الخطبة بعنوان إنا كفيناك المستهزئين، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٣ ربيع الآخر ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
استخدم الكفار أسلوب السخرية والاستهزاء برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بهدف تخذيله والتوهين لعضد المسلمين، وهو أسلوب تتابعت عليه الأمم الشقية الماضية مع أنبياء الله.
يعد الاستهزاء بمقام النبي صلى الله عليه وسلم كفرًا، والبدع تؤدي إلى قلة التوقير لمقام النبي، ويتكفل الله بحماية نبيه وينتقم من المستهزئين به.
يُمهل الله المستهزئين بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أو بشعائره ودينه ثم يُعاجلهم بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة، كما هو موضح في قصص ذكرها ابن حجر وابن كثير.
يُشدد على أهمية الصبر والتقوى مع انتظار العقوبة للمستهزئين، ويُفرق بين الصبر الحقيقي والاستسلام أو الهزيمة، ويختم بالدعاء للمسلمين والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا لما رأى الناس وهم في جاهليتهم الجهلاء وما كانوا فيه من حالةٍ نكراء من انحطاطٍ في الأخلاق والآداب وانتكاسةٍ في الفطر والآراء وانسلاخٍ عن العقائد والأديان، فبينما هم على حين غفلة أرسل إليهم ربُّنا جل وعلا رسوله ونبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أرسله ربُّنا جل وعلا إلى الخلق ليخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة ومن براثٍ الشرك والغواية ويدخلهم إلى نور التوحيد والاستقامة وإلى رحاب الطاعة والعبادة، بعثه ربُّه جل وعلا على أحسن هيئة وفي أحسن صورة حسًّا ومعنى ظاهرًا وباطنًا، هو المُزكَّى عليه الصلاة والسلام في كل أحواله وفي جميع أحيانه. زكَّاه ربُّنا جل وعلا في بصره فقال سبحانه: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾، زكَّاه ربُّه سبحانه وتعالى في منطِقِه فقال سبحانه: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، زكَّاه ربُّه جل وعلا في قلبِه فقال جل في علاه: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾، زكَّاه ربُّه في أخلاقِه وآدابِه فقال جل في علاه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، زكَّاه ربُّه فنزَّهه عن كل نقصٍ وعن كل عيب فقال جل في علاه: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾. هو بأبي وأمي صلواتُ ربي وسلامه عليه خير من وطئت قدمه الثرى، عليه الصلاة والسلام، هو سيِّدُ الأولين والآخرين، صاحبُ المقام المحمود والحوض المورود، حباه ربُّه وأكرمه بفضائل ومناقب وخصائص لم تُعطَ إلا له عليه الصلاة والسلام، حتى قال فيه ربُّه: ﴿وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾. أسبغ ربُّنا جل وعلا عليه بصفات الجلال وبمحاسِن وبشيَّم الخلال، كان عليه الصلاة والسلام قد ظهرت كريمُ أفعاله وجميلُ مقاله وأقواله مع كل أحد، مع الصغير والكبير، ومع القريب والبعيد، ظهرت صفاتُه وخلالُه حتى مع أعداء الدين، كما ظهرت بين أتباعه وأصحابه عليه الصلاة والسلام، فكان رحمة للمخلوقات والكائنات، ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. اعترف الكفارُ بفضله، فكانوا يلقِّبونه بالصادق الأمين، اليهود والنصارى ما وجدوا مطعنًا فيه لا في عقلٍ ولا في دين، لكنه مع هذا كله تنكَّبُوا عن دعوته وتصدَّوا لدينه وشريعته، فبارزوا له العداء وتنكَّبُوا عما عرفوه عنه من الخير والصدق والوفاء، فقاتلوه وقاتلوا أصحابه وضيَّقوا عليه وضايقوا على أتباعه، واستخدموا كافة الأسلحة في الصدِّ عن دينه وعقيدته. ومن أعظم تلكم الأسلحة ومن أشنع تلكم الوسائل التي استخدمها الكفار في صدِّهم وإعراضهم عن دين الله ما كان من استخدامهم لأسلوب السخرية والاستهزاء والتنقُّص بنبينا عليه الصلاة والسلام، وكان القصد من ذلك تخذيل الرسول الأمين والتوهين لعضُد أبناء المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. واعلموا عباد الله أن هذا الأسلوب الذي اتبعوه الكفار مع نبينا عليه الصلاة والسلام استخفافًا بحقه وسخريةًا بدينه إنما هي من الأساليب المتبعة التي تتابعت عليها الأمم الشقية الماضية، كما قال سبحانه: ﴿وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون﴾. وهكذا حالُهم مع أنبياء الله، ولنبينا عليه الصلاة والسلام النصيب الأوفر، رموه بالجنون واتهموه بالسحر والكهانة، وقال الكافرون: «هذا ساحرٌ كذاب»، وقال ربنا جل وعلا: ﴿أم افتراه بل هو ساحر مجنون﴾، وقال سبحانه: ﴿فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾. كان الكفار يتواطؤون على مثل هذه الألقاب تهكُمًا في نبينا وسُخريةً في دينه وعقله عليه الصلاة والسلام، وهكذا توالت الأجيال على استخدام هذا العامل الخسيس، ويُعتبر عاملًا للتنفيس عما في قلوبهم من حقدٍ دفين على الإسلام والمسلمين. كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحرٌ أو مجنون، ﴿أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾، ونحن في هذه الأزمان بين الفينة والأخرى تطلُّ علينا جرائد القوم ومجلاتُهم بما فيه من العبارات المُشينة وبالرسوم المُسيئة لنبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا الأمر منهم يا عبد الله ليس بأمرٍ جديد ولا بأمرٍ غريب، فالقوم ماضون على ما كان عليه أسلافهم من قبل مما سبَّت الأنبياء والرسل والاستهزاءُ بحقهم والتهكُّم في مقامهم، فهذا مما عُرِفَ عنه، والذي خبُثَ لا يخرُجُ إلا نكِدًا، تشابهَت قلوبُهم. لكن يا عبد الله الأدهَى من ذلك والأمر أن مثل هذه الظاهرة الخسيسة تسري بين أوساط المسلمين، فإن تعجب فعجبٌ لحال بعض الناس ممن ينتسب لهذه الملة ويدَّعي أنه من أبناء هذه الأمة، ومع هذه الحال يتطاول على مقام نبينا صلى الله عليه وسلم استهزاءًا واستهتارًا وتنقصًا واستخفافًا. وما كان ذلك ليصدُر من مسلم، قال ربنا جل في علاه: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «إن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفرٌ يكفر به صاحبه بعد الإيمان». وقد أدرج العلماء من الاستهزاء بالرسول عليه الصلاة والسلام ما كان من الاستهزاء بسنته وبما جاء به، كالاستهزاء بأمر اللحى والاستهزاء بتقصير الأثواب في حق الرجال، وهكذا التهكم في حال الحجاب والجلباب، وهكذا الاستهزاء بالمستقيمين لا لشيء وإنما لصلاحهم ولتمسكهم لدينهم، كل ذلك في حقيقته هو تنقصٌ من نبينا عليه الصلاة والسلام. فهل فطن المستهزئون لذلك؟ وأيضًا على غير هؤلاء أهل البدع الذين لطالما تنقصوا من مقام نبينا صلى الله عليه وسلم وحاولوا المساس بمقامه السامي صلواتُ ربي وسلامه عليه، إما بصريح العبارة أو بخفي الإشارة. فإن الرجل كلما ازداد ولوجًا في البدع وإعراضًا عن السنن أورث ذلك في قلبه قلة التقدير وعدم التوقير لمقام نبينا عليه الصلاة والسلام، بل ربما ظهر ذلك على فلتات لسانه، ولنا عبرة بأحوال أهل البدع والأهواء. فهذا ذو الخويصرة زعيم الخوارج يقوم معترضًا على نبينا عليه الصلاة والسلام في قسمته فيقول: «بمن إفمه اعدل يا محمد»، تنقص من مقام المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهذا زعيمٌ من زعماء المعتزلة عمر بن عبيد يحتج عليه بحديثٍ من أحاديث الرسول عليه الصاءلة: «هذا الحديث لو سمعته من رسول الله لرددته»، جرأة ووقاحة. لكن ما ظنُّك يا عبد الله بمن عشعشت في قلبه البدع سوى عدم التفجيل والتوقير لمقام المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهكذا الروافض الذين كانوا يصرِّحون ولا زالوا أن لأئمتهم منزلة لا يصلُّها ملكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مُرسل، حتى نبينا عليه الصلاة والسلام عندهم لا يصل إلى مرتبة وتبت الأولياء عند الروافض. وأما الباطنية فَحَدِّثْ عَنْهُمْ وَلَا حَرَجْ، من تلكم العبارات النَّتِنَةِ التي تلَطَّفَتْ بِالتَّمَقُّص نبينا عليه الصلاة والسلام، قال شيخُ الإسلام كما في كِتَابِهِ «الفرقان». وقد حدَّثَنِي الثِّقَةُ الذي كان منهم، وكان السياق في ذكر أتباع بن عربي الهالك، قال: «وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ الذي كان ممن كان منهم ثم رجع عنهم أن أبغض الناس إلينا هو محمد بن عبد الله»، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أدَّاعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فمما مضى عباد الله علمنا كيف أن طوائف من الناس أقدمت على التنقُّص من مقام نبينا صلى الله عليه وسلم استخفافًا بحقه وتهكُّمًا بأمره، سواء أكانوا من أعداء الملة أو كانوا ممن ينتمي لأبناء هذه الملة. ولنعلم عباد الله أن لا هؤلاء ولا أولئك استطاع أن يضرَّ بنبينا عليه الصلاة والسلام ولن يستطيعوا ضرَّه أبدًا، ﴿ما ضرَّ بحر الفرات يومًا إن قاضَ بعضُ الكِلَابِ فيه﴾، إن نبينا عليه الصلاة والسلام كما أن ربَّه قد تكفَّل بحمايته في حياته كما في قوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾. فإن الله جل وعلا قد تكفَّل بالانتقام من كل من سوَّلَت له نفسُه أن ينتقِص من جناب نبينا عليه الصلاة والسلام وأن يخدُش مقامه العالي صلواتُ ربي وسلامُه عليه، قال ربُّنا جل في علاه: ﴿إنا كفينا المستهزئين﴾. يقول إمام السعدي رحمه الله تعالى: «هذا وعدٌ من الله لرسوله أن لا يضرَّه المستهزئون»، ثم قال رحمه الله تعالى: «وأن الله جل وعلا قد فعل ذلك، فما تظاهر أحدٌ بالاستهزاء برسول الله وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شرَّ قتله». قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «كان يُحَدِّث عن تجارب المسلمين مما كان يجِدونه في قِتالهم من الكُفر»، كما ذُكِرَ ذلك عن جُند الإسلام أنهم كانوا إذا حاصروا حصنًا لأهل الكُفر فاستعصَى عليهم هذا الحصن، فلربَّما حاصَرُوه أسابيع، ولربَّما حاصَرُوه شهرًا. قال: «حتى أن اليأسَ كاد أن يدُبَّ إليهم لطول الحصار»، قال: «فإذا سمعوا بعلجٍ من علوج الكُفر رجل من أهل الكُفر فإذا سمعوه شتم الرسول أو تنقَّص من مقام النبي عليه الصلاة والسلام»، قال البعض منهم: «فاستبشرنا وتعجلنا الفتح»، أي أنهم كانوا يستبشرون ليس من أجل العبارة، لكن من ثمرة العبارة أن ما تجرَّأ أحد على مقام نبينا إلا صلَّط الله عليه الذلَّ والمهانة. قال: «فإذا سمعنا من أحدٍ منهم أي من أهل الكُفر تنقَّص من نبينا صلى الله عليه وسلم»، قال: «تباشرنا بالفتح»، أي بشر بعضنا بعضًا بالفتح، قال: «فما كاد يمرُّ يومٌ أو يومان حتى يفتح لنا المكان وتقع ملحمةٌ عظيمة»، كما قال الإمام السعدي: «ما تظاهر أحد بالاستهزاء بالرسول وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شرَّ قتله». ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى في «الدورر الكامنة» أن رجلًا نصرانيًا قام في محفل في بعض المناسبات، فإذا هو بكلمته يعرِّض بنبينا عليه الصلاة والسلام، فقام يسبُّه وقام يشتمُّه ويستهزئ به، فإذا بكلب صيدٍ مربوط، فإذا به يستهيج فهاج حتى وثب على هذا المتكلم النصراني فخمشه في وجهه وآثاه أذيَّة شديدة. حتى أن القوم منعوه عنه، إلا أن النصراني قام فاعتذر وذكر أن هذا الكلب ما قام إلا عندما قام هو بالإشارة إليه فاستثار لإشارته، فاستشار، فقام هذا الأحمق واسترسل في كلمته وعاد لما كان قد تكلم به بالوقيعة في نبينا عليه الصلاة والسلام وفي شتيمته. فإذا بالكلب يهيج مرة أخرى فيقطع رباطه ثم يهجم على هذا العنصراني على عنقه فيقتلع حنجرته، فيقتلع حنجرته، فمات من فوره، فمات في فوره، وما أمهله الله جل في علاه، نعم عباد الله يُكِل يُهْلِكُهُ الله ويقتُله شر قتله كما قال العلماء. وهكذا ما ذكره ابن كثير من تلكم العِبَر والعِبرات حتى تعلم يا عبد الله غيرة الله على نبيه عليه الصلاة والسلام من كل أحد، ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى أنه رجلًا ماجنًا اشتهر بالمجون والفسق وبالاستهزاء بدين الله جل وعلاً. فكان من استهزائه أن استهزأ بأمر السواك، فقال يومًا من الأيّام: «هذا السواك والله ما أستاكُ به إلا في مخرجي»، فوضع السواك في دُبره استخفافًا بهذه السنة، فوضع السواك في دُبره، فإذا هو يمكُثُ فترة، فبعد تسعة أشهر يضع ولدًا، يضع مولودًا، وهذا المولود على شكل حيوان له قوائم أربع ورأسه كرأس السمكة، له فيها أنياب. فإذا ببنت الرجل ببنته عندما رأت هذا المنظر قامت إلى هذا الحيوان ورضخت رأسه، فقتلته، أما ذاك الرجل فما عاش إلا أيام، وفي اليوم الثالث مات، حتى كان يقول: «هذا الحيوان قتلني قطع أمعائي»، ذكر ذلك ابن كثير في «البداية والنهاية». نعم عباد الله، كم وكم نحكي عن تلكم النماذج وعن تلكم العبر التي يهلك ربنا جل وعلا كل من سولت له نفسه التطاول على مقامه عليه الصلاة والسلام أو الاستهزاء بشيء من سننه، وإن هذه العقوبات لا تقتصر في حياة المستهزئ بل ربما تلحقه بعد مماته. حتى يكون عبرة وعظى لغيره، روى البخاري في صحيحه من حديث أنس أن رجل النصراني أسلم فدخل في الدين فقرأ القرآن وقرأ البقرة وآل عمران، حتى كان يكتب لنبينا عليه الصلاة والسلام، إلا أن هذا الرجل ارتد ورجع عن الإسلام ثم رجع إلى قومه كافرًا. وكان يدعي عند أصحابه ويقول: «والله ما يدري محمد إلا ما كتبت له»، مبينًا أن من غفلة النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الكاتب كان يدس في أمر الوحي ونبيه لا يشعر بذلك، تهكمًا واستخفافًا بمقامه، قال: «والله إن محمد لا يدري إلا بما كتبت أنا». قال: «فإذا بهذا الرجل يموت عند قومه»، قال: «فدفنوه»، فلما أصبحوا فإذا بالأرض لفظت، فلما أصبحوا وجدوا جثة الرجل على الأرض هامدة على سطح الأرض، فقالوا: «إن هذا من فعل محمد لما هرب منهم»، نبشوا عن صاحبنا فألقوه. ثم قاموا فحفروا له وأعمقوا في الأرض ثم وضعوه، فلما أصبحوا في اللوم الثاني فإذا بالأرض لفظت، فأصبح جثة هامدة على سطح الأرض، فقالوا: «إن هذا من فعل محمد مع أصحابه عندما فر هذا الرجل منهم»، نبشوا عن قبره، فحفروا له وأعمقوا له ما استطاعوا لذلك. ثم أوروه التراب ثم دفنوه، فلما أصبحوا في الثالثة فإذا بالأرض لفظت تقيأت ما تحملت من أمثاله لفظته، فلما أصبحوا ورأوه على هذه الحالة قالوا: «علمنا أن هذا ليس من فعل الناس»، فتركوه منبوذا تركوه منبوذا على وجه الأرض. نعم عباد الله، إن هذه الآثار وهذه الحكايات والوقائع لفيها إنذار لكل أحد كائنا من كان، سواء أكان من أعداء الملة أو ممن ينتسب لهذه الملة، أن من سولت له نفسه بالاستهزاء والتنقص والسخرية من مقام نبينا عليه الصلاة والسلام أو مما جاء به المصطفى عليه الصلاة والسلام. فليعلم أن الله جل وعلا له بالمرصاد، عذاب في الآخرة وخزي في الدنيا، هلاك ودمار في العاجلة وعذاب مقيم في الآجلة، نعم عباد الله، وبهذا عباد الله كذلك فيه بشارة لأهل الإسلام أن الله جل وعلا سيقر أعين أهل الإيمان بأن ينتقم جل في علاه في حق كل من نال من شرف نبينا عليه الصلاة والسلام. أو من كرامته أو من دينه أو من عقله وعقيدته وشريعته، لهذا عباد الله علينا أن نرقب في هؤلاء وأن ننظر في أحوال هؤلاء، فإن الله سبحانه وتعالى سرعان ما ينزل عليهم عجائب قدرته ويجعل تدبيرهم تدميرًا عليهم. فما علينا عباد الله أن نستعجل الأحداث، قال ربنا جل وعلا: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾. الصبر يا عبد الله ليس بخور، الصبر يا عبد الله ليست هزيمة، الصبر يا عبد الله ليست وهن، ﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾، الصبر منا ما هو إلا ترقب، نترقب في أحوال هؤلاء المستهزئين ما سينزله ربنا جل وعلا من هلاك في الدنيا وهلاك في الآخرة، وعد الله، ومن أصدق من الله قيلًا ومن أصدق من الله حديثًا. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.