الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الرابعة 11، ألقاها
يتناول وجوب الاحتراز في الدليل عن صورة النقض واختلاف الأصوليين في تمكين المعترض من إثبات وجود العلة. يبرز أهمية الدقة في بناء الدليل وتفادي النقض.
يناقش آراء الأصوليين حول مسائل النقض والاستدلال، وشروط قبول المعترض دليلاً على عدم الحكم وانتقاله إلى الاستدلال. يستعرض آراءهم حول إقامة الدليل على وجود العلة.
يناقش أقسام المعارضة في القياس، حيث قسمها إلى قسمين، ويذكر أمثلة ويوضح ضابط المعارضة في الأصل. يبين كيفية تصحيح مذهب المعترض وإبطال مذهب الخصم.
يناقش مسألة المعارضة بين الأدلة الشرعية وعلاقتها بتعدد العلل المستنبطة. يبين أن جواز تعدد العلل يلغي التعارض بين الأدلة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: التنبيه الثاني: أظهر قولي أهل الأصول عندي وجوب الاحتراز في الدليل عن صورة النقض، بأن يذكر في دليله ما تخرج به الصورة التي يرد عليها النقض. كان يقول في علة القصاص: قتل عمد عدوان واقع من غير والد لولده، فيه القصاص. فقوله: واقع من غير والد لولده احترز به عن صورة النقض. فلو لم يحترز بذلك عنها لقال المعترض: هذه العلة منتقضة بقتل الوالد ولده، فهو قتل عمد عدوان ولا قصاص فيه. وهذا في الأمثلة السابقة خلافا لمن قال من الأصوليين: لا يجب الاحتراز المذكور بل يستحب. قال رحمه الله تعالى: التنبيه الثالث: قد قدمنا أن من أجوبة المستدل عن النقض منعه وجود الوصف الذي هو العلة في صورة النقض، فلو أراد المعترض إثبات وجوده بالدليل، فقد اختلف أهل الأصول هل يمكنوه من ذلك إلى أربعة مذاهب. الأول: وبه قال الأكثر، أنه ليس له ذلك؛ لأن فيه نقل الكلام إلى مسألة أخرى، وبذلك يصير المعترض مستدلا والمستدل معترضا، وكل ذلك على خلاف ما تقتضيه طريقة الجدل. الثاني: أن له ذلك؛ لأنه متمم للنقض. الثالث: وبه قال الآمدي، إن تعين ذلك طريقا للمعترض في دفع كلام مستدل وجب قبوله، وإن أمكن القدح بطريق أخرى هي أقرب للمقصود فلا يقبل منه ذلك. الرابع: وحكاه ابن الحاجب واختاره بعضهم، وأن العلة إن كانت حكما شرعيا لم يقبل منه ذلك لما فيه من الانتشار، وإن كانت حكما عرفيا أو عقليا فله ذلك لقرب المأخذ في العقليات والعرفيات دون الشرعيات. قال رحمه الله تعالى: التنبيه الرابع: قد قدمنا أن من أجوبة النقض منع المستدل تخلف الحكم، فإن منعه وقال: بل الحكم موجود فلا نقض. فأراد المعترض إقامة الدليل على عدم الحكم، فقال بعضهم: له ذلك؛ إذ يحصل مطلوبه وهو النقض بتخلف الحكم عن الوصف. وقال بعضهم: ليس له ذلك؛ لأنه انتقال من الاعتراض إلى الاستدلال. وقال بعضهم: له ذلك إن لم يكن طريق آخر أولى بالقدح، نظير ما تقدم. والقول بمنعه من الاستدلال مطلقا صححه صاحب جمع الجوامع، وقال صاحب الضياء اللامع: وعزاه ولي الدين لأكثر النظار. قال رحمه الله تعالى: التنبيه الخامس: لو أقام المستدل الدليل على وجود العلة في محل التعليل، وذلك الدليل موجود في محل النقض، فقال المعترض: ينتقض دليلك لوجوده في محل النقض دون مدلوله وهو وجود العلة. فاختلف هل يسمع منه ذلك أم لا؟ فقال الجدليون: لا يسمعوا، واختاره صاحب جمع الجوامع وغير واحد؛ لأنه انتقال من أمر إلى آخر. قال رحمه الله تعالى: السؤال الثامن: القلب، وضابطه أن يثبت المعترض نقيض حكم بعين مستدل بعين ما استدل دليل المستدل فيقلب دليله حجة عليه. وهو قسمان: أحدهما ما صحح فيه المعترض مذهبه، وذلك التصحيح فيه إبطال مذهب خصمه. ومثال ما كان مصرحا به فيه قول الشافعي في بيع الفضول: عقد في حق الغير بلا ولاية عليه فلا يصح قياسا على شراء الفضول؛ فإنه لا يصح لمن سماه. فيقول المعترض كالمالك والحنفي: عقد فيصح كشراء الفضول؛ فإنه يصح لمن سماه إذا رضي المسمى له وإلا لزم الفضول. قال رحمه الله تعالى: القسم الثاني من قسمي القلب هو ما كان لإبطال مذهب الخصم من غير تعرض لتصحيح مذهب المعترض. مثال الأول: قول الحنفي في مسح الرأس: عب وضوء، فلا يكفي في مسحه أقل ما يطلق عليه اسم المسح قياسا على الوجه؛ فإذا لا يكفي في غسله ذلك. فيقول المعترض كالشافعي: فلا يقدر بالربع كالوجه؛ فإنه لا يتقدر بالربع. قال رحمه الله تعالى: السؤال التاسع: المعارضة، وهي قسمان: الأول معارضة في الأصل، الثاني معارضة في الفرع. وأحسنهما المعارضة في الأصل؛ لأنه لا يحتاج إلى ذكر غير صلاحية ما يذكره للعل. وضابط المعارضة في الأصل أن يبدي المعترض وصفا آخر صالحا للتعليل، كما يقول الشافعي: علة تحريم الربا في البر الطعم، فيعارض الحنبلي بإبداء وصف آخر صالح للتعليل وهو الكيل. لا يخفى أن هذا النوع من المعارضة مبني على القول بمنع تعدد العل المستنبطة؛ لأنه على القول بجواز تعددها فلا مانع من أن تكون كلتا العلتين صحيحة. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.