شرح مختصر السيرة 83

شرح مختصر السيرة 83

الدرس في شرح مختصر السيرة 83، الدرس الثالث والثمانون:من( وكان طوافه على راحلته ولم يكن محرماً يومئذ ... من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فتح مكة ودخول الكعبة وتطهيرها

يتحدث عن فتح مكة ودخول النبي الكعبة وتطهيرها من الصور ومظاهر الجاهلية، وخطبته في قريش التي أعلن فيها عفوه وأكد على أهمية التقوى. كما تطرق إلى بعض الأحكام المتعلقة بالديات وقتل الخطأ شبه العمد.

أحداث يوم الفتح وصلاة الفتح

ناقش صلاة الفتح التي صلاها النبي بعد فتح مكة، والأحداث التي وقعت يوم الفتح، مثل إعطاء النبي الأمان لأهل مكة مع استثناء بعض الأشخاص الذين آذوا المسلمين.

تدمير الأصنام وتجديد حدود الحرم

يتحدث عن إرسال النبي سرايا لتدمير الأصنام حول مكة، وأمره بتجديد حدود الحرم، ونشر مناديه في مكة بتكسير الأصنام في البيوت.

خاتمة وتسبيح لله تعالى

يعبر عن خاتمة وتأكيد على علم الله تعالى وإدراكه، ويشمل تسبيحًا وحمدًا لله والاعتراف بتوحيده والاستغفار منه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: «وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرمًا يومئذ، فاقتصر على الطواف، فلما أكمله، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت، فدخلها، فرأى فيها الصور، ورأى صورة إبراهيم وإسماعيل، استقسمان بالأزلام، فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بها قط». يعني لم، وما نافية. وأمر بالصور فمحيت. والحديث أصله في الصحيحين، من حديث ابن عمر، وجاء من حديث غيره، لكن بمعنى هذا. قال: «ثم أغلق عليه الباب، هو وأسامة وبلال، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب، حتى إذا كان بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع، وقف، وصلى هناك». يعني جعل بينه وبين السترة قدر ثلاثة أذرع. «ثم دار في البيت، وكبر في نواحيه، ووحد الله، ثم فتح الباب، وقريش قد ملأت المسجد صفوفًا، ينظرون ماذا يصنع بهم، فأخذ بقدتي الباب». يعني حلقتي الباب، وهم تحته؛ لأن الباب مرتفع، ولا يصعد عليه إلا بشيء، كما ترونه اليوم. فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو مال أو دم». يعني كل ماء أثر، أو ما كان من مال أو دم، «فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج». ومعنى أن كل شيء مما بقي من أمر الجاهلية فهو ساقط، لا يبقى منه شيء، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، فتبقى السدانة في آل شيبة، ومعنى السدانة: يعني الإشراف على البيت ومفاتيح البيت، والسقاية في آل بن هاشم وآل عباس، ومن معه خاصة. قال: «وسقاية الحاج، ألا وقتل الخطأ شبه العمد». وهذا جاء معناه عن عبد الله بن عمر، من طرق صحاح، والعلامة الألماني في صحيح ابن ماجه، وذكر عددًا من طرقه في الإرواء، المجلد السابع. قال: «ألا وقتل الخطأ شبه العمد، الصوت والعصى، ففيه الدية مغلظة، مئة من الإبل». وشبه العمد هو الذي يضرب، ولا يريد القتل، ولكن يضرب بما مثله قد يقتل، كالضرب بالعصى في الرأس، أو في غيره من العصى التي قد تقتل، فهذا يسمى عند العلماء شبه عمد؛ لأن أصل الضرب عمد، والآلة لا تقتل، فإذا حصل قتل في مثل هذه الحالة، يسمى شبه عمد، فهو ليس خطأ، ولا هو بعمد، فلذلك تغلظ الدية. قال: «ففيه الدية مغلظة، مئة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها». وهذا نوع من التغليظ. وقد نبه العلماء على مسائل مثل هذه الأحكام في كتاب الحدود، وباب الديات. قال: «يا معشر قريش، إن الله قد أثاب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب». لأن آل قريش كانوا يفتخرون على الناس جميعًا بأنهم أهل الحرم، وغير ذلك. قال: «ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]». والمعنى بحسب التقوى، ومنه الإيمان يكون الكرم عند الله. قال: «ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم». قال: «فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92]، اذهبوا فأنتم الطلقاء». وهذه القصة مشهورة، ولكنها لم ترد بإسناد صحيح، كما نبه على ذلك