كتاب الصيام 6

الدرس في كتاب الصيام 6، ألقاها

حكم الجماع في نهار رمضان وأحكامه

الجماع في نهار رمضان من أعظم مفسدات الصيام ويوجب القضاء والكفارة. الكفارة تكون بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا.

تفاصيل كفارة الجماع في رمضان

الكفارة تكون على الترتيب: عتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا. يجب اختيار الخيار حسب الاستطاعة.

حكم تكرار الجماع وتطبيقات الكفارة

تكرار الجماع دون كفارة يستوجب كفارة واحدة، بينما تكراره بعد الكفارة يستوجب كفارة جديدة. هناك خلاف بين العلماء في هذه الحالة.

خاتمة بالصلاة على النبي

المقطع ينتهي بالدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وهو عمل صالح ومستحب في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أولًا نهنئكم بقدوم شهر رمضان المبارك، نسأل الله جل وعلا أن يجعله شهر خيرٍ وبركة، وشهر فتحٍ ونصرٍ للإسلام والمسلمين. قال المؤلف رحمه الله: «وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير، إلا من أفطر بجماعٍ في الفرج، فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فيطعم ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت عنه». الجماع في نهار رمضان يعتبر من أعظم المحظورات في الصيام، وهو أيضًا من أعظم مفسدات الصيام، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. فالله جل وعلا يقول: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. ومن السنة سيأتي ذكر حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي أتى أهله في نهار رمضان. وإما الإجماع، فقد أجمع العلماء على فساد الصيام بالجماع في نهار رمضان. فقوله: «إلا من أفطر بجماع في الفرج» يعني يترتب على ذلك ما هو زائد على مجرد القضاء، وهو وجوب الكفارة. ودليل ذلك حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة الرجل الذي أتى أهله في نهار رمضان، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول: «هلكت»، قال: «وما أهلكك؟» قال: «وقعت على امرأتي وأنا صائم»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: «لا»، قال: «فهل تستطيع صوم شهرين متتابعين؟» قال: «لا»، قال: «فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟» قال: «لا»، فجلس الرجل حتى جاء رجل بعرق فيه تمر -والعرق المكتل- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «خذ هذا فتصدق به»، قال: «يا رسول الله، ما بين لابتيها -يعني الحرتين حدود المدينة- أحد أفقر من أهل بيتي»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «خذه فأطعمه أهلك». فهذا الحديث فيه دليل على وجوب الكفارة لمن أتى أهله في نهار رمضان، لكن وجوب الكفارة له شروط. منها أن يكون من أتجب عليه الكفارة ممن يلزمه الصوم، أن يكون ممن يلزمه الصوم. فإذا كان صغيرًا غير بالغ، فهذا لا يلزمه الصوم، والصوم في حقه ليس بواجب. فلو حصل منه جماع في نهار رمضان، فإنه لا تلزمه الكفارة لعدم وجوب الصيام عليه. كذلك شرط الثاني: أن لا يكون ممن له عذر بالفطر، أن لا يكون ممن له عذر بالفطر. فإن كان ممن له عذر، فإنه لا تلزمه الكفارة، كالمريض والمسافر. إنسان مريض صام في أول النهار -يعني متكلفًا للصيام- ثم أراد أن يفطر فأفطر بالجماع، هل تلزمه الكفارة؟ الجواب: لا، لأنه له عذر بالفطر ويباح له الفطر. ولا فرق بين أن يفطر بالجماع وبين أن يفطر بالأكل والشرب. كذلك المسافر، إنسان مسافر هو وأهله، وفي أثناء السفر أراد أن يفطر فأفطر بالجماع، فلا تلزمه الكفارة لأنه يباح له الفطر. كذلك أيضًا يشترط في وجوب الكفارة أن يكون هذا الجماع في رمضان، أن يكون في رمضان. أما إن كان في غير رمضان، فلا تجب الكفارة. لو أن شخصًا نذر أن يصوم يومًا ثم صام هذا اليوم، وفي أثناء صيامه أفطر بالجماع، فلا تجب عليه الكفارة. أو مثلًا عليه قضاء من رمضان، أفطر أيامًا من رمضان، ثم في أيام قضائه وهو صائم أفطر بالجماع، فلا تجب عليه الكفارة؛ لأن هذا الفطر ليس في رمضان. وقوله: «إلا من أفطر بجماع في الفرج»، معنى أو مفهوم المخالفة في ذلك: إن كان الجماع في غير الفرج فلا كفارة. وهو كذلك، لو أن شخصًا أتى أهله في غير الفرج -بين الفخذين أو نحو ذلك- فإنه لا تجب عليه الكفارة؛ لأنه لم يقع الجماع في الفرج. ما يوجب الكفارة إلا أن يكون الجماع في الفرج، أما إن كان خارج الفرج فإنه لا كفارة. قال: «فإنه يقضي ويعتق رقبة». أما القضاء، فقال به جمهور أهل العلم، قالوا: من أفطر بالجماع فعليه القضاء وعليه الكفارة. واستدلوا ببعض روايات هذا الحديث في خارج الصحيح. وذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أن من أفطر بالجماع فإنه لا ينفعه القضاء، ولا يلزمه إلا الكفارة، هذا الذي ألزم به النبي عليه الصلاة والسلام الرجل الذي أتى أهله في نهار رمضان، لم يأمره إلا بالكفارة. قال: «ويعتق رقبة». كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام من وقع على امرأته في نهار رمضان، أمره في أول ما أمره به أن يعتق رقبة. قال: «هل تجد رقبة تعتقها؟». وهل يشترط في هذه الرقبة الإيمان؟ المراد بالرقبة يعني العبد المملوك، عبدًا مملوكًا يعتقه فيحرره من الرق. قال: «هل تجد رقبة تعتقها؟». الجواب: نعم يشترط فيها الإيمان؛ لأن الرقبة أطلقت وقيدت في مواضع أخرى بالإيمان، كما في قوله جل وعلا: «فتحرير رقبة مؤمنة». إذن تقيد الرقبة بالإيمان. قال: «فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين». صيام شهرين متتابعين، هذا كفارة لمن أتى أهله في نهار رمضان. إن لم يصبر يومًا أو كذلك أيام معدودة، فإنه سيعاقب بأن يصوم شهرين متتابعين. ما معنى متتابعين؟ يعني لا يفصل بينهما بفاصل، يصوم شهرين متتابعة. وهذان الشهران اللذان سيصومهما يصومهما بالأشهر القمرية. فمثلًا أفطر يومًا من رمضان بالجماع في نهار رمضان، فأراد أن يصوم شهرين متتابعين، فصام مثلًا شهر ذي القعدة وذي الحجة، فإنه سيصومهما متتابعين يومًا بعد يوم، لا يفطر بينهما إلا لعذر، إلا لعذر شرعي أو عذر بدني. العذر الشرعي كأيام الأعياد، هذه لا يجوز صيامها، وله أن يفطر. صادف صيامه مثلًا يوم النحر وأيام التشريق، هذه لا يجوز صيامها، فيفطر فيها ثم يكمل الصيام. أو عذر بدني، كأن يمرض مرضًا يشق عليه فيه الصيام، فله أن يفطر، فيفطر ثم يكمل ويستمر في صيامه. أو سفر طرأ عليه السفر واضطر أن يسافر، فإنه إذا سافر له أن يفطر، وإذا انتهى من سفره أكمل صيامه. أما إذا أفطر من غير عذر، صام شهرًا أو شهر ونصف ثم أفطر يومًا من غير عذر، أراد أن يرتاح فأفطر يومًا، لزمه أن يعود فيصوم من جديد، يستأنف الصيام من جديد. فلا يجوز له في صوم الشهرين المتتابعين أن يفطر إلا لعذر. قال: «فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا». ما استطاع الصيام، ما استطاع أن يصوم؛ لأنه مريض أو لكونه كبير في السن أو لكونه ما يصبر على الجماع مثلًا، فإنه ينتقل إلى الإطعام، فيطعم ستين مسكينًا. وهذا الإطعام إما أن يكون إطعامًا جاهزًا، وجبة غذاء أو وجبة عشاء يطعم فيها ستين مسكينًا كل يوم، مثلًا يطعم مسكينًا أو جمع ثلاثين مسكينًا أو ستين مسكينًا فأطعمهم وجبة واحدة أجزأه ذلك. وإما أن يكون طعامًا غير جاهز، فإن أخرج طعامًا غير جاهز فإنه يخرج عن كل واحد نصف صاع، يخرج عن كل مسكين نصف صاع من الأرز أو كذلك البر أو غيره من أصناف