المنتقى من شمائل المصطفى

المحاضرة بعنوان المنتقى من شمائل المصطفى، وكانت بمسجد ابن عباس بزغفة الجمعة ١٧ ربيع الآخر ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أهمية دراسة الشمائل النبوية وأسماء النبي ﷺ

يبرز المقطع أهمية دراسة الشمائل النبوية للاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم والرد على الشبهات، مبيناً عناية أهل السنة بصفاته الثابتة. كما يستعرض أسماءه الواردة في الصحيحين مثل محمد، أحمد، الماحي، الحاشر، العاقب، والمقفي مع شرح معانيها الدالة على خاتم النبوة والرحمة.

منهج الجرح والتعديل والشمائل الخُلقية للنبي ﷺ

يبيّن المقطع ضوابط الجرح والتعديل عند أهل السنة التي تشترط العلم والخبرة للحكم على المبتدعة. ثم يستعرض أبرز الشمائل الخُلقية من لين الجانب، وترك اللعن والفحش، وكون خلقه القرآن، وزواجه النساء، وشدة حيائه، وقبوله الهدية.

الشمائل الخَلقية للنبي ﷺ في الأحاديث النبوية

يصف حديث أنس بن مالك خِلْقَة النبي صلى الله عليه وسلم من القامة المتوسطة، واللون الأبيض المشوب بحمرة، والشعر بين الجعد والسبط، مع مراحل عمره: البعثة في الأربعين، ومكثه بمكة والمدينة، ووفاته على رأس الستين. وتؤكد روايات أخرى كحديث علي بن أبي طالب بلوغه ثلاثاً وستين سنة، وخلو رأسه ولحيته من الشيب إلا يسيراً، وعرض منكبيه، وضخامة رأسه وكفاه وقدميه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، كما سمعتم أن الحديث في هذه الليلة عن موضوع شمائل النبي عليه الصلاة والسلام. والعلماء يريدون بالشمائل: أي ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من الصفات الخلقية والخلقية. وقد اعتنى العلماء بهذا الباب، باب ذكر الشمائل النبوية، وألفوا فيه المؤلفات المستقلة، وما ذاك إلا لأهمية هذا الموضوع. وتظهر أهمية هذا الموضوع في كونه يتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خير البشر عليه الصلاة والسلام. كيف لا يكون هذا الموضوع ذا أهمية قصوى وهو يتحدث عن من أمرنا بالاقتداء به والائتساء به عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. فكيف تقتدي به وأنت جاهل بشمائله وخصائصه وصفاته عليه الصلاة والسلام؟ فلا شك أن الحديث في هذا الموضوع له أهمية قصوى. وهكذا تتجلّى لنا أهمية هذا الموضوع لرد شبهة لطالما لبس بها بعض أهل الضلال من المتصوفة وغيرهم ممن يسمون أهل السنة بأنهم لا يحبون النبي عليه الصلاة والسلام ولا يذكرون صفاته وشمائله، ويريدون بهذا أن نفعل فعلهم من القيام بالموالد والحضرات المبتدعة المخالفة لشريعة الله سبحانه وتعالى، وحصروا ذكر الشمائل في مثل هذه البدع وفي مثل هذه المحدثات. وهذا خطأ عظيم وضلال مبين. فأهل السنة والجماعة هم أولى الناس، وهم أكثر الناس ذكرًا لشمائل النبي عليه الصلاة والسلام. فهم يقرأون صحيح البخاري ليلًا ونهارًا، ويقرأون صحيح مسلم ليلًا ونهارًا، وهكذا يقرأون في الكتب الأخرى من كتب السنة والتي فيها ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر الشمائل، وكذلك القصص والصفات التي اتصف بها نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكيف بعد هذا يأتي هؤلاء ويرمون أهل الحق بما هم منه براء؟ فلا شك أن هذه المجالس توضح للناس أن أهل السنة هم أحق الناس، وكذلك أكثر الناس ذكرًا لشمائل النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ليس بالبدع والخرافات، ليس ببيئة الاجتماعات البدعية، وليس كذلك ببيئة الأحاديث الموضوعة والضعيفة، وإنما ينتقون من تلك الخصائص ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، وممن ذكره أهل الحديث في كتبهم المعتمدة التي اشترطوا فيها الصحة أو إلى غير ذلك. وهذا كذلك فرق بين أهل الحق وبين غيرهم في ذكر المناقب. فأنت إذا قرأت هذه الاجتماعات البدعية التي يعملها أهل الموالد، لرأيت كثيرًا من الصفات التي يذكرونها لا تثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل هي كذب محض على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كزعمهم أن الغزالة كلمته، أو كذلك أنه خلق قبل آدم، وأنه كان في السماء من نور، أو إلى غير ذلك مما هو معلوم في مثل تلك الموالد. ولكن أهل السنة إذا ذكروا الشمائل فهم ينتقون ما صح وثبت عنه عليه الصلاة والسلام. بهذا تتجلى لنا أهمية الكلام في مثل هذا الموضوع المهم. وهكذا أمر ثالث به يتبين لنا أهمية هذا الموضوع، وهو ما ظهر في هذه الأوقات المتأخرة من الطعن فيه عليه الصلاة والسلام من قبل الأعداء، أعداء الإسلام من الكفار والمشركين والملحدين، ورسم الرسوم التي تسيء إلى شخصه وإلى سيرته عليه الصلاة والسلام. فكان حقًا على أهل الحق، على أهل السنة، أن يكثروا من بيان شمائل وخصائص النبي عليه الصلاة والسلام، كي يكيد الأعداء، وكي يبين للعالم أجمع تلك الشخصية العظيمة التي ليس في هذا العالم أفضل منها، ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه ثلاثة أمور بها يتبين لنا أهمية الكلام في مثل هذا الموضوع. وسأذكر نبذة يسيرة عن بعض الشمائل المحمدية في الصفات الخلقية، وإلا فأنا إنما هي مشاركة يسيرة حسب الاتفاق مع أخي أبي عبد الله، ونصيب الأسد سيكون للأخ كما تم التنسيق وكذلك الترتيب. فأولًا: مما يذكر في خصائص أو شمائل النبي عليه الصلاة والسلام الخلقية ما جاء في أسمائه عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في الصحيحين من حديث جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن لي أسماء»، ثم قال: «أنا محمد، وأحمد، والماحي الذي يمحو الله بي الكفر، والحاشر الذي يحشر الناس بين قدمي، والعاقب الذي ليس بعده أحد». ومعنى هذا الحديث: أن مما جاء في أسماء النبي عليه الصلاة والسلام: محمد، وقد جاء في القرآن، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. وهكذا اسم أحمد قد جاء أيضًا في القرآن، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، يعني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما قوله: «والماحي الذي يمحو الله به الكفر»، فقد جاء تفسير هذا الاسم: فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ببعثته محا الكفر من على وجه هذه الأرض، فتوفي عليه الصلاة والسلام وقد دخل كثير من الناس في دين الله أفواجًا، ثم تحمل أمر الدعوة إلى الإيمان والتوحيد أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، في زمن أبي بكر الصديق فقد قاتل أهل الردة، وهكذا في عهد عمر فقد كثرت الفتوحات، وهكذا في العهود والعصور بعد هؤلاء الخلفاء، فإن الله عز وجل فتح على أهل الإسلام كثيرًا من البلاد في الشرق والغرب، وفي الجنوب والشمال، وفي بلاد كثيرة، فدخل كثير من الناس في دين الله أفواجًا، فمحي الكفر في كثير من البلاد بفضل الله سبحانه وتعالى. وأما قوله: «أو الحاشر الذي يحشر الناس بين قدميه»، فيراد بذلك: أي أنه عليه الصلاة والسلام يكون الناس بعده يوم الحشر، يكون الناس بعده يوم الحشر، فهو الذي يتقدم الناس والناس يكونون بعده. وهكذا قوله: «والعاقب الذي ليس بعده أحد»، يعني: جاء آخر الأنبياء والمرسلين، فليس بعده نبي عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، فليس بعده نبي عليه الصلاة والسلام. وجاءت رواية: «وأنا المقفي»، وهي بمعنى العاقب الذي ليس بعده أحد، كما ذكر ذلك أهل العلم رحمهم الله تعالى. وجاء أيضًا في حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام يسمي نفسه أسماء، فذكر منها: المقفي، وذكر منها كذلك: نبي التوبة، ونبي الرحمة. وهذه كذلك من خصائصه وشمائله