العراقي، رحمه الله، وهكذا أيضًا جماعة من أهل العلم، وذكرها الشيخ الألباني، رحمه الله، في «الضعيفة»، حديث 263، وما بعده كذلك. قال: «ثم جلس في المسجد، فقام إليه علي، ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية». يعني اجعلها فينا، نحن بني هاشم، السقاية كانت لهم. فقال: «إذن تكون لنا كذلك الحجابة». يعني سدانة البيت، مفاتيحه، والإشراف عليه. قال صلى الله عليه وسلم: «أين عثمان بن طلحة؟». يعني من آل شيبة، فدعي له، فقال: «هاك مفتاحك، يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء». وأصل هذا الحديث جاء في صحيح مسلم، من حديث ابن عمر، في ذكر قصة المفتاح، وأخذه من عثمان بن طلحة، ورده إليه. قال: «وأمر بلالًا أن يصعد على الكعبة، فيؤذن، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام، وأشراف قريش، جلوس بفناء الكعبة». يعني بالساحة، ساحة الكعبة، مثل ما نقول الضاحية. قال: «فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيدًا، ألا يكون سمع هذا؟ فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه الحق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصاة». قال: «فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قد علمت الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم». يعني ما قال هؤلاء الثلاثة. فقال الحارث وعتاب: «نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول أخبرك». يعني فعلمنا أنك صادق في ذلك. وهذا لم أقف له على شيء صحيح صريح، ولكنه ذكره أهل السير مراسيل وبلاغات، وأشار إليه ابن القيم، رحمه الله، في «الزاد»، ونقله المؤلف منه. قال: «ثم دخل صلى الله عليه وسلم دار أم هانئ، فاغتسل، وصلى ثمان ركعات، صلاة الفتح». يعني هي صلاة الفتح، وهذا هو القول الراجح عند عدد من المحققين من أهل العلم، أنها ليست صلاة الضحى، بل هي صلاة شكر لله عز وجل، حين فتح الله عليه مكة. والحديث في الصحيحين، من حديث أم هانئ، وفيه القصة التي قالت: يا رسول الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يغتسل، فاطمة تستره. فقال: «من هذه؟ قالوا: أم هانئ. فقالت: إن أخي -أو إن ابن أمي- كأنه ابن الرضاع، أو ابن أمها من زوج آخر، قالت: إنه قاتل فلان بن هبيرة، وقد أجرته». لم تسمه، ولم تسم الأول. فقال النبي عليه الصلاة والسلام -الحديث المشهور-: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ». قال: «وكانوا من أهل الإسلام، إذا افتتحوا بلدًا، صلوا هذه الصلاة». يعني استنانًا بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، كما ذكر ذلك ابن القيم في «الزاد»، وفي غيره -يعني زاد المعاد-. قال: «ولم استقر الفتح، أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس كلهم». يعني أعطاهم الأمان، إلا تسعة نفر، هكذا جاء في عدد من كتب السير، عند ابن سعد، وغيره، من كتب أهل السير والتاريخ، وجاء بإسناد صحيح عند النسائي، أنهم أربعة نفر، وامرأتين. يعني ستة. وذكره الشيخ الألباني، رحمه الله، في «الصحيحة»، حديث 1723. وفي صحيح النسائي، أنهم أربعة، وامرأتان. وذكر الأربعة: عبد الله بن أبي السرح، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، المسمى بعبد العزى، وقيل: كان مسلمًا فارتد، وهكذا مقيس بن صبابة. قال رحمه الله: «إلا تسعة نفر، فإنه أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة: عبد الله بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد العزى بن خطل، والحارث بن نفير، ومقيس بن صبابة، وهبار بن الأسود، وقينتان لابن خطل». يعني جاريتان مغنيتان. «وسار مولاه لبعض بني عبد المطلب». وهؤلاء أمر بقتلهم؛ لأذيتهم للمسلمين، بين مرتد ومؤذ. قال: «فأما ابن سرح، فجاء فارًا إلى عثمان، فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل منه، بعد أن أمسك عنه؛ رجاء أن يقوم إليه بعض الصحابة فيقتله». وفيه الحديث الصحيح، الذي لما بايع ثلاثًا، لم يبايعه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك سكت عنه. فقال للصحابة: «أنه ألم يكن منكم رجل رشيد يراني أمتنع عن مبايعته ثلاثًا، فيقوم فيقتله، فيريح المسلمين من شره؟» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فقال له الصحابة: «وما أدران يا رسول الله، إن لا نعلم الغيب؟ وما أدران أنك تريد ذلك؟ لو أنك أومأت إلينا، أو غمزت». فقال: «ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين». والحديث حسنه الشيخ الألباني، وأصله في الصحيح. قال رحمه الله تعالى: «وأما عكرمة، فاستأمنت له امرأته، بعد أن هرب، وعادت به، فأسلم، وحسن إسلامه». وهذا روي بمراسيل كثيرة، صححها جماعة من أهل العلم، بمجموع طرقها. قال: «وأما ابن خطل، ومقيس، والحارث، وإحدى القينتين، فقتلوا. أما قتل ابن خطل، فأصله جاء في الصحيح. وأما مقيس والحارث، فقد روي في بلاغات ومراسيل». وأما ابن خطل، فقد قتل، استفق عليه عمار، وآخر، فسبق عمار، فقتل ابن خطل. قال: «وأما هبار، ففر، ثم جاء، فأسلم، وحسن إسلامه، واستؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسار، والإحدى القينتين، فأسلمتا». فلما كان الغد من يوم الفتح، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله، إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يسفك بها دمًا، أو يعضد بها شجرة». فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني يقول: قد قاتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فإذن نسخ أمر هذه الحرمة- فأجاب النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا ليس بصحيح. قال: «فقول له: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لك؛ لأن الرسول أوحي إليه، وإنما أحلت لي ساعة من نهار». يعني لحظات، لم تحل يومًا كاملًا، فضلًا أن تحل للناس من بعده. والحديث أصله في الصحيحين، من حديث أبي هريرة، وأبي شريح بن عباس، ومن حديث أبي شريح -أخذ قوله: «فلما كان الغد من يوم الفتح»- من رواية حديث أبي شريح. قال: «وهم فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف، فلما دنا منه، قال: أفضالة؟ قال: نعم. قال: فضالة، يا رسول الله؟ قال: ماذا تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء. قال: كنت أذكر الله. فضحك صلى الله عليه وسلم، ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه. وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري، حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه». قال فضاء بن أميه أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف، فلما دناه، قال: أفضالة؟ قال: نعم. قال: فضالة، يا رسول الله؟ قال: ماذا تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء. قال: كنت أذكر الله. فضحك صلى الله عليه وسلم، ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه. وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري، حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه. قال: «فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلما إلى الحديث. فقال: لا. وانبعث فضالة يقول: قالت: هلما إلى الحديث. قلت: لا. يأبى الإله عليك والإسلام». يعني أنه حسن إسلامه. «لو قد رأيت محمدًا وقبيله، بالفتح، يوم تكسر الأصنام، لرأيت دين الله أضحى بينًا، والشرك يغشى وجهه الإظلام». وهذه القصة ضعيفة، لم تصح. وقد ذكرها الشيخ البخاري، رحمه الله، مُضعفًا لها، في كتابه «دفاع عن الحديث والسنة». قال: «وفر يومئذ صفوان بن أميه، وعكرمة بن أبي جهل، فاستأمن عمير بن وهب، رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفوان، فلحقه وهو يريد أن يركب البحر، فرده». وهذا لم يرو بهذا السياق في شيء صحيح، لكن روي بعضه ببعض المراسيل، وحسنه بعض أهل العلم بمعناه، بمجموع طرقه. وتلك المراسيل والبلاغات التي رويت، فأصل القصة صحيح. وصفوان بن أميه هذا هو الذي تزوج امرأة عمر، رضي الله عنه، المشركة -أو إحدى امرأتي عمر المشركتين- فقد طلقهما عمر، رضي الله عنه، بعد صلح الحديبية، فتزوج إحداهما صفوان بن أميه، والأخرى معاوية بن أبي سفيان، قبل أن يسلم، كما جاء في البخاري، وغيره، في قصة صلح الحديبية، من حديث المسور بن