الطعام. ولا شك أن الأفضل أن يكون جاهزًا، الأفضل أن يكون طعامًا جاهزًا فهذا أفضل. وقوله: «فيطعم ستين مسكينًا» يدل على أنه لا بد من ستين مسكينًا، ما يكفي مسكينًا واحدًا يطعمه ستين مرة، لا، لا بد من ستين مسكينًا. قال: «فإن لم يجد سقطت عنه». ما عنده ما يطعم به ستين مسكينًا، قال: «سقطت عنه» أي الكفارة، سقطت عنه الكفارة. والدليل قول الله جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وهذا لا يستطيع أن يطعم ستين مسكينًا، فتسقط عنه. والقاعدة الشرعية أن الواجبات تسقط بالعجز، الواجبات تسقط بالعجز. وهذا قد عجز عن هذا الواجب الذي عليه، هو إطعام ستين مسكينًا، فتسقط عنه. قال: «فإن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية فكفارة واحدة، وإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية». يقول: إن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية، فكفارة واحدة. يعني إذا تكرر منه الجماع، فهل تلزمه كفارة واحدة أو أكثر من كفارة؟ قال: «إن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية فكفارة واحدة». إذا جامع ولم يكفر، ثم حصل منه الجماع مرة أخرى، فيقول: يلزمه كفارة واحدة. لماذا؟ لأن هذه الكفارة من جنس واحد وتجزئ حينئذ، وسببها واحد، فتجزئ كفارة واحدة. حاله كحال من حلف على أيمان متعددة ثم حنث فيها جميعًا، فعليه ماذا؟ كفارة واحدة. فكذلك أيضًا من تكرر منه الجماع ولم يحصل منه تكفير لأحدها، فيجزئه كفارة واحدة. هذا إذا كان في يوم واحد، فلا إشكال. يعني لو جامع مثلًا في أول النهار، ثم جامع في وسط النهار أو في آخر النهار مرة أخرى، ولم يكفر عن الجماع الأول، فتكفي كفارة واحدة. وإن كان في يومين، جامع يوم السبت ولم يكفر، ثم جامع يوم الأحد، فيقول رحمه الله: تكفي كفارة واحدة. وبعض أهل العلم قال: عليه كفارتين، قال: عليه ويلزمه أن يكفر كفارتين؛ لأن كل يوم يعتبر عبادة مستقلة. لكن الأظهر أنه إن لم يكفر عن الجماع الأول، فيكفي كفارة واحدة عن الجماعين. قال: «وإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية». إذا كفر، إذا جامع، إذا كفر ثم جامع، يعني وقع منه الجماع ثم كفر عن هذا الجماع، ثم تكرر منه الجماع مرة أخرى، قال: «فكفارة ثانية». إذا كان فيه أكثر من يوم، جامع يوم السبت ثم كفر عن هذا الجماع، ثم وقع منه الجماع يوم الإثنين، يوم الإثنين، فهنا تلزمه كفارة ثانية؛ لأن الجماع الأول قد أتى بكفارته، أتى بكفارته. فحينئذ وقع لما وقع منه الجماع مرة ثانية وفي اليوم الآخر، وجبت عليه كفارة ثانية؛ لأن وقع منه سبب الكفارة، فوجبت عليه. هذا ظاهر إذا كان في أيام مختلفة. وأما إن كان في يوم واحد، إن كان في يوم واحد، فظاهر كلام المؤلف أن عليه كفارتين، أنه تلزمه كذلك كفارة ثانية. وهذا هو المذهب، أي مذهب الحنابلة: «إن كفر ثم جامع فكفارة ثانية». مثلًا جامع في أول النهار، جامع في أول النهار ثم كفر عن هذا الجماع، مثلًا أعتق رقبة، جاء في آخر النهار فجامع مرة أخرى، قالوا: هنا تلزمه كفارة ثانية، تلزمه كفارة ثانية؛ لأنه يعتبر قد أتى بهذا المحظور، وقد كفر عن الجماع الأول، فعليه كفارة أخرى. وذهب جمهور أهل العلم -هم الأئمة الثلاثة- إلى أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد: أنه لا تلزمه في هذه الحالة إلا كفارة واحدة. وهذا هو الأصح. لماذا؟ لأنه حين جامع في المرة الأولى في النهار، في أول النهار، قد فسد صومه، قد فسد صومه. فلما وقع منه الجماع مرة أخرى، وقع وهو مفطر، وقع وهو مفطر، وصومه قد فسد، فلا تلزمه في هذه الحالة إلا كفارة واحدة. هذا القول هو الأصح والله أعلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على