما حكم اعتكافه؟ ماذا؟ كلام مباح، لا أثر، أو لا يؤثر على اعتكافه؛ لكنه خلاف الأولى والأفضل. قال رحمه الله تعالى: وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ. طيب هذه المسألة من أوائل المسائل في ماذا؟ في مبطلات الاعتكاف. الأصل في المعتكف أن يلزم المسجد الذي اعتكف فيه، ولا يخرج منه إلا للحاجة التي لا بد منها، كان يكون إنسان يحتاج إلى قضاء حاجته، فيذهب إلى أماكن قضاء الحاجة، هذه حاجة، يخرج من المسجد لحاجة. أو أن إنسان مثلًا يحتاج إلى أن يأتي بطعام من بيت، ليس عنده من يأتيه بالطعام، فله أن يذهب، ليس عنده ما يشرب منه، أو يتوضأ به، فله أن يخرج لحاجة، وهكذا. فالخروج لحاجة لا بأس به، ولا ينقض الاعتكاف؛ لكن كما هي القاعدة عند الفقهاء: أن الضرورة تقدر بقدرها، وكذلك الحاجات تقدر بقدرها. فلا يستروح الإنسان في هذا الأمر أن يقضي حاجته ويرجع. قال: إلا أن يشترط، أي لو اشترط الإنسان قال: أعتكفت أو سأبقى في المسجد إلا أني سأبيت كل ليلة في بيتي، إلا أنني سآكل مثلًا، أفطر في بيتي، إلا أني سأفعل كذا، يعني اشترط شيئًا، استثنى شيئًا، فهل هذا الشرط معتبر أم لا؟ ذهب بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى جواز ذلك؛ لأن هذا عقد، فله الاستثناء، هذا عقد، فله الاستثناء، أي عقد نيته على أمر ما، فلو أنه يستثني. وذهب آخر إلى أنه لا يصح الاستثناء؛ لأن فيه معنى من معاني منافاة المقصود في الاعتكاف، وهو الأقرب. وكذلك الناظر في حال النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحصل منه شيء من ذلك، ولم يحصل كذلك لأصحابه شيء من ذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، ولو كان من التشريع لبينه لنا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالأصل في المعتكف أن يبقى على اعتكافه. قال رحمه الله تعالى: إلا أن يشترط، بمعنى: لو أنه يعني مسألة أخرى، وهي: لو أنه اشترط، فقال: سأعتكف في المسجد العشر، أو آخر، وفي نفس الوقت قال: إلا أن يحصل لأمر، وعمم أمر، مرض، أو مثلًا كان ينتظر سفرًا قبل انتهاء العشر، أو إلى غير ذلك من الأشياء. فهل يعتبر هذا أم لا؟ بعض أهل علم كذلك جوز هذا، واستدل على ذلك بمجافي الحج في حديث ضباعة بنت الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «حجي واشترطي»، وفي بعض الروايات: «وقولي: محلّي حيث حبستني»، أي حيث حصل للحابس، أي المرض والانقطاع، فذلك محل الذي أحل فيه من إحرامي. قالوا: ولا شك أن الإحرام والدخول فيه أوجب في المواصلة من الدخول في ماذا؟ في الاعتكاف؛ لأن الله جل وعلا يقول: «وأتموا الحج والعمرة لله». قالوا: فمن باب أولى اشتراطهم ذلك في الاعتكاف، فمن باب ذلك اشتراطهم ذلك في الاعتكاف؛ بمعنى أنه لو اشترط ذلك في الاعتكاف جاز. هكذا من استدل على الاشتراط. وبعضهم رد هذا الاستدلال بأن عبادة الحج غير عبادة الاعتكاف، ولا تقاس عبادة على عبادة، الاختلاف أوصافها وشروطها وموانعها. وهذا لعله والله أعلى وأعلم أحوط، هذا أحوط. قال رحمه الله تعالى: لا يباشر امرأة، أي أنه إذا باشر امرأته بجماع، فإن اعتكافه ينتقض؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. بل يقول علماء رحمه الله تعالى: يقولون: بأن أعظم ناقض للاعتكاف هو الجماع. فلو أن رجلًا دخل بيته مثلًا لحاجة، فوقع على أهله، انتقض اعتكافه بذلك؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. قال: وإن سأل عن المريض أو غيره في الطريق، ولم يعرج إليه جاز؛ كما روى عائشة رضي الله تعالى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يمر بالمريض وهو معتكف، فيقول صلى الله عليه وسلم: «كيف هذا؟ كيف هو؟» أو كما قالت: «فلا يعرج عنه». فمثل هذا قالوا: لا بأس به. وحديث عائشة هذا رجح الدارقطني رحمه الله تعالى فيه الوقف، فمن قول عائشة رضي الله عنها، لا ليس هو مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فليس للمعتكف أن يعود مريضًا، ولا أن يشهد جنازة، ولا أن يتبع جنازة، ولا شيئًا من العبادات التي تكون خارج المسجد، بل ينبغي له أن يبقى في المسجد معتكفًا، ملازمًا للمسجد في طاعة الله تبارك وتعالى؛ فإنه في عبادة. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين. هذا هو آخر كتاب الصيام، والحمد لله رب العالمين.