الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش رأيًا يعتبر الدعاء لغير الله شركًا أصغر ويرد عليه بأنه شرك أكبر لما ورد في القرآن والسنة من إنكار شديد. يُبين أن الشرك الأصغر أهون من الشرك الأكبر.
يتناول تحريم الحلف بغير الله إذا قصد به تعظيم المحلوف به، ويعتبر من الشرك الأكبر، كما يبين أهمية الدعاء لله وحده وأنه مخ العبادة.
يفرق بين الدعاء والحلف بغير الله، ويبين أن الدعاء عبادة مشروعة ومحبوبة لله، بينما الحلف بغير الله ليس مشروعًا وقد يكون شركًا أصغر أو أكبر حسب النية.
أشار إلى كلام اليماني ولم يخوض في تفاصيله، مؤجلا ذلك إلى الدرس القادم، وختم الدرس بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة أحمد بن ناصر: قال معمر بن راشد، رحمه الله، في كتابه النبذة الشريفة النفيسة: فصل فيما قاله الثاني. إن نظر فيه من حيثية القول، فهو كالحلف بغير الله، وقد ورد أنه شرك وكفر، ثم أولوه بالأصغر. وإن نظر فيه من حيثية الاعتقاد، فهو كالطيرة، وهي من الشرك الأصغر. سبحان الله، تجد أن الناس أنواع وأشكال، فبعضهم يأتي ويغلط أهل العلم في بعض المباحث، ويظن نفسه أنه أصاب. والأصل أنه يريد أن يدافع عن آخرين من أهل البدع وغيرهم، فيقوم يغلط أهل العلم فيما هم عليه. فهذا الرجل الذي ذكره هنا أراد أن يثبت أن دعاء غير الله والذبح لغير الله من الشرك الأصغر، وليس من الشرك الأكبر. فعلًا، إنهم يريدون أن يبرروا الذين يفعلون هذه الأشياء ويستغيثون بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أنهم لم يشركوا شركًا أكبر، وإنما شركهم شرك أصغر. وقد ذكر المؤلف، رحمه الله، فيما تقدم بيانًا حازمًا يبين أن ما أنكره الله عز وجل وما أنكره رسوله صلى الله عليه وسلم عن المشركين هو نفسه الذي يفعله هؤلاء. فكيف يقال بعد ذلك أن هذا شرك أصغر؟ فلو كان شركًا أصغر لما كان هذا الإنكار العظيم وتكفيره. والشرك الأصغر هو أهون من الشرك الأكبر، ولا شك. فالنبي عليه الصلاة والسلام، في حديث الطفيل، لما رأى رؤيا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الطفيل قد رأى رؤيا، قصها على من قصها". ثم ذكر لهم الرؤيا. لما رأى اليهود والنصارى، قومًا من اليهود، فقال: "أنتم القوم، لولا أنكم تقولون عزير ابن الله". ورأى قوم النصارى، فقال: "أنتم القوم، لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله". فقالوا له: "إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد". تقولون: "والكعبة". فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: "قد أردت، أو قال: قد قلت، أو قد كنت أقول، أو سأقول"، عليه الصلاة والسلام يقول: "لكن منعني كذا وكذا، فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله وحده، ولا تقولوا والكعبة، وقولوا ورب الكعبة". تبين من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبرهم بذلك في وقت، لعله منعه مانع. فلو كان من الشرك الأكبر لما تأخر النبي عليه الصلاة والسلام، وما قره شيء، لأنه أعظم شيء يعصى به الله عز وجل، وهو الشرك الأكبر. فلهذا، فبعيد أن يكون هذا الدعاء لغير الله والاستغاثة بغير الله من الشرك الأصغر. قال رحمه الله في رده على هذه الشبهة: فيقول هذا الذي ذكر هذه الشبهة: "إن نظر فيه من حيثية القول، فهو كالحلف بغير الله". معنى ذلك: إذا كان