مخرمة، ومروان. وهو أحد من دعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام في دعاء قنوت النوازل، فقد دعا على صفوان بن أميه، وسهيل بن عمر، والحارث بن هشام، حتى نزل قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128]، كما جاء في البخاري، وغيره. قال: «واستأمنت أم حكيم بنت الحارث بن هشام لزوجها عكرمة -يعني ابن أبي جهل- فلحقت به باليمن، فردته -يعني إلى النبي عليه الصلاة والسلام- فأسلم». وقد روي ذلك بمراسيل وبلاغات، وحسنه بعض أهل العلم بذلك. قال: «ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم بن أسيد الخزاعي، فجدد أنصاب الحرم». ومعنى أنصاب الحرم: يعني حدود الحرم، حدود الحرم من جهة اليمن، ومن جهة جدة، ومن جهة أيضًا الطائف، ومن جميع الجهات، كان للحرم حدود، ولا يزال العرب يجددونها. فجدد أمرها النبي صلى الله عليه وسلم في عام الفتح. وقد روي ذلك بإسناد يحتمل التحسين، رواه ابن سعد في «الطبقات»، من طريق عبد الله محمد بن عمر، عن عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل -وهو عامر بن واثلة الصحابي الليثي- عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما. وهكذا جدد هذه الحدود، عمر، رضي الله عنه، في خلافته، وبعده عثمان، وبعده عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله. قال: «وبث صلى الله عليه وسلم سراياه إلى الأوثان التي كانت حول مكة، فكسرت كلها: من اللات والعزى ومناة». وقد مر معنا قريبًا قصة خالد بن الوليد، وإرسال النبي صلى الله عليه وسلم له إلى نخلة، حين أمره بقطع العزى، وهي شجرة كان يعبدها أهل نخلة، ونخلة قرية وبلدة بين الطائف ومكة، وهي معروفة إلى يومنا هذا. وفيه قصة ذكرها شيخنا، رحمه الله، في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، حين قطع السمرات، فرجع، فأمره أن يرجع، فخرجت المرأة العريانة، التي هي ناشزة شعرها، فقتلها، فعممها بالسيف. فقال: «الآن يا خالد». يعني الآن أنهيت أمر العزى. وأرسل عمر بن العاص إلى سواع، في هذين. وأرسل عليه الصلاة والسلام سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، بالمشلل. وذكر ذلك ابن سعد، رحمه الله تعالى، بمراسيل، وغيرها، وبعضها صح في الأحاديث الصحيحة، كما سمعنا. قال: «ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدع في بيته صنمًا إلا كسره». وهذا بهذا الإسناد ضعيف، قال الشيخ الألباني، رحمه الله، في «ضعيف الترغيب»: منكر. وذكره ابن سعد بإسناد لا يصح. ولكن معناه صحيح؛ فقد جاء في صحيح مسلم، روي هذا الذي ذكره الشيخ هنا، من حديث علي. وقلنا: بهذا اللفظ، قال الشيخ الألباني: منكر. لكنه جاء في صحيح مسلم، من حديث علي، رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله، وقال علي لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته». وفي رواية: «ولا صورة إلا طمسته». والله تعالى أعلم. يقول: هل هذه الصلاة خاصة بالأمير، أم كل الجيش؟ صلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ائتس به، فله ذلك. يقول: كيف الرد على المدعو نصر الله، زعيم الحركة الشيعية، في قولي عن الصحابة: أبي سفيان أنه أسلم نفاقًا، رضي الله عنه؟ الجواب: أنه لو أسلم نفاقًا، لما قبل منه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يسلم المرء في أول أمره، ثم يقوى إسلامه. وليس قوة الإسلام دليل على أن ما قبل ذلك كان نفاقًا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتألف الناس، وهذه سياسة شرعية صحيحة، دلت عليها دلالة الكتاب والسنة. ومما أجمع عليه المسلمون: أن من مال الزكاة ما يعطى للمؤلفة قلوبهم. وهل هؤلاء المؤلفة الذين يعطون من الزكاة فيسلمون، يكون معناه أنهم ليسوا بمؤمنين؟ لو كانوا منافقين، وجزم بنفاقهم، ما جاز أن يعطوا من الزكاة. فالزكاة إنما هي للمسلم، ولكن الناس تفاوتون في الإسلام، الناس تفاوتون في الإسلام. وبعد ذلك يحسن إسلام الناس بعد دخولهم بالإسلام، ورؤيتهم ما فيه من شواهد الحق. والله تعالى أعلم، سبحانه. الله بحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.