تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 8

تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 8

الدرس في تفسير سورة الذاريات من تفسير الجلالين 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تكذيب الأمم السابقة وتوافق الكافرين

يتناول تكذيب الأمم السابقة للرسل وتوجيه تهم السحر والجنون لهم، ويشير إلى توافق الكافرين في هذه التهم بسبب الكفر والشرك. يُظهر أهمية النظر إلى المعايير الإيمانية بدلاً من المادية.

تفسير الآيات ودلالاتها

يفسر الآيات القرآنية ويوضح معانيها ودلالاتها، ويشرح أسباب توافق المشركين والكافرين في مواقفهم. يُبين أهمية التذكير بالقرآن والسنة وفاعليته في نفع المؤمنين.

الغاية من خلق الإنسان وعلاقته بالرزق والعذاب

يشرح أن خلق الإنسان للعبادة وليس للرزق، والرزق بفضل الله. يشير إلى انشغال الناس بالرزق عن العبادة بسبب البخل والتنافس، ويتوعد الكافرين بالعذاب الشديد.

ختام السورة ودعاء المتكلم

يختتم شرح السورة العظيمة وما فيها من عبر، ويدعو الله أن يجعلنا ممن ينتفع بآياتها، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

أَعْلَمَ الله الشيطان الرجيم، فذلك الآية الذي نَعْلَمُه قَبْلَهُ مِنْ رَسُولِهِ، لَا قَالُوا سَاحِرُونَ. لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لَا يَعْلَمُونَ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ. فَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ. كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ. فَتَوَلَّى عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ. وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ عَدَمَ عِبَادَةِ الْكَافِرِينَ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا يَلْزَمُ وُجُودُهَا. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَلَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِي. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. هَذِهِ آخِرُ هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي فِيهَا مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّذْكِرَةِ وَالزَّجْرِ لِلْمُشْرِكِينَ فِيمَا كَانَ مِنْ عِنَادِهِمْ، وَكَذَلِكَ إعْرَاضِهِمْ عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَسْلِيَةِ أَهْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ إعْرَاضَهُمْ لَيْسَ بِغَرِيبٍ؛ فَهُوَ كَحَالِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ. وَهَذَا هُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾، فَهُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَمْرُهُمْ كَذَلِكَ، أَيْ كَأَمْرِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ. فَمَا كَانَ مِنْهُمْ شَيْءٌ غَرِيبٌ. مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رَسُولٌ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. قَالَ: انْفَسِرْ هُنَا أَيْ مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ لَكَ بِقَوْلِهِمْ إِنَّكَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. وَاخْتِيَارُ الْمُشْرِكِينَ السَّابِقِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ لِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ وَالْبُرْهَانِ مَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ سِحْرٌ، وَلِهَذَا سَمَّوْهُ سِحْرًا، وَسَمَّوْا الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ بِلَفْظِ سَاحِرٍ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا». وَفِي هَذَا شَهَادَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِفَصَاحَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَبَلَاغَتِهِمْ، وَمَا جَاءَ مَعَهُمْ مِنَ الْوَحْيِ الَّذِي بُعِثُوا بِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ فَهِيَ تَهْمَةٌ تَدُلُّ عَلَى حَقٍّ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ مَجْنُونٌ؛ لِمَا كَانَ مِنْ شَجَاعَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَجُلٌ وَاحِدٌ يُوَاجِهُ أُمَّةً بِأَسْرِهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾. عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَوَازِينَ الشَّرْعِيَّةَ يَعْتَبِرُونَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا مَجْنُونٌ. كَيْفَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ يُوَاجِهُ أُمَّةً بِأَسْرِهَا وَيَتَحَمَّلُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَصَاعِبِ وَهَذِهِ الْمَشَاقِّ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ بِالْمَنْظَارِ الْحِسِّيِّ الْمَادِّيِّ، لَا يَنْظُرُونَ بِالْمَنْظَارِ الشَّرْعِيِّ. وَهَذَا وَجْهُ تَوَافُقِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكَافِرِينَ السَّابِقِينَ وَاللَّاحِقِينَ فِي مِثْلِ هَذِهِ التُّهْمَةِ. كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: تَكْذِيبُ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ رُسُلَهُمْ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ. وَهَذَا ظَاهِرٌ، لَكِنَّ وَجْهَ التَّوَافُقِ فِي هَذَا اللَّفْظِ هُوَ هَذَا الَّذِي سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾، قَالَ: اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْيِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ: لَكِنَّهُ أَوْلَدَ لِلتَّنْبِيهِ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ مَعْنًى. يَعْنِي تَنْبِيهًا أَنَّهُ حَصَلَ بَيْنَهُمْ تَوَافُقٌ عَجِيبٌ كَأَنَّهُمْ تَوَاصَوْا بِهِ. كَأَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ: تَوَافُقُهُمْ كَأَنَّهُ تَوَاصٍ، وَلَيْسَ بِتَوَاصٍ. وَلَيْسَ بِتَوَاصٍ، لَكِنَّ لَهُ سَبَبٌ هَذَا التَّوَافُقُ؛ السَّبَبُ هُوَ الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ وَالنَّظَرُ إِلَى الْمَعَايِيرِ الْمَادِيَّةِ. وَلِهَذَا تَوَافَقَتْ تَهَمُهُمْ وَتَوَافَقَتْ مِنْهَجِيَّتُهُمْ، وَتَوَافَقَتْ كَذَلِكَ مَوَاقِفُهُمُ السَّابِقُونَ وَاللَّاحِقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْكَافِرِينَ؛ مَوَاقِفُهُمْ مُتَشَابِهَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَصْدُرُ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ وَعَنْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ. النَّظَرُ إِلَى الْأُمُورِ الْمَادِيَّةِ وَإِغْفَالُ الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَذَا هُوَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أَيْ: الطُّغْيَانُ وَالنَّظَرُ إِلَى الدُّنْيَا وَالْمِيزَانُ بِمِيزَانِهَا هُوَ الَّذِي جَعَلَهُمْ يَتَوَافَقُونَ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾، أَيْ: أَعْرِضْ عَنْهُمْ؛ فَمَا أَنْتَ مِنْ مَلُومٍ. قَالَ: لِأَنَّكَ بَلَّغْتَهُمُ الرِّسَالَةَ. وَفِي هَذَا أَمْرَانِ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَلِكَ إعْذَارٌ. وَالْأَمْرُ الثَّانِي: تَخْوِيفٌ وَزَجْرٌ لِلْمُشْرِكِينَ الْكَافِرِينَ. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ؛ أَمْرٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِعْرَاضِ وَالِابْتِعَادِ عَنْهُمْ؛ أَنَّهُمْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ. وَزَجْرٌ وَوَعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ: أَنَّ هَذَا الْإِعْرَاضَ مُنْذِرٌ بِشَرٍّ عَظِيمٍ يَأْتِيهِمْ بِسَبَبِ الشَّرِّ الَّذِي عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُمْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ فِي بَقَاءِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ. وَكَذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ، وَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَبَلَاغِ الشَّرِيعَةِ. فَهَذَا هُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أَيْ: لَا لَوْمَ عَلَيْكَ؛ فَقَدْ أَدَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ. ﴿فَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قَالَ: عَذِّبْ بِالْقُرْآنِ. وَالظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَوْسَعُ مِنْ الْقُرْآنِ. فَالْمُرَادُ بِالتَّذْكِرَةِ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ: الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ». فَأُوتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، وَأُكْرِمَ بِالْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي كُلُّهَا مِنْ دَوَاعِي الْوَعْظِ وَالتَّذْكِرَةِ. ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قَالَ: مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُؤْمِنُ. وَالْمَعْنَى كَأَنَّهُ يَقُولُ: هَذَا بِاعْتِبَارِ الْعَاقِبَةِ. فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ فِيهِمُ الْخَيْرَ، فَيَدْخُلُونَ فِي الْإِيمَانِ. وَهَذَا الْمَعْنَى أَحَدُ مَعَانِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ الذِّكْرَى تَكْمُلُ بِالِانْتِفَاعِ عِنْدَ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلْإِيمَانِ، عِنْدَ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلْإِيمَانِ. فَهِيَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لِمَنْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ أَبْوَابَ الْإِيمَانِ، فَبَحَثَ عَنِ الْحَقِّ وَاسْتَمَعَ لِلْحُجَجِ، فَبَدَلَ أَبْوَابَ الْإِيمَانِ. وَهَذَا هُوَ قَوْلُ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُؤْمِنُ أَيْ: بِاعْتِبَارِ الْعَاقِبَةِ. وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: الَّذِينَ قَدْ دَخَلُوا فِي الْإِيمَانِ. وَكُلُّ الْمَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، قَالَ: وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ عَدَمَ عِبَادَةِ الْكَافِرِينَ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا يَلْزَمُ وُجُودُهَا. كَمَا فِي قَوْلِكَ: ضَرَبْتُ هَذَا الْقَلَمَ لِأَكْتُبَ بِهِ، فَإِنَّكَ قَدْ لَا تَكْتُبْ بِهِ. وَالصَّحِيحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ: بَلِ اللَّامُ فِيهِ لِيَعْبُدُونِ لِلتَّعْلِيلِ الشَّرْعِيِّ لَا لِلتَّعْلِيلِ الْكَوْنِيِّ. وَلِهَذَا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ فَأَطْلَقَ، احْتَاجَ لِمِثْلِ هَذَا التَّقْدِيرِ. يَعْنِي كَمَا ذَكَرَ: أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّامَ هُنَا لِلتَّعْلِيلِ الشَّرْعِيِّ لَا لِلتَّعْلِيلِ الْكَوْنِيِّ. وَالْمَعْنَى: خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ لِعِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ عَظِ، وَهِيَ عِبَادَتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلَا يُنَافِي كَوْنُ مَنْهُمْ مَنْ لَا يَعْبُدُ اللَّهَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ الْكَوْنِيِّ لَا مِنْ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ. وَقَوْلُهُ: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾، قَالَ: لِي وَلِأَنْفُسِهِمْ وَغَيْرِهِمْ. وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، قَالَ: وَلَا أَنْفُسَهُمْ وَلَا غَيْرَهُمْ. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، قَالَ: الشَّدِيدُ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ لِعِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ عَظِيمَةٍ وَهِيَ عِبَادَتِهِ. وَخَلَقَ لَهُمُ الْأَرْضَ، فَمِنَ الْخَطَأِ أَنْ يَنْشَغِلُوا بِمَا خُلِقُوا بِهِ عَمَّا خُلِقُوا لَهُ. فَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَجَعَلَ مَعَهَا هَذِهِ الْأَرْزَاقَ، وَلَكِنْ لَمْ يَخْلُقْهُمْ لِلْأَرْزَاقِ، وَإِنَّمَا خَلَقَهُمْ لِعِبَادَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَهَذِهِ الْأَرْزَاقُ مَتَاعٌ قَلِيلٌ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ لَا يَنْشَغِلُوا بِمَا خُلِقَ لَهُمْ عَمَّا خُلِقُوا لَهُ. فَكَيْفَ إِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ مَا حَذَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بُخْلِهِمْ فِي الرِّزْقِ، وَجَعَلَهُمْ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلَ. وَهَذَا هُوَ قَوْلُهُ: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾، يَعْنِي: مَا خَلَقَكُمُ اللَّهُ لِأَجْلِ أَنْ تَشْتَغِلُوا بِطَلَبِ الرِّزْقِ. لَا لِلَّهِ الْغَنِيِّ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ لِهَذَا الرِّزْقِ، وَلَا لِأَنْفُسِكُمْ وَلَا لِغَيْرِكُمْ؛ لِأَنَّ الرِّزْقَ مَوْجُودٌ، وَكَذَلِكَ اللَّهُ تَكَفَّلَ بِهِ. وَلَكِنْ خَلَقَكُمُ اللَّهُ لِسَبَبٍ عَظِيمٍ وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ لِعِبَادَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾؛ شَوَاهِدُ ذَلِكَ فِي الْكَوْنِ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ. فَهَذِهِ الْأَرْزَاقُ الَّتِي تَمْلَأُ الْكَوْنَ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَفْتَقِرَ النَّاسُ فِي تَحْصِيلِهَا أَوْ تَنْقُصَ عَنْ حَاجَتِهِمْ. وَلَكِنْ بِسَبَبِ بُخْلِهِمْ وَتَنَافُسِهِمْ بِالْبَاطِلِ حَصَلَ الشُّحُّ، وَانْشَغَلُوا بِهَذَا الَّذِي خُلِقَ لَهُمْ عَمَّا خُلِقُوا لَهُ. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾؛ اللَّهُ يَرْزُقُ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ قَوِيٌّ وَمَتِينٌ وَشَدِيدٌ. إِنْ لَمْ يُؤَدُّوا مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ مِنْ عِبَادَتِهِ. ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُنُوبًا مِثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾، قَالَ: ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ. وَالْآيَةُ عَامَّةٌ لِكُلِّ مَنْ ظَلَمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ السَّابِقِينَ وَاللَّاحِقِينَ، وَمِنْهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ. ذُنُوبًا أَيْ: نَصِيبًا مِنَ الْعَذَابِ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ. مِثْلَ ذُنُوبِ أَيْ: نَصِيبِ أَصْحَابِهِمْ. وَسَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ أَصْحَابًا؛ لِأَنَّهُمْ تَوَافَقُوا فِي الطَّرِيقِ. فَأَهْلُ الطَّرِيقِ أَصْحَابٌ، كَمَا سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَ النَّارِ أَصْحَابًا، وَأَهْلَ الْجَنَّةِ كَذَلِكَ أَصْحَابًا. مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ بَعِيدَةٍ وَقَرِيبَةٍ مُتَفَاوِتَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَصْحَابًا. ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهِونَ﴾؛ فَسَمَّى أَهْلَ النَّارِ أَصْحَابًا، وَسَمَّى أَهْلَ الْجَنَّةِ أَصْحَابًا؛ بِاعْتِبَارِ تَوَافُقِ الطَّرِيقِ. وَفِي هَذَا كَذَلِكَ الزَّجْرُ وَتَحْذِيرٌ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَوْ الْإِنْسَانُ صَاحِبًا لِأَهْلِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْفُجُورِ. فَلَا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ فَعَلَ ذَلِكَ فَصَارَ مُصَاحِبًا وَصَاحِبًا لِكُلِّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. فَمَنْ رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالْغِيبَةِ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْغِيبَةِ. وَمَنْ رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالزِّنَا فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَهْلِ الزِّنَا وَرَفِيقِ أَهْلِ الزِّنَا. حَتَّى وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي خَلْوَةٍ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ؛ فَقَدْ رَمَى بِنَفْسِهِ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَهَذَا الْمُسَمَّى وَهَذَا الْفَرِيقِ. فَصَارَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ وَلَوْ لَمْ يَرَهُمْ وَلَمْ يَلْتَقِ بِهِمْ؛ فَقَدْ رَمَى نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْفِرْقَةِ، وَهَذِهِ كَذَلِكَ الطَّرِيقَةُ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، قَالَ: بِالْعَذَابِ إِنْ أَخَّرْتُهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا كَذَلِكَ فِيهِ زَجْرٌ وَوَعِيدٌ؛ أَيْ: اسْتِعْجَالُهُمْ لِلْعَذَابِ، وَعَدَمُ وُقُوعِهِ لَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ. بَلْ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لِحِكْمَةٍ قَدْ يُؤَجِّلُ وَيُؤَخِّرُ الْعَذَابَ؛ فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُهْمِلُ وَلَا يُهْمِلُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقَدْ عَاجَلَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا تَقَدَّمَ مَعْنًى بِالْعَذَابِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ مُشْرِكُو مَكَّةَ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَّرَ لَهُ ذَلِكَ لِلْآخِرَةِ. وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَلْحَقُهُمُ الْعَذَابُ. ﴿فَوَيْلٌ﴾، قَالَ: شِدَّةُ عَذَابٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ وَادٍ سَحِيقٍ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ. ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قَالَ: فِي يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، أَيْ: يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَتَوَعَّدُ هَؤُلَاءِ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ الَّذِي يَكُونُ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَكَذَلِكَ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لَهُمْ عَذَابٌ قَبْلَ ذَلِكَ الْعَذَابِ، كَمَا وَقَعَ لِلْأُمَمِ السَّابِقَةِ أَفْرَادًا وَجَمَاعَاتٍ. وَبِهَذَا نَكُونَ قَدْ انْتَهَيْنَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ وَالْعِبَرِ. نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. وَإِلَى هُنَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.