الدرس الخامس:(وإنّما نبه الدّاعي لعظيم ملّته وأهله لمّا بلغني ما عنده من الدّيانة والفضل ....فيأيها الملك كيف تستحلّ سفك الدماء وسبي الحريم وأخذ الأموال بغير حجة من الله ورسوله؟).
يشرح شيخ الإسلام تيمية سبب كتابة رسالته نتيجة لما بلغه عن ملك قبرص، ويبين أهمية مراعاة حال من ينصحهم الداعي لله. يُظهر أهمية وضع النصيحة في موضعها المناسب.
يُناقش التحذير من الدنيا والترغيب في الآخرة، ويشدد على أهمية النصيحة فيما بين العبد وربه، ويبين حقارة غاية الدنيا وأهمية التجرد للآخرة وعبادة الله.
يُذكر عدل المسلمين وإحسانهم للنصارى مقارنةً بالتتار، ويشير إلى وصية النبي بمعاملة الأسرى والمملوكين بإحسان، ويبين أن المسيح لم يأمر بجهاد الأمة الحنيفية.
يتضمن ختام الرسالة بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر التأكيد على أهمية الصلاة على النبي في الإسلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى في رسالته المسماة بالقبرصية: «وإنما نبه الداعي لعظيم ملتي أهله لما بلغني ما عنده من الديانة والفضل ومحبة العلم وطلب المذاكرة، ورأيت الشيخ أبا العباس القدسي شاكرًا من الملك من رفقه ورطفه وإقباله عليه، وشاكرًا من القسيسين ونحوهم». يشير بهذا رحمه الله أن الذي دعاه لكتابة هذا الكتاب وما فيه من مسائل العلم، ما بلغه عن الملك في ذاك الوقت الذي أرسل إليه هذه الرسالة في قبرص، أنه على دين وفضل وحب للعلم وطلب للبحث فيه والمذاكرة. وفي هذا ما ينبغي أن يراعيه وينظر إليه الداعي لله فيما يتعلق بالنصيحة ووضعها في موضعها، ولكل مقام مقال. وهكذا كذلك فيه تلطيف لما كتبه، من أن الذي دفعه إلى هذا هو ما سمع من حبه للعلم. «ونحن قوم نحب الخير لكل أحد، ونحب أن الله يجمع لكم خير الدنيا والآخرة، فإن أعظم ما عبد الله به نصيحة خلقه». يعني وهذا من الخير الذي نحبه لكم، نحن نحب لكم الخير. وصدق رحمه الله، ولم يجامل ويريد بأعظم الخير الدخول في الإسلام. «وبذلك بعث الله الأنبياء والمرسلين، ولا نصيحة أعظم من النصيحة فيما بين العبد وبين ربه، فإنه لا بد للعبد من لقاء الله ولا بد أن الله يحاسب عبده». كما قال تعالى: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾. قال رحمه الله تعالى: «وأما الدنيا فأمرها حقير، وكبيرها صغير، وفي نسخة: كثيرها قليل، وغاية أمرها يعود إلى الرياسة والمال، وغاية الرئيس أن يكون كفرعون الذي أغرقه الله في اليم انتقامًا منه، وغاية ذي المال أن يكون كقارون الذي خسف الله به الأرض وهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة». قال رحمه الله تعالى: «وهذه وصايا المسيح ومن قبله وبعده من المرسلين كلها تأمر بعبادة الله والتجرد للدار الآخرة والإعراض عن زهرة الحياة الدنيا». وهذا مما هو معلوم عند النصارى، وهو كثير في نصوص المسيح عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: «فلما كان أمر الدنيا خسيسًا، رأيت أن أعظم ما يهدى لعظيم قومه المفاتح في العلم والدين بالمذاكرة فيما يقرر إلى الله، والكلام في الفروع مبني على الأصول». وأنتم تعلمون أن دين الله لا يكون بهوى الأنفس ولا بعادات الآباء وأهل المدنية، وإنما ينظر العاقل فيما جاءت به الرسل. قال رحمه الله: «ولما قدم مقدم المغول غازان وأتباعه إلى دمشق، وكان قد انتسب إلى الإسلام...». وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه، فهو أحد ملوك التتار. قال رحمه الله: «لا بد أن يكون قد بلغت الملك...». لأن تلك الأحداث كانت بقرب بعض النصارى، كما سيأتي من ذكر صاحب سيس. قال رحمه الله: «فأذل له الله وجنوده لنا حتى بقينا نضربهم بأيدينا ونصرخ فيهم بأصواتنا، وكان معهم صاحب سيس». وصاحب سيس هو ملك تلك البلاد التي يقال لها سيس. قال رحمه الله تعالى: «وكان معهم صاحب سيس مثل أصغر غلام يكون، حتى كان بعض المؤذنين الذين معنا يسب فيه ويشتمه وهو لا يستطيع أن يجاوبه». قال: «وقد عرف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى، وأطلقهم غازان، وقتلوا شاه...». وهذا عدل أهل الإسلام، فإنهم كما يأخذون من أهل الذمة الجزية، كذلك يقومون بما يجب من الدفاع عنهم وفتكاك أسيرهم والشفاعة وغير ذلك من الأمور. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك السبيل الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحد إحساننا ورحمتنا ورأفتنا بهم، كما أوصانا خاتم المرسلين». حيث قال في آخر حياته: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم». قال الله تعالى في كتابه: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾. قال رحمه الله تعالى: «ثم إن المسيح صلوات الله عليه لم يأمر بجهاد، لا سيما بجهاد الأمة الحنيفية، ولا الحواريون بعده». فيا أيها الملك، كيف تستحل سفك الدماء وسبي الحريم وأخذ الأموال بغير حق من الله ورسله؟ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.