شرح كتاب لم الدر المنثور 8

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 8، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

الصبر على جور السلطان ووجوب طاعته في المعروف

يبين المقطع وجوب الصبر على ظلم الولاة وعدم الخروج عليهم أو سبهم، مستدلاً بالأحاديث النبوية وأقوال الصحابة التي تأمر بالسمع والطاعة في المعروف. ويؤكد أن الطعن في الولاة من صفات الخوارج والنفاق، وأن الله كفيل بإزالة الظالمين إذا صبر المؤمنون وأدوا حقوقهم.

منهج السلف في النهي عن سب الولاة والخروج عليهم

يستعرض المقطع إجماع السلف على النهي عن سب الولاة والخروج عليهم سواء كانوا عدلاً أو جوراً، مبيناً أن ذلك يحرم الرعية خيرات الدنيا. ويضرب المثل بصبر الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن مراعياً مآلات الأمور وحفظاً لاجتماع الكلمة.

حكم الخروج على الحكام الفسقة وشرط العزل بالكفر البواح

يقرر المقطع إجماع أهل السنة على عدم جواز الخروج على الحاكم الفاسق ولا عزله إلا بكفر بواح ثابت بالبرهان ويكون من اختصاص أهل الحل والعقد. ويحذر من عواقب الخروج المسلحة مستشهداً بمواقف الأئمة والتجارب التاريخية الفاشلة للثورات.

