مثل الكلمة الطيبة

الخطبة بعنوان مثل الكلمة الطيبة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٩ ذو القعدة ١٤٣٧هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

معنى كلمة التوحيد وأركانها

يشرح هذا المحور أن الكلمة الطيبة هي شهادة التوحيد "لا إله إلا الله" مفتاح الجنة، مبيناً أنها تقوم على ركنين أساسيين هما النفي والإثبات. ويؤكد أن مجرد النطق بها دون فهم معناها والعمل بمقتضاها لا ينفع صاحبه كما لم ينفع المنافقين.

شروط لا إله إلا الله: الانقياد واليقين والقبول والإخلاص

يستعرض المحور شروط شهادة التوحيد الأربعة وهي الانقياد المنافي للاعتراض، واليقين المنافي للشك، والقبول المنافي للرد، والإخلاص المنافي للشرك. كما يحذر من الخلط بين المعصية والكفر ومن مخاطر دعاء غير الله والاستغاثة بالأموات.

خطر الشرك وكراهية شعائر الإسلام كنواقض للإيمان

يشدد المحور على ضرورة الصدق والإخلاص والمحبة لمقتضيات التوحيد، محذراً من التوجه لغير الله في الشدائد باعتباره شركاً مشابهاً لشرك المشركين. ويبين أن كراهية أي شعيرة من شعائر الإسلام كالزكاة والصيام والحدود تعد من نواقض الإيمان وموجبات حبط الأعمال.