قال: "يا فلان، اغفر لي"، أو "يا فلان، أغثني"، كما يقولون: "غوث يا عيدروس"، غوث، كذا، معنى أغثني. فإن كان من حيث القول، قال: كالحلف بغير الله، لأنه قال هذا تعظيمًا. لكن العلماء أيضًا متفقون، كما ذكر غير واحد من الأئمة، منهم شيخ الإسلام، متفقون على أن الحلف بغير الله من الشرك الأصغر. لكن إذا قصد التعظيم، فهو من الشرك الأكبر. إذا قصد تعظيم المحلوف به، فيكون يعتبر من الشرك الأكبر. قال: فنقول: أو سيرد هنا المؤلف، رحمه الله، قال: فنقول: هذا كلام باطل، وليس يخفى ما بينهما من الفرق. فأي مشابهة بين من وحد الله، وعبده، ولم يشرك معه أحدًا من خلقه، وأنزل حاجاته كلها بالله، واستغاث به في تفرج كرباته وإغاثة لحاجاته، لكنه حلف بغير الله يمينًا مجردًا، لم يقصد بها تعظيمه على ربه، ولم يسأله، ولم يستغث به؟ أن هذا فرق شاسع بينهما. وبين من استغاث بغير الله، وسأله جلب الفوائد وكشف الشدائد. فإن هذا صرف مخ العبادة، الذي هو لبها وخالصها، لغير الله، وأشرك مع الله غيره في أجل العبادات وأفضل القربات التي أمر الله بها في غير موضع من كتابه. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه هو العبادة، كما تقدم في حديث النعمان بن بشير: "أن الدعاء هو العبادة". وفي حديث: "أن الدعاء مخ العبادة". قد ذكرنا أن الأول صحيح، والثاني غير صحيح. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله يحب الملحين فيه. وأيضًا ذكرنا هذا الحديث: "أنه لا يصح". وأن من لم يسأل الله يغضب عليه. وهذا الحديث قد ذكر، وأنه مختلف في صالح الخوزي. قال في الترمذي، عن المسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أنه قال: سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل". وفيه أيضًا: "أن الله يحب الملحين في الدعاء". وقد تقدم هذا. قالوا فيه أيضًا: "من لم يسأل الله يغضب عليه". أي: فيه، أي: في الترمذي. وفي الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس شيء على الله أكرم من الدعاء". ليس شيء على الله أكرم من الدعاء. وهذا الحديث خرجه الإمام أحمد كذلك. وأيضًا ما ذكره المؤلف، وذكره البخاري في الأدب المفرد، خرجوه كلهم من طريق عمران القطان، عمران بن داور القطان. وهذا ليس الخارجي عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن أبي هريرة. وهذا إسناد حسن. لكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، لم يسمع من أبي هريرة. فلهذا فالحديث إسناده لا يصح. وقد صرح بأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة جماعة من أصحابه، منهم قتادة. قتادة يقول: إن الحسن لم يسمع منه. وهنا ذكر القتادة عن سعيد بن أبي الحسن أيضًا، جاء في رواية عن سعيد بن أبي الحسن، عن أبي هريرة. قال: فالحديث مختلف فيه، لأنه مختلف أولًا في رواية الحسن. وكذلك أيضًا عمران بن القطان، وهو ابن داور، مختلف فيه. قال: فإن قال: وأما الحلف، فلم يأمرنا الله به، بل أمرنا بحفظه. فقال جل وعلا: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. إنما لم يأمر الله عز وجل بأن يحلفوا الناس، وإنما أمرهم بحفظه. واحفظوا أيمانكم، فإن المعنى: لا تحلفوا. وقيل: إلا تحنثوا. أن لا يكون حلفكم إلا في شيء مؤكد. وإلا، الواجب على المسلم أن يحفظ إيمانه، أن يحفظ أيمانه. قال: ولا يرد على هذا ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: "أنه حلف في مواضع". فإن اليمين تستحب إذا كان فيها مصلحة راجحة. ولهذا لا ينبغي للمسلم أن يحلف على كل شيء، وإنما يحلف ليؤكد أمرًا مهمًا، أو يحلف على عظيم. قالوا: على هذا حمل العلماء ما روي في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهو يحلف لمصالح مطلوبة للأمة، كزيادة إيمانهم، وطمأنينة قلوبهم، كما أمره الله بذلك في ثلاثة مواضع من كتابه. قالوا: أمره في مواضع في تأكيد البعث: ﴿قُلْ وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾. قال: وأما الحلف بغير الله، وأما الحلف لغير مصلحة، فليس مشروعًا، بل يبغض. وكان صادقًا. وأما الدعاء، فمشروع محبوب لله، بل سماه الله في كتابه الدين، كما تقدم. وأمر بإخلاصه له، وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العبادة، ومخ العبادة. فكيف يقال: هو كالحلف؟ كيف يقارن؟ يقال: هذا الدعاء مثل الحلف؟ الدعاء مأمور به، وحتى الله عز وجل عليه. لكن الحلف لم يأمر الله عز وجل أن الناس يحلفوا، بل قال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. قال: فمن صرف الدعاء لغير الله، فقد أشرك في الدين الذي أمر الله بإخلاصه، لأن الله عز وجل سماه دينًا. فادعوا الله مخلصين له الدين. قالوا: في العبادة التي أمر الله بها. وأيضًا، فإن الداعي راغب راهب. فالعبد يدعو ربه رغبة ورهبة، ويتوكل عليه في حصول مطلوبه ودفع مرهوبه. فإذا طلب فوائده وكشف شدائده من غير الله، فقد أشرك مع الله في الرغبة والرهبة والرجاء والتوكل. فإن هذا من لوازم الدعاء، لأن الدعاء لا بد أن يكون رغبة ورهبة، ويدخل أيضًا فيه الرجاء: الرجاء في الثواب، والخوف من العقاب، والتوكل على الله جل وعلا، أي: اعتماد الاعتماد عليه سبحانه وتعالى، وتفويض الأمور إليه. قال: وأمر العبادة التي أمر الله بها في قوله جل وعلا: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، أي: اخلص لله جل وعلا عبادتك. وقوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: فمن استغاث بغير الله، فهو راغب إليه في حصول مطلوبه، راج له، متوكل عليه. وذلك هو حقيقة العبادة التي لا تصح إلا لله، وهو معنى "لا إله إلا الله". فإن الإله هو الذي تعلقه القلوب محبة ورجاء وخوفًا وتوكلًا. ويقال أيضًا: إن الذي يدعو غير الله في مهماته وكشف كرباته، قد رد على الله كلامه، وكذب بآياته. فإن الله عز وجل أخبر أنه لا يشفى عنده أحد إلا بإذنه، وأن الشفاعة كلها لله. وهذا زعم أن الميت يجير له. وأخبر الله أن الأولياء والصالحين لا يملكون كشف الضر، ولا تحويله. أنا في قول الله عز وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾. وهذا زعم أنهم باب حوائجهم لله، أي: هؤلاء المقبورين، وأنهم ينفعون ويشفعون. وللدعاء يسمعون، وله يستجيبون. فكذب على الله، وكذب بآياته. فكيف يقال: إن هذا كالحلف بغير الله الذي أولوه أن يكون شركًا أصغر يعاقب عليه، كما يعاقب الزاني، لأن الشرك الأصغر يعتبر من الكبائر. قال: "وقاتل النفس، وآكل الربا"، لأنه ارتكب محرمًا غير مستحل له، نظير ما يفعله الزاني، وقاتل النفس. فأما إن فعله مستحلًا، أو لكون المخلوق في قلبه أعظم من الخالق، كان ذلك كفرًا. ثم ذكر كلام اليماني مقيم، فإن شاء الله تعالى نكتب بهذا، ونترك ذلك إلى الدرس اللاحق. الحمد لله رب العالمين.