عليه الصلاة والسلام. فهو نبي الرحمة كما وصفه الله عز وجل في كتابه الكريم، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. فهو عليه الصلاة والسلام نبي الرحمة، يرحم الصغير والكبير، ويرحم المؤمن وحتى الكافر أيضًا. فما جاء في حديث ذلكم الغلام اليهودي لما مرض، زاره النبي أو عاده النبي عليه الصلاة والسلام، وكان عنده أبوه، فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام، إلى «لا إله إلا الله»، فقال: فنظر ذلكم الغلام إلى أبيه كالمستأذن منه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، فشهد بالشهادة، فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله الذي أنقذ الله بي» أي: بسببي. ففرح النبي عليه الصلاة والسلام، وقد قبض هذا الغلام بعدما أسلم وذكر الشهادة، فمن الله عليه بالإسلام ثم قبض وتوفي، ففرح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك. فهو نبي الرحمة، ما كان ينتقم لنفسه عليه الصلاة والسلام. وإلا فإن المشركين من مشركي قريش قد آذوه، وقد كذلك فعلوا به ما فعلوا من رمي سلا الجزور على ظهره، ومن كذلك وصفه واسمه بالألقاب البذيئة، فقالوا عنه: ساحر، وقالوا عنه: كاهن، وقالوا عنه: كذاب، وهكذا رموه بالحجارة، كما في قصة الطائف. فقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: هل مر بك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «يا عائشة، لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة». انظروا: يوم أحد يوم شديد، كسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام وشج رأسه، فظن... فظنت عائشة رضي الله عنها لما تعلم من شدة ذلك اليوم أنه أشد يوم مر على النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: هل مر عليك يا رسول الله يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «يا عائشة، لقد لقيت من قومك ما لقيت» يعني من الأذى، «ولكن أشد ما لقيت منهم يوم العقبة»، أي في الطائف، إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن كلاب فلم يجبني إلى ما أردت، كان يدعوهم إلى الله فيستهزئون به ويسخرون منه، قال: «فانطلقت وأنا مغموم على وجهي» رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم كما وصفه الله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾، كان يحزن وكان يغتم ويهتم لما لم يذعن له المشركون ويستجيبوا له، أن يخرج عليه الصلاة والسلام يدعو إلى التوحيد: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». وهكذا ففي هذا اليوم، يوم العقبة، دعا إلى الله فردوا دعوته، فانطلق عليه الصلاة والسلام وهو مهموم على وجهه، قال: «فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فنظرت في السماء فإذا بها سحابة، فإذا جبريل عليه السلام يقول: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وإن الله أرسل معي ملك الجبال لتأمره بأمرك ما شئت، وإن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين». فسلّم عليه ملك الجبال، وذكر له مثل ما ذكر جبريل، وقال: «إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين»، يعني: الجبلين اللذين حول مكة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام وهو الرحمة المهداة: «لا، إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا». عليه الصلاة والسلام. فهو كما وصف، وكما وصف نفسه عليه الصلاة والسلام: أنه نبي الرحمة. ألا فلنقتدي بهذه الصفة العظيمة: لنرحم العصاة، لنرحم المقصرين، لنرحم المفرطين، إن وفقنا الله عز وجل للاستقامة وللطاعة، نرحم غيرنا، وذلك بالدعوة إلى الله، بالنصح، بالتحمل والصبر، وكذلك الرفق واللين. فإذا كنت كذلك فقد اقتديت بنبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا من صفاته الخلقية عليه الصلاة والسلام: أنه عليه الصلاة والسلام ما كان سبابًا ولا لعانًا ولا فاحشًا ولا بذيئًا. وكل ذلك جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها في أحاديث كثيرة، ومنها ما جاء في الصحيح، في صحيح البخاري، أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا سبابًا ولا لعانًا». بهذه الألفاظ الثلاثة: ما كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاحشًا ولا سبابًا ولا لعانًا. وكان يقول عند المعاتبة إذا أراد أن يعاتب أحدًا، إذا أراد أن يعاتب أحدًا كان يقول: «ما له تَرِبَ جبينه، ما له تَرِبَ جبينه». قال العلماء: معنى «تَرِبَ جبينه» أي: لصق جبينه بالتراب، لصق جبينه بالتراب. وقال العلماء: هذا أسلوب عربي لا يراد به حقيقته والدعاء، وإنما يراد به الزجر والردع فحسب، ولا يراد به الحقيقة. ومن العلماء من قالوا: هو دعاء يراد به الشكر بالسجود، فإن السجود يكون بالتراب. ولكن القول الأول هو الأكثر، والله تعالى أعلم. فانظروا يا عباد الله إلى خلق النبي عليه الصلاة والسلام: ما كان يأتي بالقول الفاحش، يعني: بذيء القول، في يعني: أمور النساء، أو أمور يعني التي يستقبح من ذكرها، أو في كذلك يعني الأمور التي عند الناس لا يذكرها إلا سفلة الناس، إلا سفلة الناس. فهذا هو خلق النبي عليه الصلاة والسلام: ما كان فاحشًا ولا سبابًا، ما كان يسب عليه الصلاة والسلام. وقد يشكل على البعض، يقول: كيف ما كان سبابًا والعلماء ربما يطعنون ويجرحون ويسبون بعض الخارجين عن السنة من المبتدعة، أو كذلك من العصاة، أو إلى غير ذلك من المعاندين؟ فالجواب على هذا، بارك الله فيكم: أن الغالب على هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يسب، إلا في حالات نادرة، كما كان عليه السلف الصالح في باب الجرح والتعديل. فإذا احتاج في وقت من الأوقات أن ينفر من شخص لبدعته، ولدعوته إلى خلاف السنة، وكذلك تشويه بالسنة وبالإسلام، أو إلى غير ذلك، فنصح، وكذلك بين له خطأ قوله أو وقوعه في البدعة، فأصر وعاند واستكبر، فلا شك أن من منهج أهل السنة والجماعة أن يجرح هذا الشخص. ومع هذا يذكر العلماء أن هذا الجرح يكون بالضوابط الشرعية، لا يخرج عن جرح السلف الصالح، لا يخرج عن جرح السلف الصالح بالكلام البذيء السيء الذي لم يستعمله علماء الجرح والتعديل، وإنما يجرح بألفاظ أثرت عن علمائنا رحمهم الله تعالى، ويكون هذا الجرح من عالم خبير مطلع، وإلى غير ذلك من الشروط التي ذكرها العلماء. ولكن داعية الله عز وجل، الأصل في دعوته أن لا يجرح وأن لا يسب، إلا إذا اقتضت الحاجة إلى ذلك في حالات قليلة نادرة، وفي أشخاص خرجوا على السنة، ويعني تبين خطرهم للنخر في هذا الدين، وإلى غير ذلك مما ذكره العلماء. وهكذا لم يكن لعانًا، ما كان يلعن عليه الصلاة والسلام حتى الحيوان. لما لعنت الدابة قال: «لا تصحبن دابة ملعونة». عليه الصلاة والسلام. فلا يجوز اللعن، تعوّد لسانك على أن تلعن، وأن تذكر فلانًا أو فلانًا ثم تقول: لعنه الله، أو بهذا اللفظ يقارب هذا: عليه اللعن، أو إلى غير ذلك. هذا كذلك ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وليست من شمائله. وهكذا من شمائل النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم: ما كان صخابًا في الأسواق، ما كان يرفع صوته في الأسواق. جاء هذا في صحيح البخاري، لما سئل عبد الله بن عمرو بن العاص أن يذكر شيئًا من صفة النبي عليه الصلاة والسلام مما ذكر عند أهل الكتاب، وقال: «إنا لنجد أوصافه كما وصفه بها القرآن: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ﴾». ويراد بالأميين: العرب، ويراد بالأميين: العرب. ﴿وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ سَمَّيْتَكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، شَدِيدٍ شَدِيدٍ﴾. وهكذا ينفر من يعني: يخاطبه، ومن يدعوه، ومن يدرسه، وإنما كان لينًا هينًا عليه الصلاة والسلام، كما وصفه الله عز وجل في القرآن: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ أي: فبرحمة، قال العلماء: ما هنا توكيد وصلة، والمعنى: فبرحمة، ويسميه أهل النحو بالزائدة، ما الزائدة في اللفظ، لكن لها لا شك لها معنى في اللغة، فمعناها: التقوية، من توكيد وصلة. فبرحمة من الله لنت لهم، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. لم يكن فظًا ولا غليظًا، كان عليه الصلاة والسلام لينًا هينًا، ذا خلق عظيم، كما وصفه كما وصفه الله عز وجل في القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وهكذا جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن سعد بن هشام بن عامر سألها، فقال: يا عائشة، أخبريني عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام. فقالت رضي الله تعالى عنها: «كان خلقه القرآن». ألم تسمع قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟ كان خلقه القرآن، كان يعمل عليه الصلاة والسلام بالقرآن، ما من أمر أمر الله عز وجل به في القرآن إلا وقد تخلق به عليه الصلاة والسلام، وما من أمر حرمه الله عز وجل في القرآن ونهى عنه إلا وتركه عليه الصلاة والسلام. فهكذا من شمائله عليه الصلاة والسلام: كان خلقه القرآن. وهذا الحديث أيضًا جاء في حديث طويل في صحيح مسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: «وكان خلقه القرآن». وأما حديث سعد بن هشام بن عامر ففيه زيادة، فقال أيضًا: رضي الله... رحمه الله تعالى قال: «إني أريد أن أتبتل». ومعنى التبتل: يعني ترك النساء، بعدم الزواج، والانشغال بالزواج، أو إلى غير ذلك. فقالت له رضي الله تعالى عنها: «لا تفعل، لا تفعل، ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؟ تزوج النبي عليه الصلاة والسلام وولد له». وهذا أيضًا من شمائله عليه الصلاة والسلام: ما كان عنده رهبانية كرهبانية أهل الكتاب، بل كان عليه الصلاة والسلام يتزوج النساء، كما جاء في حديث عائشة، وفي حديث أبي هريرة: حديث الثلاثة النفر الذين جاءوا إلى أبيات النبي عليه الصلاة والسلام يسألون عن عبادته، فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أرقد. فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام بذلك قال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ إني أتقاكم لله وأخشاكم له، ولكنني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فمن رغب عن سنتي فليس مني». فمن سنته ومن هديه ومن شمائله عليه الصلاة والسلام أنه يتزوج النساء عليه الصلاة والسلام. وهكذا من شمائله عليه الصلاة والسلام... ولا شك أننا نعلم جميعًا أن محاضرة بمثل هذا الوقت لا تفي ولا تكفي بحصر تلك الشمائل الكثيرة والكثيرة، ولكن حسبنا ما يتيسر من ذكره، وكذلك ما بلغه علمنا من تلك الخصائص. وإلا فالخصائص والشمائل كثيرة. فمن تلك الخصائص أيضًا: أنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في الصحيحين... قالت عائشة: من حديث عائشة: «كان النبي عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها». العذراء: البنت التي لم تتزوج، بنت يعني لا تزال متحجبة في بيتها، فهي تكون في أستر ما يكون في البيت، في الخدر، في أستر ما يكون في البيت، فلا شك أنها تكون غاية في الحياء. فالنبي عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها، عليه الصلاة والسلام. والحياء كله خير، كما قال عليه الصلاة والسلام. والحياء هو خلق حميد يبعث عن ترك كل قبيح. فلما تريد أن تنظر إلى ما حرم الله تستحي من خلقه، لما تريد أن تسمع ما حرم الله، أو أن تأخذ مالًا حرمه الله عليك، هذا الخلق يدفعه إلى أن تترك هذا القبيح، هذا القبيح. ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». الذي يفعل ما يشاء، ينظر ويطلق بصره في المحرمات، وسمعه في المحرمات، وهكذا يأكل المحرمات دون حياء ولا كذلك يعني مراقبة، فهذا دليل على ضعف الحياء في نفسه، ضعف الحياء في نفسه. فمن خلق النبي عليه الصلاة والسلام ومن شمائله: الحياء. وهكذا من شمائله الخلقية عليه الصلاة والسلام: أنه كان يقبل الهدية، وهذه الهدية التي هي من أعظم أسباب المحبة: «تهادوا تحابوا»، كما قال عليه الصلاة والسلام. فكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقبل الهدية، كما في حديث عائشة في الصحيح: «كان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية ويثيب عليها»، يجازي عليها عليه الصلاة والسلام. بل قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو دُعيت إلى كراع لأجبت، ولو أُهدي لي كراع لقبلت». عليه الصلاة والسلام. والكراع: هو يد الشاة، اليد والعظام، هذه شيء يزهد فيه الناس، يزهد فيه الناس، وربما يرمون به، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو دُعيت إلى كراع، إنسان دعاه وليمه أو أكل أو عشاء أو غداء، إلى كراع لأجاب». من تواضعه عليه الصلاة والسلام. وهذا أيضًا من شمائله: متواضع، يقبل الهدية، ولو كانت شيئًا يسيرًا، ولو كانت شيئًا يسيرًا. وأنا لا أحب أن أطيل، فلعلي أخذت وقتًا كثيرًا، وكما تقدم أن المحاضرة في الحقيقة هي لأخينا أبي عبد الله محمد باجعال، حفظه الله تعالى، فليتفضل مشكورًا مأجورًا، وجزاه الله خيرًا. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: فجزى الله خيرًا أخانا الفاضل أبا معاذ، حفظه الله تعالى، على هذه المحاضرة القيمة، وهذه كذلكم الإيضاحات المفيدة لشمائل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما سبق في كلمته بيان أهمية طرق مثل هذه المواضيع، كيف لا وديننا ونبينا أصبح لربما محل تشويه، ليس من قبل أعدائنا من اليهود والنصارى فحسب، بل لربما أصبح بعض من ينتسب إلى الإسلام يسيء إلى الإسلام نفسه، ويسيء كذلك إلى نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولأدل على ذلك من حوادث التفجير، وهكذا سفك الدماء البريئة، وهكذا مظاهر الإحراق والتعذيب بالنار، وغيرها وغيرها مما أراد أعداؤنا من خلاله تشويه صورة هذا الدين في بلاد الكفر، بل وحتى في بلاد الإسلام. أعداؤنا حين أن عجزوا أن يمنع الناس من الدخول في دين الله عز وجل، لجأوا إلى تشويه صورة الإسلام وصورة نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، بأعمال يقوم بها بعض من ينتسب إلى الإسلام، أعمال يقوم بها بعض من ينتسب إلى الإسلام. فإذا أراد بعض اليهود أو النصارى في البلاد الكافرة أن يسلموا، في فرنسا، في بريطانيا، في أمريكا، إيطاليا، إلى غيرها من البلاد الكافرة، قالوا: تعال تريد تسلم؟ قال: نعم. قال: انظر ماذا يفعل المسلمون. لربما مسلم عليه لحية وعلى رأسه عمامة يجرجر آخر، والآخر يقول: لا إله إلا الله أنا مسلم، يقول: لا، فتضرب عنقه، والأصوات تعلو بالتكبير وغير ذلك. فكم ماذا حصل الصد عن دين الله عز وجل بسبب أفعال يقوم بها بعض من ينتسب إلى الإسلام؟ الإسلام وديننا يا إخوان براء، ونبينا عليه الصلاة والسلام كذلكم براء من هذه الجرائم ومن هذه الأفعال التي جاء النهي عنها في كتاب ربنا عز وجل، وهكذا في سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا ينبغي على الخطباء والوعاظ والوعاظ والمعلمين والدعاة إلى الله عز وجل أن يطرقوا مثل هذه المواضيع التي تبين سماحة هذا الدين، وكذلكم خلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخونا أبو معاذ، حفظه الله تعالى، أطرق مسامعنا بجملة من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم المتعلقة بصفاته الخلقية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، «وكان خلقه القرآن». وهنا جانب آخر يتعلق بالشمائل، ألا وهو الشمائل الخلقية، والمراد بالشمائل الخلقية: أي ما كان عليه الصلاة والسلام من خلق شكله، طوله، قصره، لونه، وجهه، مشيته، وهكذا شعره، ثيابه، عليه الصلاة والسلام، إلى غير ذلك من الجوانب الخلقية التي كان عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ورد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم جملة من الأحاديث التي فيها بيان لبعض هذه الشمائل الخلقية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن ذلكم ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير البائن، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط، ولا بالسبط. قال: بُعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، فأقام عشر سنين بمكة، وعشر سنين بالمدينة، وتوفاه الله تعالى على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء». نكمل إن شاء الله عقب الأذان. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: فهذا الحديث الذي بين أيدينا، حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، جمع عدة صفات لنبينا عليه الصلاة والسلام. فمنها ما يتعلق بطوله وقصره: قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن». ومعنى البائن: أي ظاهر الطول المفرط. «ولا بالقصير البائن». وأراد رحمه الله تعالى أن يبين أنه عليه الصلاة والسلام كان وسطًا بين ذلك، ليس بقصير، ولا كذلكم أيضًا مفرط في الطول. قال رضي الله تعالى عنه: «ولا بالأبيض الأمهق». ومعنى الأبيض الأمهق: يعني الذي بياضه خالصًا. كان عليه الصلاة والسلام أبيض، لكن بياضه ليس بخالص، وإنما كان مشوبًا ومخلوطًا بحمرة، مخلوطًا بحمرة. ولهذا جاء في بعض الأحاديث في وصفه عليه الصلاة والسلام بالأزهر، ومعنى الأزهر: أي الذي بياضه... الذي بياضه مخلوطًا بشيء من الحمرة. وقوله: «ولا بالآدم»، يعني: ليس أسمرًا، ليس أسمرًا. وما جاء في بعض الروايات أنه كان أسمر، فهذه ذكر بعض العلماء أنه حصل فيها شيء من التصحيف، وأن صوابها: أزهر، يعني: أبيض بياضًا يخالطه حمرة. فإذا كان عليه الصلاة والسلام أبيض، وهذا البياض يخالطه حمرة... قال رضي الله تعالى عنه: «ولا بالجعد القطط، ولا بالسبط». المقصود بالجعد القطط: هو الذي شعره... شعره ماذا؟ ماذا؟ ليس الجعد القطط هو الشعر الذي يكثر فيه الالتواء والانقباض، نسميه في لهجتنا العامية: ماذا؟ ماذا؟ خشن؟ لا. ما كان النبي صلى الله عليه وسلم شعره هكذا. «ولا بالسبط»، والسبط: هو الشعر المسترسل الأملس كشعر الإفرنج. ليس بشديد الالتواء والانقباض، وليس كذلكم أيضًا بشديد الملوسة، وإنما كان عليه الصلاة والسلام شعره بين ذلك، شعره بين ذلك. قال أنس رضي الله تعالى عنه: «قال: بُعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة». لما بلغ أربعين سنة نزل عليه الوحي وهو يتعبد الله في غار حراء. وقيل: لمثل هذا السن تبعث الرسل، تبعث الرسل. قال: «فأقام عشر سنين بمكة، وعشر سنين بالمدينة». جاء في بعض الروايات أنه أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهذا هو الأصح والأشهر. ورواية العشر السنين ذكر العلماء أنها محمولة على أن الراوي حذف الكسر الذي هو بعد العشرة، بدلاً من أن يقول: ثلاثة عشر، حذف العدد الزائد بعد العشرة، فقال: عشر سنين، فقال: عشر سنين. وإلا فالذي هو متقرر في السنة، وهكذا أيضًا في السيرة النبوية: أنه أقام بعد البعثة ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشر سنين بعدها، أي: بعد الهجرة، بالمدينة. قال: «فتوفاه الله تعالى على رأس ستين سنة، على رأس ستين سنة». جاء في رواية أخرى: قال: «على رأس ثلاث وستين سنة». ويقال فيها كذلك: أي في تأويل ماذا؟ رواية على رأس ستين سنة: أن الراوي حذف العدد الزائد والكسر الموجود الذي هو بعد العشرة. وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم توفي وقد بلغ من العمر ثلاثًا وستين سنة. قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: قال: «وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء». عشرون شعرة بيضاء: أي كان شعره أسود، لكن ليس معنى هذا أنه كان يغير الشيب بالسواد، فهذا لا يجوز، وقد ورد النهي الشديد، وهكذا الوعيد الشديد في حق من يفعل ذلك. لكن كان من خلقته عليه الصلاة والسلام أن شعره أسود، فيه بعض الشعرات القليلة جدًا التي لا تتجاوز العشرين، لونها أبيض، لونها أبيض أيضًا، لونها أبيض أيضًا. ومن هذه الأحاديث التي وردت في بيان شمائل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما جاء في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بالطوي...» قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا مربوعًا، بعيد ما بين المنكبين». وضبطها بعضهم بالضم: «بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمة، إلى شحمة أذنيه، إلى شحمة أذنيه». قال: «عليه حلة حمراء، ما رأيت شيئًا قط أحسن منه، ما رأيت شيئًا قط أحسن منه». ففي هذا الحديث يبين البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رجلًا مربوعًا. قوله: «رجلًا»، ذكر بعض العلماء أنها صفة للشعر، وهذا الذي اختاره العلامة الألباني رحمه الله تعالى: كان ذا شعر كثير، وكان أيضًا يرجل هذا الشعر. وقيل: «رجلًا» أي: صفة للنبي صلى الله عليه وسلم. قال: «رجلًا مربوعًا». ومعنى مربوع: أي ليس بالطويل البائن، وكذلكم أيضًا ليس بالقصير البائن، كما مر في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. قال: «عظيم الجمة»، والجمة في شعر الرأس: هو ما استرسل حتى سقط على الكتفين. وقبل ذلكم أيضًا: البراء بن عازب يقول: «بعيد ما بين المنكبين». والمنكب يا إخوان: هو المفصل الذي يلتقي فيه العضد مع الكتف. هذا كتف، وهذا عضد، فالمفصل الذي يجمع بينهما يقال له: منكب. فكان عليه الصلاة والسلام بعيد ما بين المنكبين، أي: كان عريضًا، كان عريضًا عليه الصلاة والسلام. قال: «عظيم الجمة»، والجمة كما سبق: في شعر الرأس هو ما استرسل حتى سقط على المنكبين. قال: «إلى شحمة أذنيه، إلى شحمة أذنيه». قال: «عليه حلة حمراء، ما رأيت شيئًا قط أحسن منه». الحلة: هي عبارة عن لباس مكون من جزأين، إزار ورداء، ويكون من جنس واحد، يقال: حلة. وهذه الحلة أو الحلل، لربما اليوم لا زالت تلبس في بعض البلاد اليمانية، كأرض تهامة، حديدة وما حولها، يلبس فوطة وقميصًا من نوع واحد. وهكذا أيضًا قد تلبس في بعض البلاد: جهة عبيا وغيرها من بلاد اليمن وغير اليمن. قال: «عليه حلة حمراء». وقوله: «حمراء»، يعني: أن الغالب فيها أنها حمراء، وإلا فإنها أيضًا يخالطها لون آخر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه أنه عن لبس اللون الأحمر... اللون الأحمر. أيضًا من هذه الأحاديث التي ورد فيها بيان صفة النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية... الخلقية: ما جاء في سنن الترمذي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بالطويل ولا بالقصير». وهذا قد ورد وسبق في حديثي أنس والبراء بن عازب: «ليس بالطويل» أي: الظاهر المفرط في الطول، «ولا بالقصير». قال: «شثن الكفين والقدمين». ومعنى «شثن الكفين والقدمين»: أي أنه كان غليظ الأصابع والراحة، أصبعه عليه الصلاة والسلام كانت غليظة، وهكذا راحتي يديه كانت ماذا؟ كذلكم أيضًا غليظة. قال: «ضخم الرأس، ضخم الكراديس». فض