الدعاء الختامي والسلام

يختتم المتحدث الدرس بالدعاء لله أن ينفع بما سمع وأن يوفق لمرضاته ويجعل خاتم كلامه شهادة التوحيد. ثم يسلم على الحضور بتحية الإسلام خاتماً المجلس بالسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. ضرب الله جل وعلا في هاتين الآيتين العظيمتين مثلين عظيمين بكلمتين: إحداهما طيبة، والأخرى خبيثة. وما تؤتي الكلمة الأولى الطيبة، بل وقبل هذا ما كان من رسوخ أصولها في قاع الأرض وثباتها، وما تؤتي من أكلها وثمارها في كل حين، وفي كل وقت وزمان. وما كان من مثل الكلمة الخبيثة التي اجتثت واقتلعت من أصلها وقرارها وأساسها حتى لم يصر لها قرار ولا أساس ولا قاعدة، لأنها خبيثة، ولا يبقى إلا الطيب. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. لنا وقفات في هذا المقام مع هاتين الكلمتين الطيبتين. الكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ويدخل فيها كل حق، وكل ما يوافق شرع رب العالمين جل وعلا من الحق، وما كان مؤيدًا له وناصرًا له، فكل ذلك من الكلمة الطيبة. الكلمة الطيبة هي التوحيد، قال ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، كما عند ابن كثير وغيره. الكلمة الطيبة عباد الله هي مفتاح الجنة، فلا يدخل الجنة إلا الطيبون، والمفتاح الذي يفتح به الجنة لا بد أن يكون مفتاحًا طيبًا، فالمفتاح الطيب هو قول: لا إله إلا الله. كلمة لا إله إلا الله هي مفتاح الجنة. الكلمة الطيبة عباد الله، كلمة التوحيد، قد جهلها الكثير من الناس: جهل أركانها، وجهل شروطها، وجهل معناها ومغزاها، فظن أنه يكفيه أن يقول: لا إله إلا الله، ولو لم يأتِ بأركانها، ولو لم يأتِ بشروطها، ولو لم يعلم معناها ومغزاها. لا يعبد الله الله جل وعلا جعل شروطًا وأركانًا، وهكذا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، لهذه الكلمة: لا إله إلا الله، حتى تكون صحيحة، وحتى تكون مقبولة عند الله تبارك وتعالى. فليس المراد بلا إله إلا الله قولها دون الإتيان بأركانها وشروطها والعلم بمعناها. هذا سهل، كل أحد سيقول: لا إله إلا الله، فليس الشأن في قول لا إله إلا الله، ولكن الشأن كل الشأن أن تعلم أركان هذه الكلمة، وشروط هذه الكلمة، ومعنى هذه الكلمة، حتى تكون حقًا ممن قال: لا إله إلا الله. وإلا فالمنافقون قالوا: لا إله إلا الله، ولكن لم يأتوا بأركانها ولا بشروطها ولا بمقتضياتها، بل ولم يكونوا صادقين في قولها، فكذبهم الله تبارك وتعالى. فأركان هذه الكلمة -يعبد الله- ركنان: النفي والإثبات. النفي والإثبات: "لا إله" نفي لكل عبادة لكل عبادة عما سوى الله جل وعلا، واستحقاق هذه العبادة له، وإثباتها لله جل وعلا وحده لا شريك له. "لا إله": أي لا أحد يستحق العبادة، ولا عبادة تصرف لأحد إلا الله تبارك وتعالى. فقوله: "إلا الله" فهو الإثبات. وهذه كلمة التوحيد، وهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فمن يكفر بالطاغوت، شرط الكفر بالطاغوت، والطاغوت: كل من عبد من دون الله وهو راض، والطاغوت: صرف عبادة لغير الله جل وعلا، والطاغوت: صرف شيء من حق الله جل وعلا لغير الله تبارك وتعالى، فهو يشمل كل كفر وكل شرك، فلا بد من الكفر به والإيمان بالله. فهذه كلمة التوحيد، فهذه العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ولذلك دعوات الأنبياء: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾. كل نبي وكل رسول قالها لقومه. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. هذه هي حقيقة هذه الكلمة: كلمة لا إله إلا الله. لا بد فيها من النفي، فمن قال: لا إله إلا الله فقط، ولم يثبت استحقاق العبادة لله وحده، فليس بمؤمن، وليس بمن أتى بهذه الكلمة. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. إذا المعنى: لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، أو لا معبود حق إلا الله. "فلا إله": "لا" نافية للجنس، و"إله" اسمها، وخبرها محذوف تقديره: "حق" أو "بحق". والعرب تحذف الخبر إذا المراد ظهر، كما قال ابن مالك في ألفيته: "وشاع في ذا الباب -أي في باب لا نافية للجنس- إسقاط الخبر إذا المراد مع سقوطه ظهر". فبمجرد قولك: لا إله إلا الله، يعلم أنه لا إله حق إلا الله، لأن النزاع بين الرسل وأقوامهم ليس في وجود الله، وإنما في استحقاق الله جل وعلا للعبادة وحده. ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. ما أقروا بأن الله هو وحده الذي يستحق... ما في إلا إله واحد يدعى، ما في إلا إله واحد يستغاث به، ما في إلا واحد يذبح له تقربًا وتعظيمًا، وينذر له. ﴿إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. العجاب في كلامهم. نعم، هو الذي يستحق أن يعبد وحده. ألستم تقرون بأنه الخالق وحده، والرازق وحده، والذي يجير وحده، والذي يملك كل شيء؟ فما العجب أن يكون هو المستحق للعبادة؟ نعم، فالعجب في كلامهم. وإلا فالذي خلق ورزق، وأحيى وأمات، وأوجد الخلق من العدم، هو الذي يستحق أن يعبد. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بمنّك وكرمك يا أكرم الأكرمين. أيها المسلمون، عباد الله، ومن شروط "لا إله إلا الله": الانقياد لهذه الكلمة، وعدم اعتراض، وعدم التمرد على شيء اقتتلته ودلت عليه. فمن اعترض على هذه الكلمة، أو اعترض على شيء من مدلولاتها، فلم يحققها. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. سمعًا وطاعة لهذه الكلمة، ولما دلت عليه، ولما اقتضته. أما إذا وجد الشيء من الاعتراض، أو الكراهة، أو التعقيب لهذه الكلمة، أو ما دلت عليه، فإن صاحبها لم يأتِ بهذه الكلمة. فلا بد من الانقياد لهذه الكلمة، ولما دلت عليه. وهكذا من شروطها: اليقين، أن تتيقن بأنه لا إله إلا الله، لا يوجد شك في قلبك تجاه هذه الكلمة، فلا بد من اليقين المنافي للشك. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، أي: لم يشكوا، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، أي: الصادقون في هذه الكلمة، الموقنون بها. فلا بد من اليقين المنافي للشك. وقال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيح: «من قال: لا إله إلا الله، مستيقنًا بها قلبه، دخل الجنة»، وفي لفظ: «غير شاك فيها، دخل الجنة». ومن شروطها: القبول، المنافي للرد. فلا ترد شيئًا دلت عليها هذه الكلمة واقتضته، بل لا بد من الاستسلام. قال جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. لا تعترض، تسلم. أما هذا الذي يقول: لا إله إلا الله، ثم يقول: "أيش فائدة من قطع يد السارق؟ وأيش حكمة من قطع يد السارق؟ وهذه جريمة شنعاء! لماذا الزاني المحصن يرجم؟" اعتراض وعدم قبول. فرق بين من لم يتحاكم إلى شرع الله لهوى في نفسه أو لدنيا، وبين من لم يتحاكم إلى شرع الله كراهة له وبغضًا له وتمردًا عليه وردًا له. خلطت جماعات بين الفرق بين هذين الأمرين، فأوصل ذلك الأمة إلى ما وصلت إليه من التكفير والتفجير وغير ذلك. عدم الفرق... لا بد أن نفرق بين من كفر، ومن صار والطاغوت الذي يجب أن يكفر به حتى يصير حلال الدم والعرض والمال، وبين من يفعل ذلك مجرد فعل، أو لمجرد شهوة، مع إقراره وعدم رده، لكن لضعف نفسه ولهوى نفسه فعل ذلك مجرد فعل. كما فرق الصحابة، وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ومن جاء بعدهم من السلف. ومن لم يفهمها كحال الخوارج في عهده رضي الله عنه، أعني علي بن أبي طالب، وخرجوا على الأمة، ولكل قوم وارث إلى يومنا هذا. فاحذروا، بارك الله فيكم، وانتبهوا. ومن شروطها كذلك: الإخلاص. قال جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. الإخلاص المنافي للشرك. تقول: لا إله إلا الله، معناها: لا معبود بحق إلا الله. فكيف تذهب إلى الولي الفلاني؟ كيف تذهب إلى قبر الحسن أو قبر الحسين، وتقول: "يا حسين، ايش في مريضي؟ يا حسين، فرج عنا كربتنا، يا حسين، أما ترى ما فيه الأمة من الفتن ومن ظلمة أعداء الإسلام، فرج عنا هذه الكرب، يا حسين، يا حسين، يا حسين"؟ وذلك الذي يذهب عند قبر البدوي، ويقول: "يا بدوي"، ويطلب منه المدد والحاجات؟ أين "لا إله إلا الله"؟ أين "لا إله إلا الله"؟ إذا قلت: لا إله إلا الله حقًا، فلن تذهب إلا... فلن ترجع إلا إلى الله. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. أعاجز ربنا تبارك وتعالى عن نصرك؟ أعاجز ربنا جل وعلا عن تفريج كربتك؟ أعاجز ربنا جل وعلا عن شفائك من مرضك، حتى ذهبت إلى الحسين، أو ذهبت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو إلى الجيلاني، أو إلى المحضار، أو إلى العيدروس، أو إلى ابن علوان، أو إلى السيدة نفيسة؟ ستقول: لا إله إلا الله. أين الله في قولك: لا إله إلا الله؟ هل أنت قلت: لا إله إلا الحسين؟ هل أنت قلت: لا إله إلا البدوي؟ هل أنت قلت: لا إله إلا المحضار، إلا الجيلاني؟ لا، ما قلت هذا. قلت: لا إله إلا الله. إذن كيف ذهبت إلى غيره، وكيف رجعت إلى غيره لما ابتليت بمرض، أو ابتليت بمصائب، أو بشدائد؟ خلل عظيم في العقيدة. ما أشبه الليلة بالبارحة. ﴿يَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ وَيُقَرِّبُونَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وماذا كان قول المشركين إلا هذا؟ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾. ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. بماذا حكم الله جل وعلا عليهم؟ تأملوا في آخر الآيتين لتروا الحكم على من يقول هذا ويعتقد هذا. في إحداهما ينزه ربنا جل وعلا نفسه عن هذا الشرك: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وفي إحداهما كذبهم وكفرهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. فهو كاذب في زعمه وفي قوله: إن هؤلاء شفعاء له عند الله، وإن هؤلاء يقربون له إلى الله زلفى، وكافر بفعله هذا واعتقاده. ومن شروط "لا إله إلا الله" عباد الله: الصدق في "لا إله إلا الله". المنافقون قالوا: لا إله إلا الله. ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. كذبوا في قول "لا إله إلا الله"، قالوها بألسنتهم لتعصم دماءهم، ولتعصم أموالهم، ولتعصم أعراضهم، غير صادقين فيها. وإن أسلم يقول، كما في الصحيح: «من قال: لا إله إلا الله، صدقًا من قلبه، صدقًا من قلبه». وفي حد الشفاعة في الصحيح، حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «واختبأت شفاعتي، واختبأت دعوتي، شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائل إن شاء الله لمن مات لا يشرك بالله شيئًا». وفي حديث الغراء الآخر، حديث الشفاعة، وهذا غير حديث أبي هريرة. حديث أبي هريرة في الصحيح أيضًا، قال عليه الصلاة والسلام: لما قال أبو هريرة: "من أسعد الناس بشفاعتك؟" قال: «من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه». فلا بد من الإخلاص، ولا بد من الصدق في قول هذه الكلمة. والمحبة لهذه الكلمة، وما دلت عليه من أحكام وشعائر وشرائع، فلا تكره شيئًا يا عبد الله دلت عليه هذه الكلمة واقتضته هذه الكلمة، وإلا فلا ينفعك قول "لا إله إلا الله"، ولو قلتها ملايين المرات، ما دمت كارهًا لشيء من مدلولاتها، أو لشيء من مقتضياتها. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. كفروا بالله وبرسوله، حصل عندهم الكفر بالله والكفر برسوله عليه الصلاة والسلام، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. فأحبط أعمالهم. وقال جل وعلا: ﴿وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ولا ينفقون إلا وهم كارهون. في كراهة لفريضة الزكاة والإنفاق، فلا بد أن تزكي وأنت غير كاره. نعم، ثقيل المال على النفس، لكن لا يصل الحال إلى أنك تكره هذه الفريضة، كما كره أولئك المرتدون في عهد أبي بكر، فارتدوا حين جحدوا هذه الفريضة. أخرج هذه الزكاة، تجد ثقلا في النفس، هذا مرض آخر، لكن لا يصل الحال عندك أنك تمنيت أن لو لم تفرض هذه الزكاة، أن لو لم تفرض هذه الزكاة، وأن الله لم يفرضها حبًا للمال. فهذه كراهة لهذه الشعيرة. أو يصل عندك الحال: لو أن الله لم يفرض الصيام، لما تجد فيه من المشقة والتعب. احذر يا عبد الله، هذه كراهة كفرية، إذا كان عندك الكراهة لشيء من شعائر الإسلام، حتى لقطع يد السارق، أو كذلك لرجم الزاني المحصن، أو لشيء من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي قد علمت أنها ثابتة عنه، ولا تأويل مصوغ لك يجعلك لم تقر بها، فحكمه آخر. فالكلام في هذه الكلمة، عباد الله، الطيبة، وكنت أريد أن أذكر فضائلها، ولها فضائل كثيرة، والكلمة الخبيثة: الشرك ومفاسدها، ولكن الوقت قد أخذ، قد مر علينا، ويكفينا، حسبنا ما ذكرنا عن هذه الكلمة الطيبة. ولعله يتيسر مقام آخر نتكلم عن الكلمة الخبيثة، وما ينبغي للمسلم تجاهها من الكفر بها، وبيان مفاسدها. نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا قول: لا إله إلا الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وقم السلام.