الدرس في كتاب الصيام 4، ألقاها
يتناول الشروط الأساسية للمفطرات في الصيام وهي العلم والعمد والذكر، مع توضيح أن الجهل والإكراه والنسيان لا يؤثرون على صحة الصوم. يُشرح ذلك بالأدلة من الأحاديث والآيات القرآنية.
يُفصّل المقطع المفطرات التي تؤثر على صحة الصيام، وتشمل الأكل والشرب والجماع وغيرها من المفطرات مثل استعطى والوجور وصول الطعام إلى الجوف والاستقاء والاستمناء. كما يُوضح حكم القيء في الصيام.
يناقش أحكام الصيام في حالات مختلفة مثل النظر إلى ما يثير الشهوة والاحتجام والأكل ناسيًا أو مكرها. يُوضح تأثير هذه الحالات على صحة الصوم.
يختتم الكلام بذكر مجموعة من المسائل المختصرة في الباب كما ذكرها الإمام ابن قدامة، ويتم الدعاء والاستغفار في النهاية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الصيام منه، قال رحمه الله: باب ما يفسد الصوم، أي باب في الكلام على مفطرات الصائم، بمعنى ما هي الأمور التي إذا تعاطاها الصائم صار مفطرًا. وقبل أن نقرأ في كلام الإمام رحمه الله تعالى، نذكر هاهنا قاعدة في هذا الباب، أي في باب المفطرات بالنسبة للصائم، أن شرط هذه المفطرات حتى تكون مفطرة للصائم، لا بد أن تتوفر لذلك الفاعل شروط ثلاثة. فالفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون: شروط المفطرات، أي المؤثرة على الصوم ثلاثة: أولها العلم، ثانيها العمد، ثالثها الذكر. فالعلم خرج بذلك الجهل، بمعنى أن من ارتكب مفطرًا جاهلًا، فإن ذلك لا يؤثر على صومه. والجهل على قسمين: الجهل بالحكم الشرعي، والجهل بالحال. فمثال الأول ما جاء في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه وأرضاه، لما سمع قول الله جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، لم تكن بعد أنزلت، ثم أنزلت، وجهلها بعضهم، ومنهم عدي بن حاتم رضي الله عنه وأرضاه، فظن أن قول الله جل وعلا: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، أي العقال الأبيض من العقال الأسود. فكان يأكل ويشرب، وتحت وسادته عقالان: أحدهما أبيض والآخر أسود، فينظر إليهما، فإذا لم يميز بينهما استمر في الأكل والشرب حتى يميز بينهما، فإذا ميز بينهما ترك الأكل والشرب ولو بعد دخول الفجر. فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال له: «إن وسادك إذا لعريض»، ثم أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالخيط الأسود من الأبيض من الفجر. ومع هذا ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء ذلك أو تلك الأيام التي أفطرها، لماذا؟ لأنه جاهل بالحكم، لأنه جاهل بالحكم. إذن هذا الأمر الأول، أو القسم الأول من أنواع الجاهل. الثاني: الجاهل بالحال، الجاهل بالحال كما جاء في حديث أسماء بنت أبي بكر بنت أبي بكر من الصديق رضي الله عنهما، قالت: «أفطرنا في يوم غيم»، يعني كان في إحدى السنوات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الشك الذي هو الثلاثون أو الأول من رمضان، يعني الثلاثون من شعبان أو الأول من رمضان، يوم الشك كان يوم غيم، ثم لما أصبحوا وصار الجو صحوًا علموا أنهم في رمضان، فأمسكوا، فلم يؤمروا كذلك بالقضاء. قال علماء: هذا جهل بالحال. لذا قال علماء رحمهم الله تعالى: فالأمر الأول في المفطرات حتى تصير مفطرات معتبرة، أن يفطر أو أن يتعاطى الصائم ذلك المفطرة، أن يتعاطى المسلم ذلك المفطرة عالما بكونه مفطرًا، فإذا كان جاهلًا فإنه لا يفطر كما تقدم في الصورتين الماضيتين. الثاني: العمد، فخرج بذلك غير العمد، وهو الإكراه. والإكراه كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: إما أن يكون إكراه من الغير أو لا يكون كذلك. مثاله الإكراه من الغير، كأن يكره على الإفطار وإلا قتل، يعني إنسان يقول له إنسان: إما أن تفطر وإما قتلناك. ما حكم ذلك الإنسان إذا أفطر شرب شربة من ماء؟ هل ينتقض صومه بذلك أم لا؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه ليس بعامد، هذا إكراه بالغير. أو إكراه كما يقال بدون فعل آدمي، مثاله قالوا: كأن يتفوه إنسان فيدخل فيه حشرة ذباب أو ما شابه ذلك، يدخل في جوفه، هل دخل في جوفه عمدًا أو غير عمد؟ غير عمد. هل يفطر؟ الجواب: لا. قالوا: كذلك لو أنه بالغ في الاستنشاق فدخل إلى جوفه شيء من الماء، أو تمضمض فدخل في جوفه شيء من الماء من غير عمد، من غير عمد كذلك لا يكون ماذا؟ لا يكون مفطرًا. واستدل العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك بالأدلة العامة في هذا، أي في باب الإكراه، في باب الإكراه، ومنه الحديث المشهور: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وهو حديث، كما مر معنا مرارًا، جماعة من أهل العلم يحسن بمجموع طرقه، وآخرون يضعفون، والعمل على مقتضاه. الأمر الثالث: الذكر، فخرج ما لو أفطر أو أكل أو شرب ناسيًا. لو أكل أو شرب ناسيًا، ويدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه، إنما أطعمه الله وسقاه». هذا دليل خاص. ودليل عام: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، والآية دلالة فيها على ماذا؟ على النسيان، وكذلك على الخطأ الذي يدخل فيه معناه الذهول وعدم العمد. كذلك لو أن إنسان ذهل عن شيء، ويدرك أنه صائم، لكن حصل له أمر أذهله دون أن يشعر، شرب الماء حال ذهوله، رأى أمرًا عظيمًا فما شعر إلا وهو ماذا؟ وهو يشرب الماء، ما حكمه؟ كذلك يقول: «إنما سقاك الله وأكمل صومك». فالحاصل من هذا أن هذه شروط لا بد أن تكون مستصحبة في أمر المفطرات حتى تكون هذه المفطرات مفطرات معتبرة. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى وغفر له: قال: ومن أكل أو شرب أو استعطى أو وصل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان، أو استقى أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى، أو أمذى أو كرر النظر حتى أنزل، أو حجم أو احتجم عامدًا ذاكرًا لصومه، فسد صومه. وإن فعله ناسيًا أو مكرها لم يفسد صومه. قوله رحمه الله تعالى: ومن أكل أو شرب، الأكل والشرب من المفطرات، وهذا محل إجماع. قال الله جل وعلا: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، أي إذا جاء الفجر فلا تأكلوا ولا تشربوا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا في الحديث السابق: «من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه»، مفهومه أنه من شربه ذاكرًا فماذا؟ فإن صومه يفسد. فكذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة، في الحديث القدسي، وفيه قال: «يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجلي». وهذا وحقيقة الصوم، إذ أن الصوم في اللغة كما مر معنا هو الإمساك، وفي الشرع إمساك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. فالأكل والشرب من مفطرات الصوم، والأمر فيها واضح. قال: أو استعطى، ومعنى استعطى أي أعطى، يعني نوعًا من الدواء أو ما شابهه من جهة ماذا؟ من جهة أنفه، يسمى سعوطًا، وهو ما يعطى من الدواء من جهة الأنف. والوجور ما يعطى من الدواء من جهة ماذا؟ من جهة الفم. قال رحمه الله تعالى: أو استعطى أو وصل إلى جوفه شيئًا، أو وصل إلى جوفه أي إلى داخل المعدة من أي موضع كان، يعني سواء كان من فيه من أنفه أو كان عبر الإبر المغذية، كان عبر ما يسمى كذلك اليوم بالإبر مغذية. لكن هاهنا تنبه، النبه أن الإبر المغذية عند المتقدمين غير الإبر المغذية عند المعاصرين، يعني ليس الإبر الحقن، المتقدمون يطلقون الحقن المغذية على ما يحقن به المريض من دبره، أي يدخل من دبره فيستغني به عن الطعام والشراب، بخلاف المتأخرين فإنهم يطلقون المغذيات أو الحقن المغذية أو الإبر المغذية على القرب المعروف المشهورة، القرب المعروفة المشهورة التي تتداول في المستشفيات وغيرها. فالحاصل أن ما كان فيه معنى الطعام بحيث أن الإنسان يستغني بذلك الداخل إلى جوفه من أي مكان كان، سواء عبر الأوردة أو عبر الحقن من الأسفل أو عبر أنفه، عبر فيه عبر عنقه من أي جهة كانت، إذا دخل طعام أو ما كان في معنى الطعام فإنه لا يكون صائمًا، فإنها من المفطرات، لأن في حكم الأكل والشرب، إما أنها أكل وشرب أو في حكم الأكل والشرب، لأنه يستغني بها عن الأكل والشرب. قد يقول قائل: إذا كانت الإبر ليست مغذية ولكن مسكنًا للألم مثلًا، إبر ليست مغذية ولكن مسكنًا للألم أو منشطة ولكن ليست مغذية، فمثل هذه الإبر هل تفطر أم لا؟ واضحة، جماعة أم لا؟ لأن هناك إبر مشهورة مثل ماذا؟ الفرتارين، هذه إذا إنسان صعف احتاج إليها أو ضربها هل تفطر أم لا؟ الجواب: لا، ليست من المفطرات، لماذا؟ لأنها ليست بطعام ولا هي بمعنى الطعام، لأنها ليست بطعام ولا هي بمعنى الطعام، إنما هي لتسكين الألم، لخفض الحرارة، وبعضها ربما يكون لتنشيط الجسم، لكن ليست بمعنى ليست غذاء أو أكل أو شرب، ولا في معنى الأكل والشرب، والمفطرات إنما تكون مفطرات إذا كانت أكلا أو شربًا أو كانت في معنى الأكل والشرب. قال رحمه الله تعالى: أو استقاء، ومعنى استقاء أي تعمد القيء، تعمد القيء، يعني كان يكون أدخل أصبعه أصبعه في حلقه حتى قاء. والقيء أن يخرج الإنسان ما في معدته من فيه. ما حكم من قاء أو استقاء؟ جاء في ذلك حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قاء أو استقاء فليفطر». والحديث رواه أحمد وغيره، ويحسنه جماعة من أهل العلم. إلا أن الصحيح من أقوال العلماء رحمه الله تعالى أن الحديث لا يصح، أن الحديث لا يصح، أعله جماعة من الحفاظ رحمهم الله تعالى، منهم الإمام أحمد، البخاري وغيرهم من الحفاظ رحمهم الله تعالى. ومنه يعلم أن القيء سواء تعمده الإنسان أو لم يتعمده، ليس من مفطرات الصوم، إلا أن يرجع إلى جوفه منه شيء، إلا أن يرجع إلى جوفه منه شيء، كما لو أنه استقاء فبقي في جوفه منه شيء، فرده إلى جوفه، ما حكم ذلك؟ يكون مفطرًا، لكن ليس لأجل القيء، ولكن لأجل إدخال أو إرجاع الطعام إلى أين؟ إلى المعدة. وكما جاء عن بعض السلف رضي الله عنهم، جاء عن أبي هريرة أو عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «إنما الفطر مما دخل لا مما خرج»، إنما الفطر مما دخل لا مما خرج، بمعنى الذي يخرج من الجسم سواء كان من طريق الفم أو كان من غيرها من المخارج، فإنه لا يكون مفطرًا، وإنما المفطر الذي يدخل إلى الجوف، المفطر الذي يدخل إلى الجوف. قال رحمه الله تعالى: أو استمنى، بمعنى طلب إخراج المني بأن يدرك ذكرهم. والعلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة لهم قولان، منهم من يرى بأن هذا الفعل من المفطرات، ومنهم من لا يرى أن ذلك الفعل من المفطرات. والذين قالوا من المفطرات قولهم أقرب، وهو قول جمهور من الفقهاء رحمهم الله تعالى، للحديث القدسي: «يترك طعامه وشرابه وشهوته لأجلي». ومن تعمد إخراج المني فإنه يكون ماذا؟ ما ترك شهوته لأجل الله تبارك وتعالى، فيكون وقع في مفطر من المفطرات. قال: أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى. طيب، كذلك لو أن رجلًا قبل امرأته أو لمس امرأته فأمنى، هل يكون بذلك مفطرًا أم لا؟ كذلك العلماء قولان في هذه المسألة، قولان. ومنهم من توسط، فقال: إن قبلها وتعمد إخراج المني، يعني قبل أو مس أو ضم وتعمد إخراج المني، فإنه يكون ماذا؟ مفطرًا. وإن لم يتعمد وإنما قبل فخرج من غير عمد، فإنه لا يكون مفطرًا. وهذا هو الأقرب للحديث السابق: «يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجل»، مع ما تقدم معنا أن من شرط الإفطار العمد، وهو هاهنا ما تعمد تقبيل أو مس، وما تعمد ماذا؟ الإنزال، فإنه والحالة كذلك لا يكون مفطرًا، لا يكون مفطرًا لعدم العمد في ذلك، والله أعلى وأعلم. ومن باب أولى الإمذاء، بل والإمذاء ولو كان تعمده ما لم يمني، فإنه كذلك لا يكون مفطرًا من المفطرات، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: أو كرر النظر حتى أنزل، أو كرر النظر حتى أنزل، وهذا كذلك من أهل علم ذكر فيه ما ذكر في الذي قبله، إلا أن بعضهم خفف الأمر في هذا. والأقرب والله أعلى وأعلم أن الحكم يتناول على التفصيل السابق، على التفصيل السابق، بمعنى أنه إذا غلبه دون عمد أو قصد لا يكون مفطرًا، ويجب عليه أن يغض بصره، ولو كانت أهله، لأنه يؤدي إلى هذا الأمر. وإذا تعمد فإنه يكون كذلك مفطرًا من المفطرات، لأنه فعل فعلًا يسبب ذلك الفعل بخروج شهوته، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: أو حجم أو احتجم عامدًا ذاكرًا لصومه. كذلك الاحتجام سواء كان هو الحاجم أو المحتجم، هل هو مفطر من المفطرات؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاحتجام من المفطرات، سواء كان الحاجم أو المحتجم، واستدل على ذلك بما بالحديث: «أفطر الحاجم والمحتجم»، وهو حديث لا يصح. وعلى القول بصحته فإن جماعة من أهل العلم ذهبوا إلى نسخه، واستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، فدل ذلك على أن الحجامة إن ثبت ذلك الحديث يكون في أول الأمر، ثم إن ذلك الأمر ضعف أو نسخ بغيره، نسخ بغيره. وهذا هو الأظهر. لكن هاهنا تنبيه، وهو أن العلماء رحمهم الله تعالى نبهوا على أمر في مسألة الحجامة، وهو أن الإنسان ينبغي لو أن يجتنب الحجامة في نهار رمضان، أي في أثناء صيامه، ولا سيما إذا كان الإنسان يعلم من نفسه أنه يضعف عن تحمل الحجامة، أو كان يعلم من نفسه علم يقين أو كان يغلب على ظنه أن ذلك يؤدي إلى إفطاره، إذا كان يعلم أو يتيقن أو يغلب على ظنه أنه يؤدي إلى إفطاره، وجب عليه أن لا يحتجم، وإن لم يكن كذلك، إنسان يعلم يقينًا: حجام عندي أمر سهل، أنا دائمًا أحتجم، فهل يجوز له أم لا يجوز؟ وقد احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم. قال رحمه الله تعالى: ذاكرًا لصومه، بمعنى أنه لو كان ناسيًا أكل أو شرب كما مر معنا، أو فعل ما تقدم ذكره ناسيًا لصومه، فإنه لا يكون مفطرًا، لما تقدم أنه من شرط مفطرات العلم والعمد والذكر. قال رحمه الله تعالى: فسد صومه، وإن فعله ناسيًا أو مكرها، كذلك تقدم معنا أن هذه من شروط إيش؟ من شروط الإفطار. قال رحمه الله تعالى: وإن فعله ناسيًا أو مكرها لم يفسد صومه، وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار، أو تمضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء، أو فكر فأنزل، أو قطر في إحليله أو احتلم، أو ذرعه القيء، ذرعه القيء أي من غير استقاء، من غير استقاء لم يفسد صومه. وهذا واضح، يعني يقول: لو أن إنسان دخل فيه ذباب أو غبار من غير عمل أو قصد لا يفسد صومه، وكذلك إذا تمضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه، أو فكر فأنزل، أو قطر في إحليله أو احتلم، أو ذرعه القيء لم يفسد صومه. قال: ومن أكل يظنه ليلًا فبان نهارًا أفطر. ومن أكل شاكًا في طلوع الفجر لم يفسد صومه، وإن أكل شاكًا في غروب الشمس فسد صومه. طيب، قوله رحمه الله: ومن أكل يظنه ليلًا فبان نهارًا أفطر، وهذا يحمل على ماذا؟ على أن هذا الإنسان فرط في معرفة الحال واستكشافه، إنسان فرط في حال في معرفة الحال وكشفه، والنظر في الوقت هل هو وقت نهار أم هو وقت ليل؟ أما إذا كان يظن أو يعتقد أنه ليل وبان نهار، فإنه كذلك من غير تعمد، مثل لو أن إنسانًا مثلا نام من الليل في غرفة مظلمة فقام يظنه ليلًا، يظن أن الوقت ما زال في الليل فشرب من الماء، قام شرب ماء، فسمع الناس يصلون الفجر، يعني معنى هذا أنه قد دخل الفجر أم لا؟ دخل الفجر. فمثل هذا هل يكون أفطر أم لا؟ أيش الجواب عندكم؟ لا يكون مفطرًا، لماذا؟ لأنه جهل الحال، لأنه جهل الحال، ومن شرط تأثير المفطرات في الصوم أن يكون عالما بها حالة عاطيها كما تقدم معنا. ففرق بين المفرط وبين غير المفرط، المفرط يفطر، أما غير المفرط، إنسان ظن فظاهر له خلاف ذلك فلا. كما مر معنا في حديث أسماء رضي الله عنها. قال رحمه الله تعالى: ومن أكل شاكًا في طلوع الفجر لم يفسد صومه، لماذا؟ لو أن إنسانًا يأكل يشرب ينظر إلى الفجر يحتمل أنه ظهر ويحتمل أنه لم يظهر، يقول إمام بن قدامة رحمه الله تعالى: لم يفسد صومه، لماذا؟ استصحاب للأصل، استصحاب للأصل، الأصل ما دام أن الإنسان في الليل وشك فيه الفجر، الأصل أنه ليل أو فجر ليل، واضحة، جماعة أن الشك لا يزيل اليقين، اليقين هو ليل وشك في وجود ماذا؟ النهار، فمثل هذا كما سمعتم استصحاب الأصل، ومستصحب الأصل باق على الأصل، ومن فعل شيئًا بقين على الأصل، فإنه فعل ما يجب أو ما ينبغي له أن يفعل على العلم. مع التنبيه هاهنا أن باب الاحتياط والورع أن يترك، باب الاحتياط والورع أن يترك، لكن لو أن إنسانًا حصل منه ذلك، لو أن إنسانًا حصل منه ذلك فإن صومه صحيح، فإن صومه صحيح. قال رحمه الله تعالى: وإن أكل شاكًا في غروب الشمس فسد صومه، لماذا؟ الآن مسألة أخرى، لو أن إنسانًا شك هل غربت الشمس أم لا فأكل وشرب، هل صومه يفسد أم صومه صحيح؟ ليش الجواب الآن؟ فسد صومه، لماذا؟ لأنه خرج عن الأصل بالشك، ما هو الأصل؟ الأصل بقاء النهار، الأصل بقاء النهار، فالأصل أن يستصحب ماذا؟ الأصل الذي هو ماذا؟ بقاء النهار، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بماذا؟ إلا بيقين ما هو اليقين؟ أن يستيقن غروب الشمس، فإذا شك فالأصل بقاء النهار، فإذا أفطر يكون أفطر قبل الوقت، وفسد صومه بذلك الإفطار. هذه مجموعة من المسائل كما ترى المختصرة في هذا الباب، ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى وغفر له ولنا والمسلمين جميعًا، فنكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.