خاتمة في منهج أهل السنة مع ولاة الأمور

يختتم المقطع بتلخيص منهج أهل السنة والجماعة في الصبر على ولاة الأمور والدعاء لهم وأداء حقوقهم وسؤال الله صلاح البلاد والعباد. ويؤكد أن هذا المسار هو الصحيح المعتمد في باب الولاية والسلطان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فعلى المؤلف حفظه الله تعالى في الباب السادس وهو الأمر بالصبر على جور السلطان وعدم سبه. تقدم معنى أدلة كثيرة تقارب هذا الباب في ترك الخروج على ولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين. قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر». ذكر شطرا من الحديث المتفق عليه وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وتمامه: «فليصبر عليه، فإنه ما من أحد يفارق الجماعة فيموت إلا مات ميتة جاهلية». وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أما بعد، إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني». وهذا أيضا شطر من حديث أسيد بن الحضير رضي الله عنه وهو أيضا متفق عليه. وفيه أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إنكم سترون بعدي أثرة». يريد هذا الرجل أن يتولى بعض الأمور للمسلمين ويريد من النبي عليه الصلاة والسلام أن يوليه ذلك فيجعله يقوم بهذه الأمور، فالنبي عليه الصلاة والسلام نصحه وقال: «إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». فإذا رأيت شيئا من ولاة الأمر لا يعجبك وكرهته فعليك بالصبر، وتسأل الله سبحانه وتعالى حقك، وتعطيهم حقهم الذي طلبوه كما تقدم معنا في الأبواب السابقة، ولا تنزع يدا من طاعة، ولا تخرج على ولي أمرك بمجرد أنك رأيت أنهم أخذوا شيئا من حظوظ الدنيا. قال المؤلف: «أثرة» بالفتح: أن يستأثر عليكم فيفضل غيركم في المال أو في المناصب. استئثار بالأمر هو ومن يحب إما من قرابته وعشيرته أو من غيرهم من الناس، فلا عليك إن فعل ذلك. المهم في هذا هو السمع والطاعة في المعروف. قال: قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا: لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا، فإن الأمر قريب». هذه نصيحة الكبراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتحريم السب. لا يجوز أن تسب أميرك وولي أمرك وتطعن فيه سواء كان ذلك في دروس، حضرات، خطب، مجالس عامة وخاصة، ميادين ونحو ذلك. لا تسب أميرك فإنه ليس من السنة سب الأمير، بل من السنة كما سيأتي في باب خاص في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى الدعاء لولي الأمر. هذا من السنة، فإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يسب السلطان فاعلم أنه صاحب هوى وبدعة. فلا يجوز سبهم، ولا يجوز أيضا غشهم بأن تغش في ما وليت من أمور الدنيا. أنت ربما تكون عاملا من العمال، موظفا من الموظفين، فلا تغشه أيضا، ولا يجوز لك كذلك أن تبغضه. لا يجوز لك أن تبغضه، واتق الله وتصبر، والأمور ستنجلي إن شاء الله عما قريب. عما قريب ستنجلي الأمور وتتضح، أيضا إن كان فيه فساد وإن كان فيه ظلم وجور فإن الله سبحانه وتعالى كفيل بإزالته، فهو الذي يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء. لكن لا تكن أنت سببا في بقائه، لا تكن سببا في بقائه بأن لا تسمع ولا تطيع وتعمل المعاصي ولا تعطيه حقه فيعاقبك الله سبحانه وتعالى. ربما عوقب الناس بسبب ظلمهم، بسبب كذلك عدم السمع والطاعة لولاة أمرهم أو الخروج عليهم أو عدم أداء الحقوق، فيعاقبهم الله به. ولو أنهم سألوا الله عز وجل حقهم وصبروا وأدوا الحقوق لأراحهم الله جل وعلا منه وهو على كل شيء قدير. قال: قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «إن أول نفاق المرء طعنه على إمامه». الصحابة عدوا الطعن في ولاة الأمور من النفاق، من النفاق والعياذ بالله، وهو أيضا من سمات الخوارج كما تقدم معنا في الأدلة أن من طعن في ولاة الأمور فهو من الخوارج الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم. وقال أيضا: «إياكم ولعن الولاة، فإن لعنهم الحالقة، وبغضهم العاقرة». قيل: يا أبا الدرداء، فكيف نصنع إذا رأينا منهم ما لا نحب؟ قال: «صبروا، فإن الله إذا رأى ذلك منهم حبسهم عنكم بالموت». حبسهم عنكم بالموت، يعني إذا صبرتم وأطعتم الله سبحانه وتعالى فيهم فإن الله سبحانه وتعالى سيبدلكم الخيار. فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والله سبحانه وتعالى هو الذي يميت العباد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، فيحبسهم الله سبحانه وتعالى عنكم بأن يميتهم، وبعد ذلك تنجلي الأمور ويأتي من هو خير منهم. قال الزبرقان بن عبد الله الأسدي رحمه الله: كنت عند أبي وائل شقيق بن سلمة فجعلت أسب الحجاج وأذكر مساويه، قال: «لا تسبه، وما يدريك لعله قال: اللهم اغفر لي فغفر له». يعني لعله أن يكون في لحظة ندم وتوبة، استشعار ما هو عليه من الظلم، فرفع يديه إلى السماء ودعا الله سبحانه وتعالى بأن يغفر له، فربما يستجاب دعاؤه لأنه مسلم. قال: فغفر له. حتى أن الحجاج قال أبياتا من الشعر: «يا رب إن الناس قد حكموا *** وحكموا علي بأنني من ساكن النار أو قالوا بأنني من ساكن النار *** يا ويحهم أيحكمون على عمياء ويحهم ما ظنهم بعزيز العفو غفار». فالناس، الناس لا يدرون ماذا يكون بين العبد وبين ربه. لما ذكرت هذه الأبيات للحسن البصري رحمه الله تعالى قال: «ويحه، لعله ينجو بها». يا رب إن الناس قد حكموا وقالوا علي بأنني من ساكن النار، أيحكمون على عمياء، ويحهم ما ظنهم بعزيز العفو غفار. أو كما قال في أبياته الشعرية، فهو كان يرجو من الله سبحانه وتعالى العفو، يرجو منه الرحمة والعفو. أيحكمون على عمياء؟ فلا تحكم على معين بأنه من ساكن النار أو من أهل الجنة لأن هذا علمه إلى الله سبحانه وتعالى، فلعله ينجو بهذا، فلعله بالرجاء ينجو عند موته. فالإنسان طبعا في حال الصحة والقوة والنشاط عليه أن يغلب جانب الخوف من الله، وفي حال قرب الأجل عليه أن يغلب جانب الرجاء. فالشاهد من هذا أن شقيق بن سلمة وهو التابعي الجليل أبو وائل نهى الزبرقان عن سب الحجاج مع أنهم يعلمون ما عليه الحجاج من الجور، فلعله قال: اللهم اغفر لي فغفر له، فما ينفع بعد ذلك أن تسبه. قال: قال أبو إسحاق السبيعي: «ما سب قوم أميرهم إلا حرموا خيره». إذا بلغه سب أقوام له فربما يمنعهم شيئا من أمور الدنيا وهم محتاجون إليها. فكم من قرى عوقبت بسبب أبنائها الذين خرجوا على ولاة الأمور وسبوهم، فعلم السلطان ذلك فحرمهم مشاريع كانوا في حاجة إليها، حرمهم أشياء من دنياهم. لكن السلطان يحب، يحب ماذا؟ يحب المدح. فانظر إلى أقوام يمدحونه فيعطيهم نصيبهم من الدنيا، ربما أفرادا، وربما جماعات، وربما قرى بكاملها. ترى قرية خير من قرية في أمور الدنيا، هذه عندها مشاريع خدماتية من كهربة، من ماء، من أسفلت، من صحة، من تعليم. هذا الذي يريده الناس، هذا الذي يريده الناس، فيكونون مع ولي الأمر بهذا حتى وإن كانوا لا يحبونه، حتى وإن كانوا لا يحبونه. المهم أنت لا تكن سببا في الفرقة، لا تكن سببا في حرمان الناس، وأعظم يكون سبب في حرمان الناس من الخير بسبب طعنه على ولي، على ولي أمره. فما سب قوم قوم يعني أظهر ذلك أميرهم إلا حرموا خيره. كيف سيعطيهم خيره وهم يسبونه وهم يسبونه؟ فهذا واقع. قال أبو مجلز رحمه الله: «سب الإمام الحالقة التي تحلق الدين». تحلق الدين يعني تخرج الرجل، عياذ بالله، من دينه لأن هذا ليس من منهج للسنة والجماعة. قال: «لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين». وقال أبو إدريس الخولاني رحمه الله تعالى وهو عائذ الله ابن عبد الله: «إياكم والطعن على الأئمة، فإن الطعن عليهم هي الحالقة، حالقة الدين، ليس حالقة الشعر. ألا إن الطعانون هم الخائبون وشرار الأشرار». فخلاصة هذا أن هذا منهج الخوارج: الطعن في الأئمة وسب الأئمة، وليس منهج أهل السنة. فانظر رحمك الله كم هي الأدلة من السنة ومن الآثار من الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسان، كلها في النهي عن سب ولاة الأمور والطعن فيهم. وقال معروف الكرخي رحمه الله: «من لعن إمامه حرم عدله». أيضا يحرم العدل فيه، فلا يعدل فيه الإمام، بل يكون سببا لبطش الإمام عليه. وكم من إمام بلغه أن رجل سبه وطعن فيه فقام بماذا؟ فقام ببطشه إما بقتله وإما بسجنه وغير ذلك. قال: قال الحسن بن إسماعيل الربعي رحمه الله: قال لي أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والصابر لله عز وجل تحت المحنة، أي محنة خلق القرآن: «أجمع سبعون رجلا من التابعين وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل أو جور». على ما كان منه، هذه السنة التي مضت عن الأئمة رحمهم الله تعالى عن السلف أنها مضت: الصبر على السلطان سواء كان عادلا أو سواء كان ظالما وجائرا. فالمهم من هذا هو السمع والطاعة لهذا السلطان والصبر عليه، تستقيم بذلك الأمور. قال المؤلف: أيها الإخوة، إذا قرأتم فتدبروا، ولا تكن القراءة في آثار السلف سحابة صيف على أحدنا، سرعان ما ننسى ما يمر علينا من أحاديث وآثار. فهذا قول الإمام، يعني الإمام أحمد، وحثه على الصبر وتأكيده عليه وهو تحت المحنة وهو في السجن وفي محنة خلق القرآن يقول ذلك. قال: «ولو قال: اخرجوا على من يقول بخلق القرآن وقاتلوهم، لما كان مخطئا عقلا لأنهم أتوا بقول شنيع، والقول بخلق القرآن كفر. القول بخلق القرآن كفر لأن القرآن كلام الله وكلامه سبحانه وتعالى صفة من صفاته، فالقول بذلك كفر، وقد كفر العلماء الجهمية والمعتزلة القائلين بخلق القرآن». قال: «ولو قال: اخرجوا على من يقول بخلق القرآن وقاتلوهم، لما كان مخطئا عقلا والواقع والحال هذه، ولما لامه أحد، ولكن السنة التي تربى عليها، تربى عليها الرجال، والحكمة والفراسة التي ينظر بها إلى النتائج، فاللهم أيقظ وبصر الغافلين أجمعين آمين». انظروا إلى هذا الكلام الطيب، أن الإنسان ينظر في نتائج الأمور ويكون عنده حكمة خاصة في الفتنة والمحنة التي تمر بالمسلمين، لا يأتي بفتاوى تشعل الحرب، تشعل الناس، تفتن الناس، بل عليه أن يستخدم العقل والحكمة والتأني والصبر في مثل هذه الأمور. فالإمام أحمد ما قال: اخرجوا، هذا الحاكم كافر لأنه يقول بخلق القرآن ويأمر الناس بذلك ويمتحنهم في ذلك، وكان مصيبا في هذا، لكنه علم أن الأمور لن تستقيم وأنه ستزداد الأمور سوءا، وربما بعد ذلك تروح فيها النساء والأطفال والأبرياء، والكل يمتحنون بهذا، ليس فقط العلماء لأجل أن يقولوا بهذا ويتبعهم الناس، لكن بعد ذلك سيمتحنون الصغير والكبير والشيخ والمرأة وغيرهم من الناس، ستكون فتنة عظيمة: إما أن تجيب وإما أن تقتل. وقال ابن تيمية رحمه الله: «مذهب أهل الحديث ترك الخروج على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر أو يستراح من فاجر». وقد تقدم نحو هذا عن ابن تيمية رحمه الله تعالى. وقال النووي رحمه الله: «وأما الخروج على ولاة الأمور وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين». وأجمع أهل السنة أن لا ينعزل السلطان بالفسق. كيف يعزلونه؟ والآن، الآن بمجرد شبه عندهم يقولون أن ولي الأمر كافر فيعزلونه عندهم، وهؤلاء إلى أئمة يقولون: لا ينعزل السلطان بمجرد حصول الفسق والمعاصي منه أو في بلاده أو في بلاده، سواء كان أمر بها أو لم يأمر بها، لأنه تختلط بعض الأمور على الناس، فربما في بلدة يكون فيها مجاهرة بالفسق والمعاصي فينسبون ذلك إلى السلطان، وقد يكون ليس منه وإنما من عماله، يعني من الولاة الآخرين الذين يحكمون، ولم يبلغه ذلك، ولو بلغه لنهى عنه. لكن ينسبون بعضهم ذلك إلى ولي الأمر الأكبر وهو السلطان والرئيس، فبعد ذلك يكفرونه من مجرد حصول المعاصي في بلده. وقال أيضا: وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء، وقال يعني النووي: «وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل الإمام بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك». إذن بماذا ينعزل؟ إذا كان ما ينعزل بالفسق والظلم، ينعزل بالكفر كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان». طيب، عنده كفر ينعزل، لكن من الذي يعزله؟ من الذي يعزله؟ يعزله من ولاه، وهم أهل الحل والعقد من العلماء ووجهاء الناس وصلحائهم وخيارهم، يجتمعون ويذهبون ويعزلونه. فإن أبى وقال: ترجعون، وإلا أبطش بكم وأفتك بكم، وليس عندهم قوة على عزله، وليس عندهم قوة على عزله، فيرجعون وقد أدوا النصيحة. فكما تقدم كلام ابن باز رحمه الله تعالى: لا ينعزل إلا الكافر، وكفره إذا كان المسلمون يقدرون على عزله عزلوه، وإذا لم يقدروا على عزله وهو كافر فماذا يفعلون؟ فإنهم يصبرون، فإنهم يصبرون. وانظروا السلف ما عزلوا بعض الحكام الذين هم فسق، عندهم فسق مثل يزيد بن معاوية. قال الإمام أحمد: «لا نحبه ولا نسبه». بعض الولاة اشتهر عنهم مثلا في ذلك الوقت شرب الخمر، عندهم المجون، عندهم فسوق، شرب الخمر وأمور كثيرة منكرة، ومع ذلك ما قالوا: هذا ليس بولي أمر، أخرجوا أيها الناس، هذا ينعزل، خلاص انزعوا البيعة من أعناقكم. ما قال العلماء هذا. الصحابة كانوا متواجدين في زمن الحجاج وزمن يزيد وزمن عبد الملك بن مروان، وعندهم ما عندهم، وعندهم ما عندهم، لكنهم ما اعتبروهم بمجرد ظلمهم أو فسقهم أنهم ليسوا بولاة أمر، أنهم ليسوا بولاة أمر، بل مزال ولاة أمر، فلا ينعزلون بمجرد الفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلعون. قال أبو بكر اللالكائي رحمه الله: «من صبر على جور الأئمة وحيف الأمر ولم يخرج عليهم بسيفه ودعا للولاة بالصلاح كان على الطريق المستقيم إن شاء الله تعالى». وقال عمر بن يزيد أبو حفص رحمه الله: «سمعت الحسن البصري أيام يزيد بن المهلب يقول: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا». وهو يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، يزيد بن المهلب بن أبي صفرة أحد قواد الجيش وممن خرجوا كذلك على ولاة الأمر وكون له شوكة. قال: «لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، يفرج عنهم، ولكن يجزعون ويفزعون إلى السيف فيوكلوا إليه، فوالله ما جاءوا بيوم خير، بيوم خير قط». إذن لأنهم لم يلجأوا إلى الله عندما جار وظلم السلطان، فلم يفزعوا إلى الله القوي الشديد سبحانه الذي بيده الأمور، ما لجأوا إليه وكلهم إلى ماذا؟ إلى أنفسهم. فإنهم لجأوا إلى أمر خطير وهو السيف والخروج على ولي الأمر، فوكلهم إلى أنفسهم، فلما وكلوا أنفسهم ما مروا بيوم خير قط. كل الوقائع، انظر في ذلك التاريخ الذي حصل فيه الخروج سواء كان في زمن بني أمية أو في زمن بني العباس، كل من خرج ماذا كان جزاؤه وماذا كانت نتيجته؟ كانت نتيجته القتل، أنه أبيد وأهله، أنه أبيد إلا إن سلم وهرب واختفى، فبعضهم اختفى سنين طويلة من السلطان. ما نجحوا أبدا الخارجون على ولي الأمر، ما نجحوا، والله المستعان. قال: قال محمد بن الحسين العجلي رحمه الله تعالى: «وإن ظلمك حقا لك، يعني السلطان، وإن ضربك ظلما لك، وانتهك عرضك، وأخذ مالك، فلا يحمل ذلك على أنه يخرج عليه سيفك حتى تقاتله، ولا تخرج مع خارجي حتى تقاتله، ولا تحرض غيرك على الخروج عليه، ولكن اصبر عليه». هذا كلام أئمة السنة رحمهم الله تعالى، سطروه ونقلوه لنا لمن بعدهم، سطروه ونقلوه لمن بعدهم حتى يسير السائر الصحيح في باب الولاية، باب ولاة الأمور، يمشون بمشي أهل السنة والجماعة في الصبر على ولاة أمورهم والدعاء لهم وترك الخروج عليهم وأداء الحقوق لهم وسؤال الله عز وجل حقهم والدعاء لله سبحانه وتعالى، يدعو الله عز وجل أن يصلح البلاد والعباد. نكون بهذا انتهينا من هذا الباب، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر