الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 84، ألقاها
يتناول حكم مس المصحف لمن عليه نجاسة، حيث يرى الإمام النووي أن المس جائز إذا كانت النجاسة في غير مكان المس. يُستدل بحديث عائشة رضي الله عنها، ويرى الشافعية أنه ليس بمكروه.
يناقش أحكام مس المصحف لفاقد الماء أو التراب، وطهارة الصبي، وبيع وشراء المصحف. يُوضح عدم جواز المس لفاقد الطهورين، وجواز المس للصبي المميز، وجواز البيع والشراء.
يتناول آراء العلماء حول بيع المصحف وشرائه، حيث ذهب البعض إلى الكراهة بينما أجازه آخرون لعموم الإباحة في القرآن الكريم.
يتضمن الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام والبركة، ويشمل أهل بيته وصحابته، ويعبر عن التقدير والاحترام له.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في حكم مس المصحف لمن عليه نجاسة، أي لو أن إنسانًا كانت به نجاسة -كان يكون رجلًا مثلًا أو امرأة- عليها في ثوبه، فهل يحل له أن يمس المصحف أم لا؟ قال رحمه الله تعالى: وقال أبو القاسم الصيمري من أصحابنا: «يُحرم». قال: وغلَّطه أصحابنا في هذا الموضع. قال القاضي أبو الطيب: هذا الذي قاله مردود بالإجماع، أي أنه يجوز أن يمس المصحف من كان هذا حاله. والمُراد به أن يمسه في مكان ليس فيه النجاسة، ويدل على هذا المعنى ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها حينما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ناوليني الخمرة» -أي التي كانت في المسجد- فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إني حائض. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن حيضتك ليست بيدك». فدل ذلك على أن النجاسة في الموضع الخاص لا تتعدَّ إلى غيره. قال رحمه الله تعالى: ثم على المشهور قال أصحابنا: قال بعض أصحابنا: إنه مكروه. والمختار أنه ليس بمكروه، وهو كما قال. فالصحيح من أقوال العلماء: لا كراهة في مس المصحف لمن عليه نجاسة. قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم مس المصحف لفاقد الماء. قال: من لم يجد ماء فتيمم، حيث يجوز له مس المصحف، سواء كان تيممه للصلاة أو لغيرها مما يجوز التيمم له. وأما من لم يجد ماء ولا ترابًا فإنه يُصَلِّ على حسب حاله، ولا يجوز له مس المصحف لأنه مُحدث. قال: «وجوزنا له الصلاة للضرورة، ولو كان معه مصحف ولم يجد من يودعه إياه وعجز عن الوضوء، جاز له حمله للضرورة». قال القاضي أبو الطيب: ولا يلزمه التيمم. وفيما قاله نظر، وينبغي أن يلزمه التيمم. أما إذا خاف على المصحف من حرق أو غرق أو وقوع بنجاسة أو حصوله في يد كافر فإنه يأخذه وإن كان مُحدثًا لضرورة. قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم طهارة الصبي لمس المصحف. قال: هل يجب على الولي والمعلم تكليف الصبي المميز الطهارة لحمل المصحف واللوح الذين يقرأ فيهما؟ قال: فيه وجهان مشهوران لأصحابنا، أصحهما عند الأصحاب: لا يجب؛ بمعنى أن الصبي إذا كان مميزًا -يعني مثلًا ابن سبع أو ثمان أو تسع سنين- فهل يلزم بالطهارة؟ يقول: ذكر أصحابه -أي من الشافعية- في المسألة وجهان مشهوران، ورجح أنه لا يجب. قال: فصل في حكم بيع المصحف وشرائه. قال: يصح بيع المصحف وشراؤه، ولا كراهة في شرائه. وفي كراهة بيعه وجهان لأصحابنا، أصحهما -وهو نص الشافعي- أنه يكره. وممن قال: لا يكره بيعه ولا شراؤه الحسن البصري وعكرمة والحكم بن عتيبة، وهو مروي عن ابن عباس. وكره الطائفة من العلماء بيعه وشراءه، وحكاه ابن المنذر عن علقمة وابن سيرين والنخعي وشريح ومسروق وعبد الله بن يزيد. قال: وروي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري التغليظ في بيعه -أي أنهم شددوا في بيعه-. وذهب طائفة إلى الترخيص في الشراء وكراهة البيع، حكاه ابن المنذر عن ابن عباس وسعيد بن جبير وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رضي الله عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم. والصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أنه يجوز بيع المصحف، وكذا يجوز شراؤه؛ لعدم الدليل على المنع، بل الحاجة تدعو إليه. فكم من إنسان لا يستطيع أن يمتلك مصحفًا إلا عن طريق الشراء. فإذا كان الأمر كذلك، فكما يقول العلماء: ما كان فيه نفعًا للطرفين -للبائع والمشتري- فهو على أصل الإباحة؛ لعموم قول الله جل وعلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فهذا عام يدخل فيه كل أفراده إلا ما دل الدليل على استثناءه، ولا دليل على الاستثناء. ومن كره من أهل العلم أو غلظ؛ نظر إلى معنى آخر، وهو أن القرآن كلام الله جل وعلا، وكلام الله جل وعلا لا يُباع. وهذا يعني بعضهم استدل بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. لكن ليس المراد هذا؛ ليس المراد البيع والشراء، وإنما المراد الذي يحصل منه تلاعب في آيات الله تبارك وتعالى؛ يحل شيئًا أو يحرم شيئًا من أجل ماذا؟ من أجل لعاعة من الدنيا، أو من أجل شيء من أمور الدنيا. فهذا هو المنهي عنه. أما إنسان يريد أن يشتري مصحفًا لأجل أن يقرأ فيه أو يحفظ فيه، وآخر ابتاعه -أي باعه- لأجل أن يربح في ذلك المبيع؛ فالظاهر -والله أعلى وأعلم- لا بأس به؛ لأصل الجواز. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.