شرح لمعة الإعتقاد  17

شرح لمعة الإعتقاد 17

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح معنى الاستواء

يشرح معنى الاستواء في القرآن الكريم وآيات الصفات، ويبين إجماع السلف على إثبات استواء الله على عرشه. يرد على المبتدعة الذين أنكروا هذه الصفة.

تفسير الاستواء وعلو الله تعالى

يفسر معاني كلمة "استوى" في اللغة العربية وتفسيرها في الآيات القرآنية، ويستدل على علو الله سبحانه وتعالى من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.

تأكيد علو الله وتفسير آية "أأمنتم من في السماء"

يناقش علو الله سبحانه وتعالى ويستعرض تفسيرات العلماء لآية "أأمنتم من في السماء"، ويبين دلالة الآية على علو الله تعالى.

خاتمة الكتاب والدعاء

أنهى المؤلف كتابه بالدعاء أن ينفع الله قارئه ومستمعه، ودعا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام، وطلب من الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فاستئنافا واستكمالا لدروس التي خلت في رسالة لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، ومضى معنا إخواني في الله ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر بعض آيات الصفات، وذكرنا ما يتعلق بها من مسائل وأحكام وأقوال السلف رحمه الله تعالى. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن ذلك قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وقوله تعالى ﴿أأمنتم من في السماء﴾، قال: وقول النبي صلى الله عليه وسلم «ربنا الله الذي في السماء»، فقد جَسّ اسمك. وسيأتي معنا مزيد بحث حول الأدلة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. إذن قول المؤلف رحمه الله تعالى: ومن ذلك، أي ومن هذا الباب، أي ما يتعلق بصفات الله سبحانه وتعالى. قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، فسيتكلم المؤلف رحمه الله تعالى وأراد من الاستدلال بهذه الآية ما يتعلق بمسألة الاستوى، إثبات صفة الاستوى لله سبحانه وتعالى. والاستوى إخواني في الله هو علو خاص، هو علو خاص بالله سبحانه وتعالى يليق بجنابه الكريم جل في علاه. وثم سيأتي المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذكره الأدلة الدالة على العلو الخاص، وهي الاستوى، سيتكلم كذلك عن الأدلة الدالة على العلو العام، وهو علو الرب سبحانه وتعالى بذاته. المؤلف أطنب وأكثر من حشد الأدلة في هذه الصفة، كما تلاحظون على خلاف ما سار عليه في الصفات السابقة، إذ أنه فيما مضى إذا ذكر صفة ما استدل لها بدليل واحد، وما زاد عن ذلك تجد غالب الصفات التي قد مضت معناها على هذا النحو. إلا هذه الصفة ما يتعلق بعلو الله بشكل عام، فإنه قد ذكر الأدلة الكثيرة، طبعا وهذا لغاية ولأمر، وهو أن هذه المسألة هي التي احتد فيها النقاش والعراك وهكذا الجدال من المبتدعة على أهل السنة والجماعة. فتلاحظون أن أصبحت هذه الصفة من أعظم الفروق التي تفرق بين أهل السنة والجماعة وبين المبتدعة، وهي ما تتعلق بصفة إثبات استواء الله سبحانه وتعالى. ولهذا المؤلف أكثر من سير سرد الأدلة تحت هذه الصفة خاصة. قال رحمه الله تعالى: ومن ذلك قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، والاستواء قد جاء بهذه الصيغة في قرآن في سبع آيات، في سبع آيات من القرآن، ذكّر ربنا سبحانه وتعالى هذه الصفة ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، ثم استوى على العرش جاءت في سبع مواضع على هذا النحو. وأهل الاستواء أثبته، أهل يثبت لله سبحانه وتعالى بدلالة الكتاب والسنة وإجماع السلف، أدلة الكتاب تدل على استواء الله، أدلة السنة تدل على استواء الله، وهكذا الإجماع. ونعني بالإجماع إجماع السلف، وعلى رأس من صحابه رضي الله تعالى عنهم، فهم السواد الأعظم الذين إذا أجمعوا على أمر ما فالقول قولهم. ولا يشغب عليك يا عبد الله بعد ذلك من يدعي بأن الأمة الموجودة في هذه الأزمان وهم الملايين المتكافرة من الأشاعر من غيرهم، وهم على خلاف ذلك، لا يضرن هذا بعد ذلك، هؤلاء على غير السبيل، هؤلاء خالفوا الجماعة الأم، والجماعة قد استقر في زمن الصحابة ومن بعدهم من أئمة الدين على استواء الله سبحانه وتعالى. فلو خالف من خالف ولو كثروا ولو كثروا بعد ذلك، فلا يضر ذلك الإجماع شيئا، فالإجماع قد قام وهو معتبر وهو معتمد. فاستواء الله سبحانه وتعالى دل عليه الكتاب والسنة وإجماع، ونعني بإجماع السلف وعلى رأسهم أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام. والاستواء يأتي عند علماء السلف بأربعة معان، الاستواء يأتي عند علماء السلف بأربعة معان، بمعنى على وارتفع وصعد واستقر، على وارتفع وصعد واستقر. فتجد إذا أنت أردت يا عبد الله أن تعبر عن معاني الاستواء، فلا تخرج عن هذه الأقوال. تقول معنى الاستواء قالوا: بمعنى الارتفاع، بمعنى العلو، بمعنى الصعود، بمعنى الاستقرار، ولا تزد عن ذلك، هذه المدارات وهذه الأقوال دارت عليك كلمات وعبارات السلف. فإياك يا عبد الله أنك تغير، إياك أنك تبدل. فينبغي أنك تأخذ العبارات بما كان عليها السلف، والسلف ما أخذ ذلك إلا من بطون اللغة، من بطون اللغة، كما سيأتي ذلك معنى من اللغة العربية. وهذه قاعدة ينبغي اهتفطن إليها طالب العلم، على أن الألفاظ إذا أردت أن تتعرف على معانيها، فخذ معانيها مما أثر في اللغة، وخاصة ما ظهر منها. ما ظهر منها أحيانا، أحيانا تأتيك بعض الألفاظ، وهذه الألفاظ تجد أن لها عدة معاني، وأن بعض المعاني مشتهرة وبعضها ناذرة تقال أحيانا، فلا تأتي للذي يقال عنه أحيانا تجعله الظاهر، لا، لا تجعله الظاهر، لا رتب المعاني على حسب الظهور والشيوع، على حسب الظهور والشيوع. وهذا الذي عليه العلماء في كتب التفاسير، وفي غير مال حتى في كتب الأحكام. وكان بعض الفقهاء يخالف هذا، يأتي إلى كلمة عربية فيأتي إلى معنى يسميه العلماء بوحش العبارة، معنى قديم أو معنى ضعيف أو معنى ناذر للإستخدام، فيجعله الأصل في تعريف الكلمة، ويمر على المعاني الشائعة الزائعة، هذا ليس صحيح. وليس هذا عليه عمل العلماء، وإنما العرب إنما تستخدم المعاني الظاهرة في تفسير الألفاظ التي يواجهونها. فإذن عندنا على وارتفع وصعد واستقر، على وارتفع وصعد، بمعنى واحد، وإن كان لفظ الاستقرار فيها معنى زائد، فيها معنى زائد. لكن أُثر عن بعض العلماء أنهم قالوا بهذا، ذكر هذا عن ابن المبارك رحمه الله تعالى، وعن مقاتل، وعن جماعة. ويرجع لذلك إلى تفسير الطبري، ذكر رحمه الله تعالى من قال بهذا القول بمعنى الاستقرار. ومن ينقل عنه أنه منع تفسير الاستقرار، يُحمل منه على أنه نفى الاستقرار الذي يستلزم المماسة. من نقل عنه أنه نفى الاستقرار بمعنى الاستقرار، يُحمل هذا كلامه على الاستقرار الذي يقتضي ويستلزم الممالسة، فهذا ينفع عن الله سبحانه وتعالى، وهذا وجهه، وهذا وجهه الله. فالأصل نبقى على ظاهر النصوص، أن العلماء من السلفين الصالح تناقلت وتواترت عن القرآن هذه المعاني الأربع في معنى الاستوى. الرحمن على العرش استوى، بمعنى على، بمعنى افتفع، بمعنى صعد، بمعنى استقر، سبحانه وتعالى. وكل ذلك بما يليق بجنابه جل فعلا. كذلك من المسألة المتعلقة بهذه الآية ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، أن المبتدعة أنكروا هذه الصفة، أنكروها، وأنكروا استوى الله عز وجل. وأمّا وجه ذلك، وجه ذلك أنهم نفوا الأدلة، قد يقول قالوا: وأن لهم أن ينفوا الأدلة، وهذه الآية ظاهرة بالاستوى. وماذا فعلوا؟ أدخلوا باب التأويل، فقالوا: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ هنا استوى بمعنى استولى، استوى بمعنى استولى. فأرادوا بهذه الكلمة أنهم ينفوا عن الله صفة الاستوى، وأدخلوا بدل الاستوى الاستيلاء. والعلماء قد ردوا عليه بردود كثيرة. وحسبنا أن نفهم إخوانا في الله هذه المسألة التي يذكرها أهل اللغة فيما ما يتعلق بمعنى الاستوى في لغة العرب. الاستوى في لغة العرب لها عدة معاني، وهذا على حسب التعدية من عدمها، الاستوى لها معاني، وذلك على حسب تعديتها من غيره أو من غير التعدية. فإذا جاءت لغة الاستوى ولم تتعد بشيء، فتكون بمعنى كامل، بمعنى كامل. ولما بلغ أشده واستوى، واستوى هنا بمعنى كامل، هذا معنى الاستوى إذا جاء ولم يتعد بشيء. واستوى بمعنى كامل. وإذا جاءت كلمة استوى وقد عُديت بحرف الجر إلى، فإن استوى هنا تأتي بمعنى قصد وارتفع، تقول تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾، إلى السماء، بمعنى قصد وارتفع. وإذا جاءت استوى وقد عُديت بحرف الجر على، هنا تأتي بمعنى العلو والارتفاع، ﴿لتستوى على ظهوره﴾، ما معنى على ظهور؟ أي تطلعوا وتصعدوا على ظهوره، وهذا بإجمع اللغة، وهذه مسألة من العجب، أنا بإجمع أهل اللغة أن استوى إذا عُديت بعلاء، فإنها تأتي بمعنى العلو والارتفاع، ﴿لتستوى على ظهوره﴾. وإذا جاءت استوى وعُديت بحرف الجر أو بحرف العطف، فإنها لكون بمعنى المساواة، استوى الماء والخشبة، استوى الماء والخشبة. فإن عندي الاستوى بهذه المعاني، إما تأتي مطلقة من غير تعديا، بمعنى الكمال، وإما تأتي قد عُديت بحرف الجر إلى، بمعنى القصد والارتفاع. وإما أن تعدى بحرف الجر على، بمعنى العلو والارتفاع، وإما أنها تأتي وقد عُديت بواو، فإنها تأتي بمعنى المساواة والتساوي، بمعنى المساواة والتساوي. وعندنا هذه الآية ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، على العرش استوى، تجد أن ماذا هنا؟ استوى قد تعلقت ماذا بحرف الجر على. وبهذا بلا منازع عند أهل اللغة والجمع، أهل اللغة بأن ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ بمعنى على وارتفع. وأيضا يقال: من أول كلمة استوى بمعنى الاستيلاء، يقال أن الآية قد تكررت في سبع مواضع، ولم تأتي في موضع واحد أن غيرت من استوى إلى استولى. فدل أن ذلك تحكم من أهل أهواء، وليس له دلالة كذلك من كتاب، ولا من سنة، ولحتى كذلك من قول العرب. وما ينجنون به من ذلكم البيت الشعري المنسوب للأخطل، فهذا لا يعتمد عليه، وليس هذا مقامه الرد عليه. فالحاصل إخوانا في الله، فهذه ما يتعلق بهذه الآية ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى ﴿أأمنتم من في السماء﴾، كذلكم هذه الآية يستذل بها العلماء من أهل السنة والجماعة على علو الله، على علو الله، أي العلو المطلق سبحانه وتعالى. ﴿أأمنتم من في السماء﴾، وعلو الله سبحانه وتعالى قد دلت عليه الأدلة الكثيرة. ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر أن إثبات علو الله يثبت من ألف دليل، علو الله سبحانه وتعالى يثبت من أكثر من ألف دليل. والذهب رحمه الله تعالى ألف رسالة في مختصر العلو، والتي أشبعها بالنقولات من الكتاب والسنة، ومن أقوال الصحابة والتابعين واتباع التابعين، بالمئات والمئات والمئات، الدال على أن الكل يثبت ماذا؟ علو الله سبحانه وتعالى. بل قال علماء: أن أدلة الشرع تنوعت في الدلالة على علو الله سبحانه وتعالى، فمما دل على علو الله سبحانه وتعالى الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، هذه الأمور الخمس كلها دلت على علو الله سبحانه وتعالى. فالقرآن بالآيات الكثيرة الموجودة في القرآن تدل على علو الله، آيات النزول والتنزيل تدل على علو الله، آيات الصعود إليه تدل على علو الله، آيات الفوقية تدل على علو الله، آيات العروج تدل على علو الله سبحانه وتعالى، كثيرة جدا. العلي العظيم من أسمه وصفاته، من اسمه العلي سبحانه وتعالى، دلال على علوه جل في علام. وهكذا السنة، حتى قال علماء: أن السنة بأقسامها الثلاثة، السنة القولية والسنة الفعلية والسنة التقريرية. السنة القولية: «سبحان ربي الأعلى»، كان يأتي بها نبينا صلوات ربي وسلامه عنه في سجوده، إثبات لصفة العلو الله سبحانه وتعالى. الصفة الفعلية: وأشار بسبابة إلى السماء «اللهم فاشهد»، إثبات العلو بفعله عليه وصفاته. وكذلك التقرير كما سيأتينا في حديث الجارية «أين الله؟ الله في السماء»، قال: «اعتقها فإنها مؤمنة». وهكذا دلة العقل، وهكذا دلة الفطرة، الفطرة النفس مفطورة على علو الله سبحانه وتعالى. وإن كان الشخص قد يتفلسف ويأتي بمن قد اعتاد عليه بلسانه، لكن من صميم قلبه وفي فطرته يعلم ويستشعر علو الله سبحانه وتعالى. ومن الطريف ما نجده في هذه الأنحاء مثلا من بلادنا، من من يقول بأن الله ليس في السماء، من يقول بأن الله في كل مكان. تجد أن من فعلهم يعني هذا يدلك على أن في قرارة أنفس بعلو الله، أنه إذا مر أحد بنعال وجدها مقلوبة، ماذا يفعل؟ ما تأتيه نفسه ولا تطيب نفسه حتى يعدل النعال، تقول ليش؟ خِلّني، قال: لا، لا، لا تجعل فوق وأنت إيش تقول؟ لا تقول أن الله في كل مكان. أنت لهذا الشخص لو وجد النعال على جنب هذا وعلى هذا الجنب، سيتركها، لكن لو رأى هكذا مقلوبة على السماء، ما يرتضي ذلك، يعدلها، قرار في نفسه بأن الله في علوه سبحانه وتعالى. لكن المكابرة، المكابرة، وهكذا الجهل والتقليد للأسلاف والعراف. فالفطر إخواني في الله ماذا في نفسها؟ مفطورة على علو الله سبحانه وتعالى. الكفرة الذي ينكرون وجود الله إذا جاءتم الشدائد، نظروا إلى السماء «يا الله يا الله»، لمن تنظرون؟ إذا كان لا رب عندكم، وأن الله ليس في كل مكان، وأن الله حَلّ في بشر مثلا، كم يقولون بأن الله بأن عيسى هو الرب عندهم. طب ما لا تنظر في السماء؟ الفطرة الفطرة تنازع النفس على أن الله سبحانه وتعالى في السماء جل في علاء، أي في علوه. وأما المبتدعة، فأقوالهم غريبة عجيبة. ومن أعجب ما نقل عن أهل البدع ما نقل عن المريسي. ذكر ذلك الذهبي رحمه الله تعالى أن بشر المريسي، مكابرة مكابرة حتى لا يأتي بشيء يكون حج عليه، مثل دعاء السجود إذا سجد يقول «سبحانه ربي الأعلى»، يعلم أن هذا التناقض منه، كيف يثبت علو الله وهو لا يقول علو الله؟ ما الذي تظن كان يقول في دعائه؟ يقول «سبحانه ربي الأسفل»، «سبحانه ربي الأسفل». ذكر هذا الذهبي في مختصر العلو، ونقل عن يزي بن هارون رحمه الله تعالى لما ذكر ذلك عنه، قال للسائل: إن كنت صادقا فإنه كافر، إن كنت صادقا إنك سمعت يقول هذا الدعاء «سبحانه ربي الأسفل»، قال: فإنه كافر بالله العظيم. لكن هذه مآل بدعة والخروج عن الهدي الصحيح والصراط المستقيم. إذن أخواني في الله، علو الله سبحانه وتعالى دل على الكتاب والسنة، سواء السنة القولية والفعلية والتقريرية، وإجماع السلف. وهكذا ذكّر ذلك ابن الرجو، ذكّر ابن عبدالبر رحمه الله تعالى. وأيضا كذلك العقل والفطر، كل ذلك يدل على العلو الله سبحانه وتعالى. وعلو الله سبحانه وتعالى يقسمه العلماء إلى أقسام من ثلاث: علو قهر، وعلو قدر، وعلو ذات، ذكر ذلك المقيم في مختصر الصواعب. وذكّر ذلك ابن عبدالعز الحنفي رحمه الله تعالى في شرح للطحاوية، أن ذلك من صفات علو الله، علو الله في قدره جل في علاه، لا أحد يدانيه ولا أحد يزاحمه في أسمه وصفاته. وعلو كذلك في قهره، هو الغالب، لا أحد أقوى منه، ولا أحد يخرج عن قهره سبحانه وتعالى. وعلو الذات. ومن الأعجب أن المبتدعة من الجهمية والمعطلة يقرون بعلو الله في قدره وعلو الله في قهره، يثبتون هذا ويثبتون هذا، إلا أنهم في علو الذات ينكرون ذلك. وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال: وهذا من التناقض، وهذا من التناقض. كما أنكم تقرون بأن الله له علو في قدره وعلو في قهره، فإن هذا يلزمكم أن تقولوا بأن الله هو عالم بذاته العلية سبحانه وتعالى. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية بقوله تعالى ﴿أأمنتم من في السماء﴾، وهو الله سبحانه وتعالى، هذا لا شك فيه. هذا قول أهل السنة، يقول: أأمنتم من في السماء، من هو في السماء؟ الله سبحانه وتعالى. الآلوسي رحمه الله تعالى في «روح المعاني ومعرف التفسير» للآلوسي، عند هذه الآية ذكر: وهو الله، أي من الذي في السماء الذي ينبغي أن يخاف منه؟ هو الله سبحانه وتعالى. قال: وهو الله، قال: وهذا قول أئمة السلف، لا يقولون غير هذا. فالعلماء أهل السنة متفقون على أن هذه الآية الضمير فيه هو الله جل فيه، هو الذي في السماء الذي ينبغي أن يخاف. ماذا فعل المبتدعة؟ لا، المبتدعة ما وفق أهل السنة، فماذا قالوا؟ قالوا: ما نقول أن الله إذا، ما معنى الآية عندكم؟ قالوا: معنى الآية «آمنت من في السماء»، أي آمنت من سلطانه في السماء، هذا معنى الآية عندنا، آمنت من سلطانه وملكه في السماء، طبعا. وهذا التأويل ساذج، التأويل ساذج. لأن هل ملك الله وسلطانه في السماء فحسب؟ أم في السماء والأرض؟ في السماء والأرض. وهذا إنما تأويل ساذج بارد. وبعضهم في هذه الآية التي نحن بصددها «أمنتم من في السماء»، يستشكل معنى، يقول: أنا ما أستطيع أن أثبت علو الله من هذه الآية. لأن هذه الآية في ظاهرها تدل على أن الله داخل السماء، أي ماذا؟ في هنا ظرفية، أن الله داخل في السماء، وأن السماء تحيط بالرب، وأنا ما أقول بهذا. هكذا يدعي البعض. ولله يدر، شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى في تعليقه على هذه الفرية أو على هذه الشبهة التي كان بعض المفتدعة يدندن بها على هذه الآية. يقول: أن هذه الآية ما نقول بظاهرها، لأن فيها دلالة على أن الله في داخل السماء، وأن السماء تحويه. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: ومن توهم أن الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه، قال: فهو كاذب إن نقله عن غيره، وظالم إن اعتقده في ربه. هذا بين أمرين، من ظن هذا الظن في هذه الآية بأن ظاهر الآية بأن الله بين السماء والسماء التحويه، قاله بين أمرين، إما أنه كاذب إن نقل هذا عن غيره، أو أنه ضال إن اعتقد هذا في ربه. ثم قال رحمه الله تعالى: «وما سمعنا أحدا يفهم هذا». هذا اللفت، أي ما سمعت أحد، ومقال طويل لشيخ يقفنا هذا يهمون هذه اللفتة، أن شيخ ينفي ما سمعنا أحد قد فهم من هذه الآية بهذا الفهم، بل قال في تمام كلامي رحمه الله: وقال: أن ما من مسلم يسمع بهذه الآية «آمنتم من في السماء»، إلا واعتقد العلو في الآية سبحانه وتعالى. دع الأمور على ظاهره، عبد الله، لا تكابر فتدخل الشبه، فماذا فيكون في ذلك زواغان القلب. والعلماء في هذه الآية «أأمنتم من في السماء»، لهم فيها تفسيرين مشهورين عند علمائنا. التفسير الأول: «أأمنتم من في السماء»، أن في بمعنى على، وهذا تحت قاعدة ما يسميه العلماء بأن حروف الجر تتناوب، حروف الجر تتناوب، هنا في بمعنى على، «أأمنتم من في السماء»، بمعنى آمنتم من على السماء، وهذا كثير جدا. ومثال في قوله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض﴾، بعضنا يقول: يكابل لا، أنت ليشت أول هذا تأويل، قل لا موه تأويل، بل هذا من لغة العرب أن فيه تأتي بمعنى على. وإن كابر قل لكم ما تقول بهذه الآية، أمرك أمرك ربك أن تسير في الأرض. قل: سيروا في الأرض، كيف ستسير في الأرض؟ يعني تحتاج إلى مزحاف في ظهر، وتحفر حتى تكون داخل الأرض، هل هذا مقصود الآية؟ سيروا في الأرض، ضرفية لا، سيروا في الأرض، أي على الأرض. لأصلب أنكم في جذوع النخل، في جذوع النخل بمعنى على النخل، على جذوع النخل. إذن فيه بمعنى على، طبعا. وقولنا حروف فجة تناوب، هذا ليس بمزاجنا، وإنما هذه قواعد يذكر العلماء من علماء اللغة في الأحرف التي تستحق التناوب، وما هي أوقات أو قل ألفاظ التناوب التي تستحقها من معاني. فهذه المعنى الأول «أأمنتم من في السماء»، أي بمعنى هنا، فيه بمعنى على. والتأويل الثاني: أن يقال: نقي اللفظة على ظاهرها، ويكون معنى السماء بمعنى العلو، هذا المعنى الثاني الآية. وهذا عند علمائنا «أأمنتم من في السماء»، إما أن تقول بمعنى «أأمنتم من على السماء»، أو تقول «أأمنتم من في العلو». ما الذي غيرنا هنا؟ هنا عرفنا السماء بمعنى العلوب، وهذا عند العرب كذلك. فعند العرب يقول: كل ما علاك فهو سماء، كل ما علاك فهو سماء. فكل ما وفوقه فهو يعتبر سماء. وستدلوا بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء﴾، ﴿وأنزلنا من السماء ماء﴾. قال علماء: الماء هل هو الماء المطر؟ يعني هل هو ينزل من السماء من السحاب ينزل من السحاب؟ لا، ينزل من السماء، السحاب هذا الغيوم، هذا الذي تنزل من المطر. أما السماء هو أعلى من ذلك، هو أعلى، لا تصله الأمطار أصلا. فقال فيقول العلماء في قوي تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء﴾، هنا السماء بمعنى السحاب، فلماذا سميت السحاب سماء؟ لأنها على، فكل ما على فهو سماء. ولهذا فمعنى هذه الآية «أأمنتم من في السماء»، أي «أأمنتم من في العلو»، من في العلو. فهذه التفاسير تغضية هذه الآية. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقول النبي صلى الله عليه وسلم «ربنا الله الذي في السماء»، تقدس اسمه. هذا استدلال بحديث رواه أبو داود في سننه رحمه الله تعالى، لكنه ضعيف. فإنه من طريق زياد بن محمد، قال عنه البخاري: منكر الحديث. وأما الحافظ في التقريفة، قال عنه: متروك، قال عنه متروك. فهذا الحديث ليس له دلالة لضعف إسناده. ولكن السياقات إن شاء الله دلة أخرى. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى للدلالة على إثبات علو الله، أو سواء كان العلو العام أو كان العلو الخاص المتعلق بالاستواء. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.