شرح لمعة الإعتقاد  32

شرح لمعة الإعتقاد 32

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 32، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الإسراء والمعراج: الإيمان والحقائق

يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، مثل حديث الإسراء والمعراج الذي كان يقظة لا منامًا. الإسراء والمعراج ثابت في القرآن والسنة، والصحيح أنه وقع بجسد النبي وبدنه.

أدلة الإسراء والمعراج والردود الفقهية

يتناول المقطع الأدلة على أن الإسراء والمعراج كان ببدن النبي وليس منامًا، ويستشهد بآيات القرآن وردود الفعل من قريش، كما يرد على شبهات أهل الأهواء حول استحالة الإسراج والمعراج عقلًا.

الغيبيات وأشراط الساعة: الرد على الشبهات حول قصة موسى

يتناول المقطع الرد على شبهات حول قصة موسى عليه السلام مع ملك الموت، حيث يوضح أن موسى لم يكره لقاء الله وإنما كره الموت، ويشرح معنى الحديث النبوي 'من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه'.

خاتمة الدرس والدعاء

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فتتمةً لما أسلفنا، أخواني في الله، ومتابعةً لما مضى في درس الظهر، عما ذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى فيما يجب على كل مسلم إزاء ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ قال: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه". ومما ذكر رحمه الله تعالى أن الإيمان يجب أن يكون شاملًا لكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، سواء عقلناه أو جهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا منامًا. فإن قريشًا أنكرته وأكبرته، ولم تنكر المنامات. الإسراء والمعراج خلاصته أن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه أُسري به من قبل ربه سبحانه وتعالى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن ثم من هناك عُرج به إلى السماء. وقد جاء ذلك مصرحًا به في القرآن بقوله جل في علاه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾. فهذه حقيقة ثابتة في القرآن وتواترت عليها السنة. لكن بقي الخلاف هل هذه القضية التي تمت لنبينا عليه الصلاة والسلام كانت بجسده أو كانت ذلك منامًا؟ ويعبر عنها: هل كان ذلك يقظة أم كان ذلك منامًا؟ على أقوال. والصحيح والذي عليه أئمة الإسلام وجماهير العلماء، وعليه أقوال أهل العلم والفقه في الدين: بأن ذلك وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم يقظة، وقع ذلك لنبينا بجسده وبدنه عليه الصلاة والسلام، ما كان ذلك بروحه، ما كان ذلك منامًا كما يدعي من يدعي. والأدلة المتكاثرة والمتضافرة تدل على حقيقة هذه المسألة. فمما يستدل به أهل السنة والعلماء على عقيدة أن نبينا إنما أُسري به بجسده وبدنه: أولًا، لفظ القرآن، فقد قال ربنا جل في علاه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، وقال العلماء: إن لفظ العبد إنما يطلق على مجموع الجسد والروح. ثانيًا، الدليل الثاني كذلك في نص القرآن في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾، التسبيح يكون في الأمور العظام، في المسائل الكبار الجسام التي تستدعي التعجب. فلو أن نبينا الذي وقع له كان عبارة عن منام، نام نومة ثم رأى هذه المسائل، هل كان هذا محل تعجب؟ ليس محل تعجب كبير. ثالثًا، من الأدلة الدالة على أن نبينا إنما أُسري به ببدنه ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾، ففي قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ حماية لبصر نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذه الآية كما يقول العلماء تتناول ما وقع لنبينا من مشاهداته عندما أُعرج به إلى ربه سبحانه وتعالى. رابعًا، مما يدل على أن نبينا أُسري به بجسده وبدنه ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: "فإن قريشًا أنكرته وأكبرته ولم تنكر المنامات". لو أن نبينا أخبر الناس عن منام، لو أخبر الناس عن منام، هل في ذلك تكذيب؟ هل في ذلك إنكار أو تعجب من الناس؟ ومما ينقل من باب الفائدة ما ينقل ويؤثر عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وعن معاوية رضي الله تعالى عنه أيضًا: أنهما قالا إنما أُسري بروحه ولم يفقد جسده. فهذا قال عنه الألباني: لم يصح هذا، لا عن عائشة ولا عن معاوية. فنبقى، أخواني في الله، على الأصل، وكما قال المؤلف: هذا من أمور الغيب، ولأن بعض الناس من أهل أهواء يستشكل ويقول: هذا من المستبعد. كيف يكون لبشر أن يعرج إلى السماء؟ ونعلم أن الذي يحتاج إلى أن يسافر خارج الغلاف الجوي يحتاج إلى أكسجين ويحتاج إلى ما يمنع الجاذبية. فقلنا: نحن نسلم ذلك، وهذا أمر عقلي. ولهذا المؤلف مهد لمثل هذه المسائل: أن مسائل الغيب لا تخضع للعقل، إنما ذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى. إنما أمر لشيء إذا أردنا أن يقوله: "كن فيكون" من غير أسباب، من غير أشياء. فربنا قادر على كل شيء. ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فرد عليه عينه. هذه مسألة كذلك من المسائل التي استشكلت على بعض من لا علم له، ومن لا فقه له من أهل البدع والأهواء. فقد ثبت ذلك في الصحيحين أن ملك الموت جاء إلى موسى عليه السلام، فإذا بموسى يلطمه، يلطم موسى ملك الموت ففقأ عينه. أما أهل السنة والجماعة فما وجدوا غضاضة البتة في التسليم والخضوع لهذا الحديث. قال علماء أهل السنة أولًا: أن هذا الملك إنما جاء على موسى عليه السلام على غير صورته، على غير صورته الحقيقية، فإنما جاء ملك الموت لموسى على صورة آدمي، على صورة بشر. وقد مر معنا أن من خصائص الملائكة التي حباهم الله جل وعلا بها: أنهم لهم أن يتشكلوا بصورة آدمي. ولهذا فضح الصورة تعلم أن موسى ما تجاسر على ذلك، طبعًا هناك إشكالات متعلقة بهذا الحديث. لأن المتدبر يقول: طيب أنتم تقولون بأن موسى لم يعلم به، إذن قلنا: موسى ما تجاسر على ملك. طيب إذا قلنا أن موسى إنما تعامل مع آدمي على قولكم، فلطمه. طب أين القصاص؟ أليس في الشريعة هناك قصاص؟ فخرج العلماء بما خرج آخر، قالوا: في روايات هذه القصة أن موسى عليه السلام عندما دخل إلى بيته وجد هذا الرجل في بيته، هنا لطمه. لماذا اللطم؟ قال: اللطم وهو فقء العين، لأن هذا دخل إلى بيته بغير إذنه. وهذه شريعة مستقرة حتى في ملتنا. فالشرع قد جاز وشرع نبينا بل وأمر أن من نظر إلى بيت قوم بغير علمهم، لهم أن يفقؤوا عينه، وأن عينه هدر لا يطالب بقصاص بعد ذلك. ثبت عن نبينا أن نبينا كان في بيته وكان يمتشط، فأحس نبينا بأن رجل ينظر إليه من ثقب، فهم نبينا أن يفقأ عينه بمشطه. وأما الشبهة الثانية وهي قولهم: كيف أن موسى ما أحب لقاء الله؟ ما أحب لقاء الله إذا كان هذا ملك الموت أراد من موسى، وموسى كره الموت. هذا لا ينبغي، لا ينبغي للصالحين أن يكرهوا الموت. فكيف بموسى؟ وقد قال نبينا: «من كره لقاء الله كره الله لقاءه». يقال: لا، موسى لا يكره لقاء الله حاشا من ذلك. لكن ينبغي أن نتأمل في هذا الحديث، ما معنى هذا الحديث الذي يستدل به القوم؟ «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». موسى ما كره لقاء الله، موسى كره الموت، وكراهة الموت هذه فطرة، هذه جبلة موجودة في كل واحد منا. فموسى عليه السلام ليس من هذا القبيل، لا من قريب ولا من بعيد. فموسى لم يكره لقاء الله حاشا، وإنما كره الموت، عن غير استعداد. وهذا الأصل في النفس البشرية. وأما تمام الحديث فليس معناه كما يدندن به الناس، وإنما حب لقاء الله جل وعلا وذلك في حال المؤمن إذا رأى ما بشر به في احتضاره من الجنة التي أعدت له. ثم قال مؤلفه رحمه الله: ومن ذلك أشراط الساعة، وسنأتي عليه إن شاء الله. معنى ذلك مسائل متعلقة بالغيبيات مما يتعلق بالإيمان بالساعة وبأشراط الساعة، كخروج الدجال ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، إلى آخر ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.